لهذه الأسباب لن يستقر الشرق الأوسط


Vendeurs-d'Armes

فورين أفيرز: لهذه الأسباب لن يستقر الشرق الأوسط

Foreign Affairs – مجلة سياسية

https://midan.aljazeera.net/

 

إنَّ نُذُر الحرب التي تلوح على نحو كبير في منطقة الشرق الأوسط تبدو أنها حرب لا يريدها أحد؛ فقد ندَّد دونالد ترمب خلال حملته الانتخابية بمسألة تورّط الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط، ولم تتغيّر لهجته حول الأمر حتى بعد تولّيه منصبَ الرئاسة. أمّا إيران، من جهتها، فليس لديها مصلحة في اندلاع نزاع واسع النطاق لا تستطيع الانتصار فيه. في حين أنَّ إسرائيل، رغم رضاها عن تنفيذ عمليات محسوبة في العراق ولبنان وسوريا وغزة، تبدو متخوّفة من اندلاع مواجهات أكبر تُعرِّضها لاستقبال الآلاف من الصواريخ. والسعودية بدورها مُصمِّمة على التصدي لإيران لكن دون أنْ تضطر إلى مواجهتها عسكريا. وعلى الرغم من هذه المواقف، يمكن القول إنَّ اندلاع حرب شاملة في الشرق الأوسط ما زال مستوفيا لشروطه أكثر من أي وقت آخر في التاريخ الحديث.   

إنَّ النزاع في أيِّ واحدة من المناطق المذكورة يمكن أنْ يقع لأي سبب من الأسباب، فلو نظرنا في هجوم  14[1]سبتمبر/أيلول على المنشآت النفطيّة السعودية يمكن القول نظريا إنه هجوم نفَّذه الحوثيون، الجماعة اليمنية المتمردة، في سياق حربهم مع المملكة. وربما تكون إيران هي التي قامت بالهجوم ردا على العقوبات الأميركية المرهقة، أو قامت به ميليشيّات شيعيّة في العراق مدعومة من إيران. بناء عليه، لو أرادت واشنطن القيام بعمل عسكري ضد إيران فإنه سيؤدي بدوره إلى انتقام إيران من حلفاء الولايات المتحدة الخليجيين، وقد يتسبّب في هجوم حزب الله ضد إسرائيل أو قيام الميليشيات الشيعية بعمليات[2]ضد موظفي الولايات المتحدة في العراق.وبالقدر نفسه، فإنَّ عمليات إسرائيل ضد حلفاء إيران، في أيِّ مكان في الشرق الأوسط، من شأنه أن يُفجِّر سلسلة ردود على مستوى الإقليم بأكمله. ولهذا السبب فإنّ أيَّ نزاع في أيٍّ من بلدان المنطقة سيمتد أثره على كل المنطقة، الشيء الذي يجعل مسألة احتوائه في نطاق ضيّق عملية عديمة الجدوى.   

الحرب التي يخوضها الحوثيون أصبحت في الآونة الأخيرة ساحة للتنافس الإيراني السعودي، وباتت سببا إضافيا لتعميق التدخل العسكري الأميركي

 

عندما يتعلَّق الأمر بمنطقة الشرق الأوسط فإنَّ تب أونايل، السياسي الديمقراطي الشهير، يرى أنَّ مقاربة الأوضاع في بلدان هذه المنطقة يجب أن تُفهم على عكس المنطق السائد؛ بمعنى أنَّ كل سياسات المنطقة، وبخاصّة السياسة على المستوى المحلي، تُمارس بمنطق السياسات الدولية. في اليمن، نجد أنَّ الحرب التي يخوضها الحوثيون مَثَّلت إلى وقت قريب نزاعا داخليا لم يستأثر باهتمام العالم، على اعتبار أنه نزاع تخوضه جماعة متمردة عادية ضد حكومة ضعيفة في واحدة من أفقر دول المنطقة. إلّا أنَّ هذه الحرب -ذاتها- أصبحت في الآونة الأخيرة ساحة للتنافس الإيراني السعودي، وباتت سببا إضافيا لتعميق التدخل العسكري الأميركي. قمع النظام السوري للانتفاضة الشعبيّة الذي اتسم بوحشية تفوق عمليات القمع التي شهدتها البلاد في وقت سابق، ليس الأول من نوعه لا في المنطقة ولا حتى في تاريخ سوريا الحديث، فقد تحوّل هذا القمع مؤخرا إلى ساحة مواجهة دولية استقطبت عددا من الدول، وأسفرت عن وقوع أكبر عدد من القتلى الروس على يد الولايات المتحدة، كما دفع دولا كتركيا وروسيا وإيران وإسرائيل إلى شفا الحرب. والأمر نفسه بالنسبة للصراع الداخلي في ليبيا[3]، حيث لم يقتصر على مصر وقطر والسعودية وتركيا والإمارات فحسب، وإنما سحب إلى دائرته كلًّا من روسيا والولايات المتحدة.

  

هناك تفسير رئيسي لفهم مثل هذه المخاطر، فقد أصبح الشرق الأوسط المنطقة الأكثر استقطابا في العالم، وللمفارقة، أكثرها تكاملا. فهذه المزاوجة، إلى جانب وجود هياكل دولة هشة تنشط فيها أطراف فاعلة من خارجها، وفي ظلِّ حدوث تحولات عديدة في الوقت نفسه، جعلت الشرق الأوسط أكثر منطقة مضطربة في العالم. وهو يعني أيضا أنه ما دام موقف الولايات المتحدة الإقليمي باقيا على حاله، فإنها لن تتعدى كونها ضربة درون حوثيّة سيئة التوقيت خطيرة الهدف، أو عملية إسرائيلية فعّالة على نحو خاص ضد ميليشيا شيعية، بعيدا عن تورّطها الإقليمي القريب المُكلِّف. في المحصّلة، السؤال الأساسي هنا لا يتعلَّق بضرورة انسحاب الولايات المتحدة من عدمه من المنطقة، وإنما يتعلَّق بالكيفية التي ينبغي أن تنخرط بها، فهل يكون تدخُّلا دبلوماسيا أم عسكريا؟ أو هل يكون من خلال مضاعفة الانقسامات أم عبر التخفيف من حدّتها؟ أو هل يكون من خلال التأييد المطلق لطرف أم من خلال السعي إلى تحقيق قدر من التوازن بين الأطراف؟

تصرَّف على المستوى المحلي وفكِّر على مستوى الإقليم

تَتَكشّف في التاريخ الحديث للشرق الأوسط سلسلة من النزاعات المتعاقبة، فكل نزاع جديد يتبوّأ مكان سلفه، وبعضه يحظى بأهمية مؤقتة على حساب النزاعات الأخرى، لكن المشترك بينها جميعا هو أنَّ كل هذه النزاعات لم يتم حلّها على نحو حقيقي وكامل. في الوقت الراهن، يظهر من النزاعات الثلاثة الرئيسية في الشرق الأوسط التي تجري بين إسرائيل وخصومها، وبين إيران والسعودية، وبين الكُتل السنيّة المتنافسة، أنها تتشابك بصورة خطرة تُنذر بالانفجار.

الصراع بين إيران و السعودية ليس مذهبيا، بل هو صراع مدفوع بسياسات القوة والمنافسة على النفوذ الإقليمي

   

فخصوم إسرائيل -فيما يُعرف بمحور المقاومة- يتمثّلون حاليا في إيران وحزب الله وحماس وسوريا. والمعارك تُدور في الميادين التقليدية للحرب في الضفة الغربية وغزة، وفي سوريا حيث تشنُّ إسرائيل غارات روتينية تستهدف القوات الإيرانية والقوات الموالية لها. إلى جانب ذلك، هناك معارك في الفضاء الإلكتروني ومعارك في لبنان، حيث تُواجه إسرائيل قوات حزب الله المسلّحة تسليحا ثقيلا والمدعومة من إيران. وحتى في العراق تُواصل إسرائيل ملاحقة خصومها هناك، بل قيل إنها بدأت باستهداف القوات الموالية لإيران. إنَّ غياب السواد الأعظم من الدول العربية من خطوط المواجهة جعل من هذه المعارك أقل بروزا في المشهد وإن كانت ليست الأقل خطورة.  

وقد جرى تهميش الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في هذه الدول العربية بسبب انشغالها بمعاركها الأخرى؛ فالسعودية تُعطي الأولوية لمسألة ندّيّتها مع إيران، الطرف الآخر من الصراع الشيعي-السني الذي يستغلِّه البلدان، ويُحشد له الأتباع في ميدان المنافسة القائمة بينهما. وفي الحقيقة فإنَّ الصراع بين البلدين ليس مذهبيا، بل هو صراع مدفوع بسياسات القوة والمنافسة على النفوذ الإقليمي الذي ظلّت تتكشّف فصوله في العراق وليبيا وسوريا واليمن ودول الخليج.  

وهناك أخيرا الصراع السنِّي-السنِّي، الذي تتبارى فيه كلٌّ من مصر والسعودية والإمارات مع قطر وتركيا. وكما أوضحنا -شخصي وحسين آغا- في مقال نُشر في صحيفة النيويوركا،[4] في شهر مارس/آذار، أن هذا الصراع يُعَدُّ أخطر انقسام تشهده المنطقة، فهو صراع يجري فيه الرهان على من يفرض سيادته على العالم السني، ويُحدِّد دور الإسلام السياسي في المنطقة. وسواء تعلّق الأمر بالمنافسة في مصر وليبيا وسوريا وتونس أو ببلدان بعيدة مثل السودان، فمن شأن هذا الصراع أنْ يُحدِّد مستقبل المنطقة بشكل كبير.

تفتقر المنطقة -إضافة إلى قضية الاستقطاب- إلى سُبُل تواصل فعّالة بين الخصوم، وهو الأمر الذي بات يُعقِّد الأوضاع أكثر. فلا وجود لقنوات تواصل بين إيران وإسرائيل، وتنعدم قنوات التواصل الرسمي بين إيران والسعودية، وحتى جهود التواصل القائمة بين الكُتل السنية المتصارعة لا تعدو أن تكون مجرد تباهٍ خطابي أكثر منها تواصلا دبلوماسيا حقيقيا.

إلى جانب هذه الانقسامات، التي تتفاعل فيما بينها بصورة مُعقَّدة، تنزع المجموعات في بعض الأحيان إلى توحيد جهودها حول القضايا وفي أوقات أخرى تلجأ للمنافسة. على سبيل المثال، عندما تعلق الأمر بقضية الإطاحة بالرئيس السوري، بشّار الأسد، اتخذت السعودية والإمارات موقف قطر وتركيا نفسه من قضية دعم الثوار السوريين، في حين أنَّ كل طرف منهما دعم مجموعات مختلفة تُبيِّن اختلاف توجّهاته من الدور المنوط بالإسلاميين في الثورة. ولهذا السبب اتخذت هذه الدول نفسها مواقف متعارضة حيال المسألة المصرية، فدفعت قطر وتركيا بقوة في اتجاه دعم حكومة يقودها الإخوان المسلمون، في الوقت الذي كانت الرياض وأبوظبي تحاولان فيه الإطاحة بها (سقطت الحكومة في 2013، ليحلّ محلها الحكم الاستبدادي لعبد الفتاح السيسي). إنَّ قطر وتركيا تهابان إيران بالطبع ولكنهما تهابان السعودية أكثر. والشيء نفسه بالنسبة إلى حماس، فهي تقف مع سوريا ضد إسرائيل، لكنها مع ذلك ساندت المعارضة السورية والإسلاميين ضد نظام الأسد. وبطبيعة الحال، فإنَّ الانقسامات الداخلية في الشرق الأوسط يمكن أن تتغيَّر لكن مع ذلك يصعب أن يجد المرء منطقة أخرى في العالم تجري فيها مثل هذه الانقسامات بصورة دقيقة وشاملة كما هو الحال في الشرق الأوسط.

إضافة إلى ما سبق، يصعب على المرء أن يجد منطقة متكاملة كالشرق الأوسط، وهذا هو في الحقيقة العامل الثاني وراء وضعها غير المستقر؛ وهي الخلاصة التي ستفاجئ العديد من الناس باعتبارها خلاصة غريبة. فالشرق الأوسط من الناحية الاقتصادية يُعَدُّ من بين أقل المناطق تكاملا في العالم، أما من الناحية المؤسسية فالجامعة العربية تُعتَبر أقل تماسكا من الاتحاد الأوروبي وأقل فعالية من الاتحاد الأفريقي وأكثر اختلالا من منظمة الدول الأميركية، بل لا وجود لأي كيان إقليمي يجمع الدول العربية مع الجهات غير العربية الأكثر نشاطا في المنطقة مثل إيران وإسرائيل وتركيا. 

لكن في مجالات أخرى عديدة ينفرد الشرق الأوسط بوصفه فضاء موحّدا، فالأيدولوجيات والحركات منتشرة عبر حدوده. في الماضي شاعت فيه العروبة والناصرية، واليوم ينتشر فيه الإسلام السياسي والحركات الجهادية. إذ تمتلك حركة الإخوان المسلمين فروعا نشطة في مصر والعراق والأردن والأراضي الفلسطينية وسوريا وتركيا وفي دول الخليج وفي شمال أفريقيا. والشيء نفسه بالنسبة إلى الحركات الجهادية مثل القاعدة والدولة الإسلامية أو داعش، فهي الأخرى تتبنّى أجندات عابرة للحدود تنبذ فكرة الدولة القُطرية والحدود القائمة عليها بالكامل.

أما أتباع المذهب الشيعي الإيراني فيتوفّرون بأعداد مختلفة في بلاد الشام والخليج، وغالبا ما يكونون في هيئة ميليشيات مسلحة تتطلّع نحو إيران من أجل استلهام التجربة والحصول على الدعم. والسعودية بدورها سعت إلى تصدير الوهابية، المذهب الإسلامي المتشدد، وإلى تمويل السياسيين والحركات السياسية في جميع أنحاء العالم. ينطبق الأمر ذاته على المنابر الإعلامية المدعومة من أحد أطراف النزاع السني-السني، مثل الجزيرة القطرية وقناة العربية السعودية؛ فهذه المنابر لها قدرة على الوصول إلى جميع الناس على مستوى المنطقة. ولا تزال أصداء القضية الفلسطينية -وإن بدت أنها تراجعت- تتردّد في جميع المنطقة، بل يمكن القول إنّ لها القدرة على تعبئة الناس بطريقة ليس لها ما يُعادلها في جميع أنحاء العالم. وحتى الحركات شبه القومية، مثل الحركة القومية الكردية التي يمتد تأثيرها في أربعة بلدان، تُشجِّع الأجندات التي تتخطّى الحدود القُطرية.

تبعا لذلك، فإنَّ الصراعات المحلية في الشرق الأوسط سرعان ما تتخذ أبعادا إقليمية، وبالتالي تجتذب الأسلحة والأموال والدعم السياسي من الخارج. فالحوثيون قد يرون معركتهم باعتبارها بالأساس معركة من أجل اليمن، وحزب الله يرى معركته تتمحور حول السلطة والسياسة في لبنان، وحماس قد تكون حركة فلسطينية تسعى من أجل تعزيز القضية الفلسطينية، والفصائل المعارضة السورية تسعى لتحقيق أهداف وطنية. ولمّا كان هذا النضال المحلي يجري في منطقة شديدة الاستقطاب والتشابك فإن القادة المحليين سرعان ما يقعون تحت سيطرة القوى الخارجية الكبرى.

الدول الضعيفة التي تنشط فيها الجهات الفاعلة غير الحكومية تهيئ الظروف المثالية للتدخُّل الأجنبي. في حالة إيران مثلا، بات من شبه المؤكّد أنها تساعد الحوثيين والميليشيات الحوثية.
   

يبدو هذا التدخُّل الخارجي بوضوح في مآلات الانتفاضات العربية التي بدأت في أواخر عام 2011. يُستثنى من ذلك تونس، التي مَثَّلت شرارة تلك الثورات، فقد جرت فيها عملية الإطاحة بالرئيس بسرعة شديدة وبشكل مفاجئ في هذا البلد الذي كان يُعَدُّ على هامش السياسة الإقليمية، وبالتالي لم تتح الفرصة للدول الأخرى لتتجاوب مع ذلك التحوّل في الوقت المناسب. غير أن التدخُّل الخارجي سرعان ما عثر على موطئ قدم في الثورات التي جرت في وقت لاحق في المنطقة، فأصبحت تحظى بأهمية إقليمية ودولية. وقد تجلّى هذا التدخُّل في تجربة مصر، عندما وضعت الثورة مصير الإخوان المسلمين والإسلام السياسي على المحك، الشيء الذي سمح بتدخل قطر والسعودية وتركيا والإمارات. وحصل الشيء نفسه في ليبيا، حيث انخرطت مصر في المعارك الدائرة هناك بعد أن سادت الغلبة للسيسي وتخلّص من الإخوان المسلمين.  وفي سوريا أيضا، اجتذبت الحرب الأهلية هناك النزاعات الإقليمية الثلاثة: النزاع الإسرائيلي مع محور المقاومة، والنزاع الإيراني-السعودي، والنزاع السني الداخلي. وجرى -كذلك- تنفيذ سيناريو مماثل في اليمن.

الفوضى الضاربة

إضافة إلى عاملَيْ الاستقطاب والتكامل، يُعاني الشرق الأوسط من حالة اختلال في هياكل الدولة، حيث نجد هياكل بعض دوله أشبه ما تكون بهياكل الجهات الفاعلة غير الحكومية. ولهذا نجد الحكومات المركزية في ليبيا وسوريا واليمن تعوزها السيطرة على مساحات شاسعة من أراضيها. وبالنتيجة، تقوم الجهات الفاعلة غير الحكومية، مثل حماس والحركة الحوثية والأكراد والدولة الإسلامية (قبل الإطاحة بها)، بتولّي مهام الدولة الافتراضية. وفي المقابل، يتعيّن على هذه الجهات نفسها أن تتعايش مع مُخرّبين فاعلين من نوع خاص؛ فحماس تتصارع في غزة مع المجموعات الجهادية التي تتصرّف أحيانا بصورة تضر سلطتها أو تتعارض مع أهدافها. وحتى في الدول التي تمتلك هياكل وظيفية فاعلة، ليس من الواضح دائما معرفة الجهة المسؤولة عن وضع سياساتها، فالميليشيات الشيعيّة في العراق وحزب الله في لبنان يقومان بأنشطة لا تستطيع الجهات السيادية في البلدين السيطرة عليها، ناهيك بأن يكون بمقدورها غضّ الطرف عن أنشطتها.

فضلا عما سبق، فإن الدول الضعيفة التي تنشط فيها الجهات الفاعلة غير الحكومية تهيئ الظروف المثالية للتدخُّل الأجنبي. ومع أن عملية التدخُّل هذه تعمل وفقا لمسارين، مسار تسعى فيه الدول الأجنبية إلى استغلال المجموعات المسلحة [من الجهات الفاعلة غير الحكومية] من أجل تعزيز مصالحها، ومسار آخر تلجأ فيه المجموعات المسلحة إلى الدول الأجنبية من أجل تقوية وضعها، إلا أنها في المجمل علاقة لا تخلو من سوء تفسير. في حالة إيران مثلا، بات من شبه المؤكّد أنها تساعد الحوثيين والميليشيات الحوثية، لكن هل يعني ذلك أنها تتحكّم فيهم؟ الشيء نفسه بالنسبة لوحدات حماية الشعب، حركة المقاتلين الأكراد في سوريا، فهي الأخرى مرتبطة بحزب العمال الكردستاني في تركيا، لكن هل تتلقّى منها التوجيهات؟  

ومما يُفاقم من سوء التفسير لطبيعة هذه العلاقة أن الجهات الفاعلة غير الحكومية تعمل كجهات مستقلة، وفي الوقت نفسه تعمل بالوكالة عن أطراف خارجية؛ ما يجعل من مسألة التثبُّت من مسؤولية ارتكابها للعنف أو ردعها من البداية أمرا صعبا. ولهذا السبب تفترض إيران بالخطأ أنها لن تكون مسؤولة عن هجوم الحوثيين بالطائرات المسيّرة على السعودية، أو عن هجوم حركة الجهاد الفلسطينية على إسرائيل، أو هجوم الميليشيّات الشيعيّة في العراق على أهداف أميركية. والسعودية من جهتها قد تلجأ إلى إلقاء اللوم على إيران عند أي هجوم حوثي تتعرّض له، شأنها في ذلك شأن إيران التي قد تلوم السعودية عند أي حادثة عنف ترتكبها المجموعات المعارضة على أراضيها. أما الولايات المتحدة فهي بدورها تكاد تكون مقتنعة بأن كل الميليشيّات الشيعيّة ما هي إلا ميليشيّات تُنفِّذ عمليات بالوكالة عن طهران. إسرائيل من جانبها قد تُحمِّل حماس مسؤولية أي هجوم يصدر من غزة، أو تُلقي اللوم على إيران في أي هجوم يصدر من سوريا، أو تَعتَبِر لبنان مسؤولا عن شنّ حزب الله لأي هجوم عليها. وفي كل الأحوال، سيكون سوء التفسير لأي حالة من الحالات السالفة أمرا باهظ الثمن.

إنَّ هذا الذي نُقرِّره ليس مجرد تمرين فكري، فقد أعلن الحوثيون مباشرة بعد الهجوم على المنشآت النفطيّة السعودية في سبتمبر/أيلول عن مسؤوليتهم عن الهجوم، ربما أملا في تعزيز موقفهم؛ في حين أنكرت إيران أيَّ دور لها في الهجوم، سعيا منها ربما لتفادي أي رد فعل أميركي تجاهها. في المحصلة، فإن أي جهة تُنفِّذ الهجوم ويتم عقابها -أيًّا كانت هذه الجهة- سيُفضي عقابها إلى تداعيات واسعة النطاق.

وفي الدول التي تمتلك هياكل وظيفية جيدة للدولة باتت مراكز صناعة القرار غير معروفة؛ ففي إيران -على سبيل المثال- تبدو الحكومة والحرس الثوري الإسلامي، الذي يتلقّى التوجيهات مباشرة من المرشد الأعلى، في بعض الأحيان وكأنهما يعملان بصورة منفصلة ومستقلّة عن بعضهما بعضا. فهل تُعتَبر هذه الاستقلالية قرارا واعيا لتقسيم العمل بينهما أم أنها تعكس صراعا حقيقيا؟ الإجابة عن هذا السؤال قابلة للنقاش بالطبع، شأنها شأن السؤال المُتعلِّق بمَن منهما يتحكّم في السلطة.

العوامل المضاعفة للخطر

في الواقع، هناك جملة تحوّلات دوليّة وإقليميّة ومحليّة ساهمت في تعقيد التفاعلات آنفة الذكر، لا سيما التحوّلات الدوليّة المُتمثِّلة في بروز الصين واستعادة روسيا لنفوذها تزامنا مع تراجع نسبي لمكانة الولايات المتحدة على المسرح الدولي. أما على مستوى التحوّلات الإقليمية، فهناك تأثير الانتفاضات العربية، خصوصا التأثيرات المتصلة بتفكّك النظام الإقليمي وتفشي ظاهرة الدول الفاشلة. كما ساهمت التغيّرات المحلية أيضا في تفاقم الأوضاع، خصوصا بعد وصول قيادة جديدة حازمة على غير العادة في السعودية، بالتوازي مع وصول قيادة جديدة استثنائية في الولايات المتحدة. كل هذه التطوّرات أجّجت المنطقة وساد فيها الشعور بأنَّ كل شيء صار متاحا، وأن الفرصة التي لا تُنتهز في ظلِّ هذه الظروف ستضيع إلى الأبد. 

لقد دفعت هذه التحوّلات حلفاء الولايات المتحدة للشعور بالقلق حيال قدرة البلاد في المحافظة على مكانتها وباتوا يحسون في الوقت نفسه بالسرور إزاء سياسات إدارة ترمب، لا سيّما بعد أن جعل من أولوياته إصلاح العلاقة مع مصر وإسرائيل والسعودية والإمارات التي كان قد اعتراها الضعف في فترة سلفه. وبالمثل فقد كان ترمب واضحا في إحجامه عن استخدام القوة شأنه في ذلك شأن تخليه عن حلفاء أميركا القدامى في أنحاء أخرى من العالم.      

هذا المزيج من الغبطة والتوجس يساعدنا في الحقيقة في فهم جملة متغيّرات على الساحة المحليّة، مثل سلوك المغامرة غير المعهودة التي انتهجتها السعودية تحت قيادة ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان، المعروف اختصارا بـ “مبس”. وقد شملت تلك المغامرة الاستمرار في حرب اليمن، وحصار دولة قطر، واختطاف رئيس الوزراء اللبناني، وقتل المعارض جمال خاشقجي[5]. فمن وجهة نظر الأمير محمد بن سلمان يُمثِّل التوافق الحاصل الآن مع واشنطن فرصة لن تتكرر؛ إذ لا ضمان لفوز ترمب بإعادة الانتخاب، ولا ضمان لترمب نفسه، فقد يُغيِّر فجأة توجّهه ويتخذ سياسة يتوصل بها إلى صفقة مع إيران، إضافة إلى أن الولايات المتحدة لديها رغبة قديمة للتخلُّص من أعباء الشرق الأوسط. وفي إسرائيل يسود شعور مماثل، في حين يسعى بقية شركاء الولايات المتحدة في المنطقة إلى الاستفادة من حكم ترمب ويحتاطون من احتمال انتهاء حكمه بفترة رئاسية واحدة.

في غضون ذلك، منح بروز روسيا والصين شيئا من الشجاعة لإيران لكنه لم يرقَ إلى الثقة الكاملة. والحال كذلك، هل ستقف موسكو إلى جانب إيران في حالة تزايد التوتر بين طهران وواشنطن، أم أنها ستبقى على الحياد أملا في الاستفادة من الاضطراب الإقليمي؟ وهل تتجاهل الصين تهديد أميركا بالعقوبات وتشتري النفط الإيراني، أم أنها قد تمتثل لمطالب واشنطن على أمل إبرام صفقة تجارية معها؟ والأكثر خطورة في الأمر هو عدم تأكّد الأطراف من نيّات أميركا، فإيران تشعر بنفور ترمب من الحرب ولذلك تحاول تجاوز القواعد وتضغط على واشنطن على أمل الحصول على قدر من المكاسب التي من شأنها أن تُخفِّف عنها العقوبات. غير أن جهل إيران بقواعد اللعبة الأميركية يجعلها تتمادى في المخاطرة إلى أقصى درجة مُمكنة وإن قادها ذلك إلى دفع الثمن.  

حكايتان.. لتوخّي الحذر

لعله من المفيد لفهم كيفية تفاعل هذه التحوّلات في المستقبل أن ننظر في الكيفية التي جرت بها تفاعلات مماثلة في الماضي القريب في سوريا. نتذكّر في هذا السياق أن السعودية والدول الأخرى في المنطقة انتهزت فرصة أحداث الانتفاضة السورية المحلية الرامية إلى الإطاحة بنظام الأسد، فاعتمدت على المعارضة من أجل إحداث تغيير في توازن القوى الإقليمي وإنهاء تحالف دمشق منذ أمد طويل مع طهران. وتحسُّبا لمغبة هذه النتائج، سعت كلٌّ من إيران وحزب الله إلى ضخ مواردهما في خوض حرب بالوكالة عن النظام في سوريا أفضت إلى كلفة بشرية فادحة[6].    

منذ أن أصبحت سوريا ساحة توتر إقليمي، بات خطر إمكانية أن تتحوّل المناوشات هناك -حتى وإن كانت غير مقصودة- إلى بؤر توتر لمواجهات أكبر يتعاظم مع الوقت
   

كما تدخَّلت إسرائيل بدورها في هذه الحرب تحت ذريعة دحر الوجود الإيراني المتنامي على مشارف حدودها. أما قطر وتركيا فقد دعمتا مجموعات معارضة ذات ميول إسلامية، في حين دعمت السعودية وحلفاؤها مجموعات أخرى. ورأت روسيا من جانبها في تحوّلات النظام السوري فرصة للتدخُّل تستعيد من خلاله مكانتها خصوصا بعد أن شعرت بتردّد أميركا، وهو الأمر الذي أدّى في النهاية إلى اصطدامها مباشرة مع الولايات المتحدة ومع تركيا لبعض الوقت. أما تركيا نفسها فشعرت بالانزعاج من احتمالات حصول الفصائل الكردية المدعومة من الولايات المتحدة على ملاذات آمنة في شمال سوريا، وبالتالي انخرطت في الحرب ودعمت في الوقت نفسه مجموعات المعارضة السورية العربية لمحاربة الأكراد[7].  

ومنذ أن أصبحت سوريا ساحة توتر إقليمي، بات خطر إمكانية أن تتحوّل المناوشات هناك -حتى وإن كانت غير مقصودة- إلى بؤر توتر لمواجهات أكبر يتعاظم مع الوقت. فتركيا على سبيل المثال، أسقطت طائرة روسية مقاتلة (واتهمت موسكو إسرائيل بإسقاط طائرة أخرى)، والقوات الأميركية قتلت المئات من أفراد مجموعة روسية خاصة شبه عسكرية في شرق سوريا. إضافة إلى ذلك، هاجمت تركيا الأكراد المدعومين من الولايات المتحدة، وكاد أن يؤدّي ذلك إلى وقوع مواجهة عسكرية أميركية-تركية. الشيء نفسه بالنسبة إلى إسرائيل، فقد قامت بشن ضربات على إيران، أو العناصر الموالية لها في سوريا، لمئات المرات.  

بالإضافة إلى ما سبق، تكشف التجربة السورية عن الصعوبة البالغة التي تكتنف خيار تقييد مشاركة الولايات المتحدة في صراعات الشرق الأوسط؛ ففي ظل إدارة أوباما دعمت واشنطن الفصائل الثورية التي حاربت نظامَيْ الأسد وداعش، ولكنها ادَّعت أنها لا تسعى إلى تغيير النظام (على الرغم من دعمها لقوات تسعى لتحقيق هذا الأمر تحديدا)، وأنها لا تسعى إلى إعادة التوازن الإقليمي (رغم وضوح تأثير سقوط الأسد على نفوذ إيران)، وأنها لا تسعى إلى تقوية خصوم تركيا (رغم دعمها لحركة كردية مرتبطة بأعداء تركيا)، وأنها لا تسعى إلى إضعاف روسيا (مع علمها بالمودة التي تبديها موسكو تجاه الأسد). وبالطبع، لا يمكن للولايات المتحدة أن تدعم الفصائل المعارضة في الوقت الذي تنأى فيه بنفسها عن أهدافهم، أو تزعم أنها مجرد مطالب محليّة في حين أنَّ كل الأطراف التي شاركت رأت الأزمة في سياق أوسع من المحلي. هكذا أصبحت الولايات المتحدة لاعبا رئيسيا في منافسة إقليمية ودولية تدَّعي أنها لا تريد أن يكون لها أي علاقة بها.  

في اليمن جرت أحداث مماثلة لتلك التي حدثت في سوريا، فمنذ عام 2004 تحوّل الجزء الشمالي من البلاد إلى ساحة نزاع مسلّح متكرر بين الحوثيين والحكومة المركزية. كما اتُّهمت إيران في مرحلة مبكرة من هذا النزاع بالمسؤولية عن دعم المتمردين الحوثيين ماليا وعسكريا، في حين اتَّهم الحوثيون بدورهم السعودية بالتدخل في النزاع. وعندما استولى الحوثيون على العاصمة وتوجّهوا نحو الجزء الجنوبي من البلاد، في الفترة 2014-2015، جاء ردّ السعودية عليهم تحسبا من مغبة سيطرة ميليشيات مسنودة من إيران على جارتها الجنوبية. ومما زاد من حدة ردّ فعل السعودية أنّ الأحداث جاءت متزامنة مع بروز الأمير محمد بن سلمان “مبس”، ليس لأنه لم يَرْتَبْ من موقف الولايات المتحدة المساند له فحسب، بل أراد أيضا أن يُظهِر لإيران انتهاء العهد القديم بالإضافة إلى وضع بصمته في الداخل السعودي.      

ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” (الصحافة السعودية)

في مواجهة هذا الضغط السعودي المُكثَّف، تزايد توجّه الحوثيين إلى إيران بصورة متكررة طلبا للدعم العسكري. إيران من جهتها، تلقّفت الدعوة ووجدتها فرصة مناسبة لتُعزِّز نفوذها في المنطقة وإغراق السعودية [في مستنقع الحرب]. أما الولايات المتحدة التي كانت في وقتها لا تزال في خضم مفاوضات الملف النووي مع إيران -ندّ السعودية الألد-فقد شعرت بأنها في غنى عن إضافة أزمة جديدة إلى ملف علاقاتها الهشة مع حلفائها الخليجيين. وعلى الرغم من مخاوف واشنطن من الحرب فإنها وضعت ثقلها خلف التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، فشاركتها في عملية تبادل المعلومات الاستخباراتية وزوّدت التحالف بالأسلحة والدعم الدبلوماسي.

وبسيناريو شبيه بما حصل في سوريا، عندما عملت إدارة أوباما على تحجيم مستوى المشاركة الأميركية في الحرب، اكتفت أميركا بمساعدة السعودية في الدفاع عن سيادة أراضيها لكن دون مشاركتها في الحرب على الحوثيين أو التورّط في الصراع الإيراني-السعودي. ومثل ما حدث في سوريا، فقد ذهب هذا المجهود سدى، إذ ليس بمقدور الولايات المتحدة أن تختار جانب أحد طرفي الحرب، فلو وقفت مع السعودية فهذا يعني أنها ضد الحوثيين وبالتالي ضد إيران.   

واشنطن تسير بلا هدى

إنَّ جهود الرئيس باراك أوباما الرامية إلى تحجيم مشاركة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لم تكن غير مثمرة فحسب، بل إنها -في الواقع- تكشف عن ناحية أخرى، تكشف عن العروة الوثيقة التي تربط مختلف صراعات الشرق الأوسط بعضها ببعض، وعن الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة [في هذه المنطقة]. فالرئيس أوباما (الذي عملت ضمن إدارته) كان يُفكِّر في تخليص الولايات المتحدة مما كان يُطلق عليه “مأزق الشرق الأوسط الكبير”، وبناء على هذا التوجُّه سحب القوات الأميركية من العراق، وحاول تسوية النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعبَّر عن تعاطفه مع الانتفاضات العربية الشعبية، كما نأى بنفسه -لبعض الوقت- عن الحُكَّام المستبدِّين، وتجنَّب خيار التدخُّل العسكري المباشر في سوريا، وتوصَّل إلى اتفاق مع إيران يمنع برنامجها النووي من إشعال فتيل الحرب في المنطقة.   

وهذا الموقف ذاته التزمه في تجربة ليبيا، التي لم تتماشَ مع هذا التوجّه، حيث عمل أوباما وفقا لقناعة مفادها أن تدخل الناتو في عام 2011 سيكون تدخُّلا محدودا وصارما. وحينما تبيّن له عدم صواب هذا التصور، جدَّد رغبته في خيار الابتعاد عن صراعات الشرق الأوسط. وقد كان الهدف النهائي من وراء هذا التوجّه هو مساعدة المنطقة على تحقيق توازن أكثر ديمومة يجعلها أقل اعتمادا على تدخُّل أميركا المباشر أو طلب حمايتها. ولهذا، كان أوباما يتحدَّث حول ضرورة توصّل طهران والرياض إلى صيغة تفاهم “لتقاسم” المنطقة، الشيء الذي ظلَّ يُثير سخط السعوديين.  

إلى جانب ما سبق، كان أوباما يتّبع أسلوبا متدرِّجا في سياساته انطلاقا من إيمانه بأنَّ الولايات المتحدة لا يمكن أن تُغيِّر مسار سياساتها بصورة مفاجئة أو راديكالية، فمن شأن ذلك الإضرار بعلاقاتها الإقليمية التي بُنيت على مرِّ العقود. وقد قال لنا مرة في المجموعة التي كنّا نعمل فيها معه في البيت الأبيض إنَّ إدارة السياسة الأميركية يُشبه إدارة مركبة ضخمة، وأن تغيير المرء لمسار سير مثل هذه المركبة لبضع درجات قد لا يظهر لحظتها إلا أنه سيُؤثِّر بشكل كبير على الوجهة النهائية للمركبة. لهذا السبب، اتَّسمت كل السياسات التي سلكها بالاعتدال، بل حتى عندما سعى إلى إقناع السعودية لفتح قنوات حوار مع طهران، فعل ذلك بلطف وبدافع الحرص على تحقيق الاستمرارية والتغيير في سياسات الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط. ورغم سعيه هذا، لتجنُّب التورط في التدخل العسكري في شؤون المنطقة، فإن فترة رئاسته شهدت عدة تدخُّلات عسكرية مُكلِّفة، شملت تدخُّلا عسكريا مباشرا في ليبيا وتدخُّلا غير مباشر في سوريا واليمن.

يُعَدُّ مشروع إدارة أوباما، بمعنى من المعاني، مشروعا تجريبيا توقَّف في منتصف الطريق، فقد كانت مقاربته للشرق الأوسط تقوم على قناعة مفادها بأن شخصا ما سيأتي بعده يُكمل عمله من حيث توقَّف، شخصا مثل هيلاري كلينتون مثلا، ولكن بالتأكيد ليس شخصا مثل دونالد ترمب.

على النقيض، عندما وصل ترمب إلى السلطة اتّخذ مسارا مغايرا تماما لتلك السياسات (مدفوعا في الغالب برغبة اتّباع مسلك يُخالف ما قام به سلفه في السلطة). فبدلا من السعي إلى تحقيق شيء من التوازن في علاقاته بالأطراف المختلفة، انحاز ترمب تماما لطرف في النزاع؛ فضاعف الدعم لإسرائيل، ومنح تأييده الكامل لـ “مبس”، والسيسي، والزعماء الآخرين الذين كانوا يشعرون بازدراء أوباما لهم، وانسحب من الاتفاق النووي مع إيران، والتحق بحماسة شديدة للمحور المعادي لإيران في المنطقة. إضافة إلى ذلك، اختارت واشنطن المواجهة مع إيران وإضعافها على كل الجبهات وبكل السُّبُل، بما في ذلك جبهة الاتفاق النووي والاقتصاد، وجبهة سوريا حيث برَّر المسؤولون الأميركيون وجودهم هناك صراحة بمسألة التصدي لإيران، وجبهة العراق حيث طلبت الولايات المتحدة من الحكومة الهشّة التي يعتمد بقاؤها على علاقاتها الوثيقة مع إيران قطع تلك العلاقات، وفي جبهة اليمن حيث ضاعفت إدارة ترمب هناك دعمها للتحالف الذي تقوده السعودية ولم تلتزم بموجِّهات الكونغرس، وفي جبهة لبنان حيث زادت الإدارة الأميركية العقوبات المفروضة على حزب الله.    

الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” والرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” (وكالة الأنباء الأوروبية)

 

إيران من جهتها، اختارت أن تتعامل مع المنطقة كساحة خاصّة بها، فإلى جانب تحرُّرها من التزاماتها الخاصة بصفقة النووي، فإنها احتجزت شاحنات نقل في الخليج وأسقطت طائرة درون أميركية. وإذا صحّت المزاعم الأميركية، فإنها استخدمت الميليشيات الشيعيّة لتهديد الأميركيين في العراق، وهاجمت السفن التجارية في مضيق هرمز، وضربت حقول النفط السعودية. وعندما فكَّر ترمب في يونيو/حزيران من هذا العام[9]في احتمال الرد العسكري، سارعت إيران إلى تحذير قطر والسعودية والإمارات بأن المعركة ستطولهم في حال لعبت أي واحدة منها دورا في تمكين الهجوم الأميركي عليها (وبالطبع، ليس هناك ما يجعلنا نعتقد أنَّ تداعيات الحرب ستقتصر على تلك الدول، وإنما ستشمل دولا كالعراق وإسرائيل ولبنان وسوريا).

أما في اليمن، فقد كثَّف الحوثيون هجومهم على المناطق السعودية، وقد يكون ذلك بتحريض من إيران وقد لا يكون، لكن من المؤكَّد أنها لا تعترض عليه. غير أن القيادات الحوثيّة التي تحدّثت إليها مؤخرا في العاصمة صنعاء أنكروا أن يكونوا يعملون بأوامر من إيران، لكنهم أشاروا إلى أنهم سينضمّون بلا شك إلى جانب إيران في الحرب مع السعودية في حالة استمرار حربهم معها. خلاصة القول، إنَّ سياسات إدارة ترمب التي ادَّعت واشنطن أنها ستؤدي إلى تهذيب سلوك إيران وتعمل على تحقيق اتفاق نووي أكثر توازنا، دفعت طهران إلى تكثيف أنشطتها الإقليمية وجعلتها تتجاهل قيود الاتفاق النووي القائمة حاليا. إنَّ هذه التطورات في الحقيقة تضرب في صميم سياسات الرئيس ترمب تجاه الشرق الأوسط وتُضاعف من إمكانية حدوث المواجهة العسكرية التي يُصِرُّ على تفاديها.

ما يهم الآن..

إنَّ اشتعال حريق في المنطقة ليس أمرا حتميا، فليس هناك طرف في النزاع يريد الحرب، بل سعت معظم الأطراف حتى الآن إلى ضبط النفس لتفادي التصعيد. لكن بالنظر إلى التفاعلات الجارية في المنطقة، يمكن أن يترتَّب على الأفعال التي يحرص الناس على ضبطها عواقب وخيمة غير مقصودة. على سبيل المثال، تخيّلوا لو حصل هجوم إيراني آخر في الخليج[10]، أو حصلت ضربة إسرائيلية في العراق تتجاوز الخطوط الحمراء الإيرانية، أو تخيّلوا صواريخ حوثية تقتل أعدادا كبيرة من السعوديين والأميركيين، أو الرد الذي قد يستهدف مصدر تلك الصواريخ في إيران، أو قتل الميليشيّات الشيعيّة لعساكر أميركيين في العراق، أو أن يتجاوز برنامج إيران النووي -بعد تحرر من قيود الاتفاق- النطاق الذي تتسامح فيه إسرائيل وأميركا. من السهولة أن يتخيّل المرء كيف يمكن لأيٍّ من هذه الأحداث أن تتّسع عبر الحدود، وكيف سيتصرّف كل طرف لتأمين مساحة بمزايا تنافسية أكبر لصالحه.

والحال هذه، فإنَّ النقاش حول إمكانية أن تنأى الولايات المتحدة بنفسها من المنطقة، بخفض مستوى وجودها العسكري، يبقى نقاشا مهما ولكنه خارج سياق منطق أحداث المنطقة؛ لأنه في حالة حدوث أي واحد من السيناريوهات السالفة، ستجد الولايات المتحدة نفسها بكل تأكيد داخل هذه الحرب، سواء اتخذت قرار الانسحاب الإستراتيجي من الشرق الأوسط أو لم تتخذه.  

تبعا لذلك، فالسؤال الأكثر أهمية في هذا النقاش يتصل بنوع الشرق الأوسط الذي تريد الولايات المتحدة أن تبقى مشاركة فيه أو تنسحب عنه. هل تريد منطقة مستقطبة بالصراعات المتداخلة وتأخذ فيها النزاعات المحلية دائما دلالة أوسع من نطاقها؟ أم هل تريد منطقة تعيش في ظل خطر دائم قابل للاشتعال وبالتالي تتورّط معها الولايات المتحدة في نزاعاتها بصورة مُنهِكة عديمة الجدوى؟ بالطبع، إنَّ قضية تخفيض التصعيد ليس أمرا يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة لوحدها، لكن على الأقل يمكن أن تتوقَّف عن مفاقمته بدون أن تضطر إلى التخلي عن دورها في فض هذه النزاعات أو تجنُّب التدخُّل فيها. والسبيل إلى ذلك يكون من خلال تجنُّب منح شركائها تفويضا مطلقا أو تمكينهم لممارسة أعمالهم العدوانية. وإن حصل ذلك، فهو يعني وقف دعمها للحرب في اليمن والضغط على حلفائها لوضع نهاية للنزاع هناك. كما يعني تعليق جهودها الرامية إلى تدمير اقتصاد إيران والانضمام مجددا إلى الاتفاق النووي ومن ثم التفاوض بشأن إبرام اتفاق شامل.  

كما يعني من جانب آخر إيقاف حملاتها العقابية بحق الفلسطينيين والبحث عن سُبُل جديدة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. وفي حالة العراق، يعنى أن تكفَّ الولايات عن إجبار بغداد لاختيار أحد الطرفين إما طهران أو واشنطن. أما فيما يتعلَّق بالتنافس الإيراني-السعودي، فإنه يجب على الولايات المتحدة أن تُشجِّع الطرفين للعمل في تدابير بناء ثقة أولية كالتعاون في مجال الأمن البحري وحماية البيئة والأمان النووي والشفافية في التدريبات العسكرية، قبل الانتقال إلى مهمة أكثر طموحا مثل تأسيس كيان إقليمي يكون شاملا للجميع، كيان من شأنه التعاطي مع المخاوف الأمنية للبلدين.  

في الحقيقة، فإن الإدارة الأميركية التي تعتزم اتّباع هذا النهج لن تبدأ من الصفر، فهناك بعض الدول الخليجية -على رأسها الإمارات- بدأت باتخاذ الخطوات الأولية في التواصل مع إيران في محاولة لخفض التصعيد. فقد توصّلوا إلى أنَّ المخاطر المتزايدة لأزمة المنطقة قد تخرج عن السيطرة، مما يترتَّب عليها تبعات مُكلِّفة. الشيء نفسه بالنسبة إلى الولايات المتحدة، عليها أن تعترف بهذه المخاطر قبل فوات الأوان.

Guerres du Ramadan en préparation d’une étape suivante plus dangereuse – حروب رمضان


Terrorisme-d'Etat-Monture-idéale-2019

Guerres du Ramadan en préparation d’une étape suivante plus dangereuse

Abdulwahab Badrakhan – 9/5/2019

(…) Les transformations arabes se poursuivent. Ce n’est pas le premier mois de jeûne qui en témoigne, mais l’évolution a fait de son timing un tournant vers un autre stade et ce n’est pas le dernier. L’apparition du dirigeant de l’organisation « Daech » à la veille du ramadan est apparue en tant qu’appel et une proposition aux forces extérieures souhaitant l’utiliser, car il est valable pour tous les agendas, d’autant plus que les autres ne recherchent pas la paix ou la stabilité, mais des intérêts qui nécessitent du sabotage pour réaliser ces plans, il y a incontestablement des pays intéressés par les services de « Daech ». Il fait semblant d’avoir une « cause » et ils prétendent “lutter contre le terrorisme”. Parallèlement, Jared Kouchner, conseiller de Donald Trump et son beau-frère, sort dans les médias pour annoncer que « la transaction du siècle » sera dévoilée fin du mois de Ramadan, avec son engagement de garder le secret, il a dévoilé, cependant, deux titres: « consacrer Jérusalem comme capitale d’Israël » et ignorer la « solution des deux États » parce qu’elle est « conflictuelle », comme si le sujet de « Jérusalem en tant que capitale » avait fait l’objet d’un consensus mondial. Ces deux titres résument la mentalité moisie dans laquelle la « transaction » est formulée et les propositions de projets économiques ne peuvent l’embellir, car il suppose l’acceptation forcée des Palestiniens d’une occupation israélienne éternelle de leur territoire et de leur destin, et l’acceptation volontaire par le monde du droit américain qui enfreint les lois et les conventions internationales.

Le rassemblement entre « la transaction du siècle » et le « marché » recherché par le chef de l’organisation « Daech »  n’est pas une calomnie ou une exagération, mais parce que les deux implorent un type spécial de terrorisme, elles se dissocient en apparence et la réalisation, pour aboutir à des résultats similaires. Plus important encore, ils partagent le meurtre et l’intention de tuer la conscience arabe. Il n’existe aucun jugement définitif entre les deux, selon lequel les États-Unis soient le « fabriquant », comme le dit l’Iran et le groupe de prétendu « résistance », qui avait peut-être un sens dans un passé lointain, cependant il justifie actuellement les crimes du régime de Bachar al-Assad, de la « Hachd populaire » et du « Hezbollah » cette position lui a fait perdre son sens, tandis que la preuve qui accuse les régimes syrien et iranien d’avoir fabriqué « Daech » est la plus répandue, de même que le soupçon qu’ils pourraient être à l’origine d’une nouvelle reproduction de l’organisation. La Turquie a tenté de les rattraper et n’a pas pu aller au delà d’une percé dans l’organisation.

Les transformations arabes se poursuivent, toutefois, dans un contexte d’escalade de conflits qui leur sont étroitement liés, notamment entre les États-Unis et l’Iran, ainsi que sous la pression croissante exercée sur la Turquie. Toutefois, l’intervention étrangère s’est déchainée complètement en Syrie en raison du conflit américano-russe, des turbulences irano-turco-israéliennes, du conflit américano-iranien et israëlo-iranien et la turbulence américano-turque presque quotidienne, et aucun de ces factures ne cherchent à mettre fin à l’épreuve y compris le consensus/complicité entre les Etats-Unis, Israël la Russie dirigé contre l’Iran, mais également contre la Turque dans certain de ses aspects. La fin de l’épreuve attend un « consensus » entre les parties, ne se produira pas. Le retour de la Russie à l’option militaire à Idleb est peut-être un exemple de cette impossibilité. Moscou voulait envoyer un ultimatum à Ankara car il avait tardé à mettre en œuvre ses obligations découlant de l’accord de Sotchi, « Zone de sécurité » dans le nord de la Syrie.

حروب رمضان وتمهيدها لمرحلة خطرة بعده

عبدالوهاب بدرخان |

لا هدنات في شهر رمضان. لا في الحروب القاتلة كما في سورية واليمن وليبيا وغزّة، ولا في المواجهات السياسية السلمية كما في السودان والجزائر. المنطقة العربية لا تزال في تحوّلاتها وتشرذماتها، القوى الخارجية تترسّخ في تدخّلاتها والصراعات في ما بينها على حصصها العربية. لن تتغيّر العادات والتقاليد، قديمها وجديدها، فبين الصلاة والصلاة قد تسقط البراميل الأسدية في إدلب وحماة أو يستهدف الاغتيال الإسرائيلي ناشطاً في غزة أو يُطلق الحوثي/ الإيراني صاروخاً بائساً آخر نحو السعودية أو تشتعل الجبهات جنوبي طرابلس. وبين الإفطار والسحور قد ترسل روسيا طائراتها لدكّ مدارس ومشافٍ ومخابز أو لقتل مسعفين لا يزالون يحاولون إنقاذ أرواح في شمالي سورية، وقد تجد إسرائيل أن ثمة أبنية سكنية أخرى في بنك أهدافها في غزّة ولا بدّ من تسويتها بالأرض. وبين تسقّط الأخبار، كما بين مسلسل ومسلسل، تختلط دراما الشاشات مع دراما الواقع، وبالنسبة إلى الآمنين وهم الغالبية لم يعد هناك فارقٌ فالشاشة واحدة وإن كانوا محبطين، أما الواقعون تحت النار فلا شاشة تنسيهم المعاناة التي يتعرّضون لها.

التحوّلات العربية مستمرة، وليس هذا شهر الصوم الأول الذي تشهده، لكن التطوّرات جعلت من توقيته منعطفاً إلى مرحلة أخرى وليست أخيرة. فقد بدا ظهور زعيم تنظيم “داعش” عشية رمضان بمثابة استدراج عروض للقوى الخارجية الراغبة في استخدام تنظيمه، فهو صالحٌ لكلّ الأجندات وعابرٌ لها، خصوصاً أنها بمجملها لا تبحث عن سلام أو استقرار بل عن مصالح تستلزم تخريباً لإدراكها، ولا شكّ أن هناك دولاً مهتمّة بخدمات “داعش”، فهو يتظاهر بأن لديه “قضية” وهي تتظاهر بأنها تحارب الإرهاب… بالتزامن أكثر جاريد كوشنر، مستشار دونالد ترامب وصهره، من الظهور الإعلامي ليقول أن “صفقة القرن” ستُطرح بعد شهر رمضان، ومع التزامه التكتّم حرص على إطلاق عنوانَين: “تكريس القدس عاصمة لإسرائيل”، وتجاهل موضوع “حل الدولتَين” لأنه “خلافي”، كما لو أن موضوع “القدس عاصمة” يحظى بتوافق عالمي. هذان العنوانان يختصران العقلية العفنة التي صيغت بها “الصفقة” ولن تستطيع اقتراحات المشاريع الاقتصادية تجميلها، كونها تفترض قبول الفلسطينيين قسراً باحتلال اسرائيلي أبدي لأرضهم ومصيرهم، بل قبول العالم طوعاً بأن يكسر التجبّر الأميركي القوانين والمواثيق الدولية.

ليس في الجمع بين “صفقة القرن” و”الصفقة” التي يسعى إليها زعيم “داعش” افتراءٌ ولا مبالغة، بل لأن كلتيهما تتوسّلان نوعاً خاصاً من الإرهاب وتفترقان في المظهر و”التنظير” والإخراج لتفضيا في النهاية إلى نتائج متشابهة. والأهم أنهما تتشاركان في قتل ونيّة قتل الوجدان العربي. وليس في الجمع بينهما حكمٌ محسوم بأن أميركا هي صانعة “داعش” كما تقول ايران وجماعة ما تسمّى “الممانعة” التي ربما كان لها معنى في ماضٍ بات بعيداً لكن تسويغها جرائم نظام بشار الأسد و”الحشد الشعبي” و”حزب الله” أفقدها كل معنى، أمّا الشواهد على انغماس النظامَين السوري والإيراني في تصنيع “داعش” فهي الأكثر شيوعاً وانتشاراً، كذلك على الاشتباه بأنهما قد تعيدان انتاجه، وكانت تركيا حاولت اللحاق بهما ولم تحصل إلا على اختراق للتنظيم، ومن خلالها تحقّقت اختراقات الجهات الأخرى.

التحوّلات العربية مستمرّة، إذاً، وسط صراعات متفاقمة تواكبها وتنعكس عليها، خصوصاً بين الولايات المتحدة وايران، كذلك الضغوط المتزايدة على تركيا. لكن عُقال التدخّلات الخارجية انفلت تماماً في سورية بفعل تنافس/ صراع أميركي – روسي، وتهافت إيراني – تركي – إسرائيلي، وصراع أميركي – إيراني واسرائيلي – ايراني، وتقلّبات أميركية – تركية شبه يومية، ولا أيٌّ من هذه العوامل يريد إنهاء المحنة بما فيها التوافق/ التواطؤ بين أميركا وإسرائيل وروسيا الموجّه ضد إيران، لكن ضد تركيا أيضاً في بعض جوانبه. نهاية المحنة تنتظر “توافقاً” لن يحصل بين هذه الأطراف، ولعل عودة روسيا إلى خيار الحسم العسكري في ادلب مثالاً على تلك الاستحالة إذ رغبت موسكو في توجيه انذار أنقرة لأنها تأخرت في تنفيذ التزاماتها في اتفاق سوتشي، والأهم لأنها تقترب من اتفاق منفرد مع واشنطن على “منطقة آمنة” في شمالي سورية.

في اليمن كانت طهران على بعد خطوة من إقامة جسر جوي مع صنعاء وآخر بحري مع عدن لأن الحوثيين كانوا بحاجة إلى اشراف ايراني مباشر وسريع لتركيز السيطرة على البلد قبل البدء باستهداف السعودية وسائر دول الخليج. هذه هي الحقيقة التي ينكرها بعض العرب وكثيرون في الغرب، لمجرد أن ايران تقول أنها لا تحارب على الأرض اليمنية ولا قوات لها فيها، لكن المنكرين يعرفون مَن أنتج الحوثيين ومَن يسلّحهم ومَن يخطط لهم ويوجههم. لا شك أن نهاية الحرب تنتظر حصول الحوثيين على حصة ثابتة في الدولة، لكن أي حل سياسي لن يمنحهم ما يفوق حجمهم حتى مع سيطرتهم حالياً على جزء مهم من اليمن، وأي امتياز للحوثيين سيكون مكافأة للإيرانيين على الدور التخريبي الذي ارتكبوه.

أما في ليبيا وعلى رغم أن الصراع داخلي على الثروة والسلطة وطبيعة الحكم إلا أنه منذ انطلاقه كان أيضاً انعكاساً لصراعات إقليمية ودولية على النفوذ والنفط ومجالات الاستثمار. أصبح هناك معسكران خارجيان يصعب التوفيق بينهما مع أنهما يؤكدان اعترافهما بـ “حكومة الوفاق”، لكنهما لم يعودا متفقَين على الجدوى من هذه الحكومة التي ابتكرت استناداً إلى اتفاق الصخيرات (أواخر 2015) الذي بدت ميليشيات طرابلس (معظمها إسلامي) متكيّفة معه في حين أن الجيش الوطني ومجلس النواب (طبرق) طلبا تعديله ليحظى بتوافق أوسع، وتعذّر التعديل. ومنذ إقامة هذه الحكومة في طرابلس كان واضحاً أنها واقعة تحت هيمنة ميليشيات سيطرت على العاصمة بعدما رفضت نتائج الانتخابات (حزيران/ يونيو 2014)، وهي توظّف دعمها لـ “حكومة الوفاق” لترجيح حل سياسي يناسب توجهها العقائدي وارتباطاتها الخارجية. وتعتبر حرب طرابلس الآن محاولة من الجيش الوطني لكسر هذا التوجّه عسكرياً، بعدما أخفقت كل المساعي لتغييره بالسبل السياسية. ولعل الموقف الأميركي الزئبقي مسؤول عن إطالة الصراع وعجز القوى الدولية عن التوافق على حل يتناسب مع طموحات الليبيين كما عبروا عنها في الانتخابات.

التحوّلات العربية مستمرّة، وحيث لا تكون هناك تدخّلات خارجية يكون ذلك أفضل. بل المؤكّد أنه حيث لا تكون إيران لا تكون سموم ويبقى هناك أمل في حلول وطنية توافقية، ولعله أصبح لازماً وضرورياً القول إنه حيث لا ينبري الإسلاميون، أياً كان نوعهم، للتصدّر وطرح بضاعتهم البالية يمكن الحفاظ على الدولة والمؤسسات وكذلك الشروع في بناء حياة طبيعية، بل يمكن التفاؤل باستقرارٍ وسلامٍ اجتماعيين. مثل هذا الأمل لا يزال حياً وقوياً في السودان والجزائر، حيث حافظ الشارع على سلميّته وحافظ الجيش على تفهّمه لمطالب الحراك الشعبي. هنا وهناك ثمة فرصة لطرفي المواجهة كي يتخلّصا من إرث ثقيل أساء إلى العلاقة بين الدولة والشعب، وحان الوقت لمصالحة تبدو ممكنة ولحلول وسط تعيد بناء الثقة. لا شك أن هناك مخاطر، بعضٌ منها أمني، لكنها لا تُعالج فقط ببقاء العسكريين في الواجهة أو بإصرارهم على صنع الرؤساء والحكومات والبرلمانات، وفقاً للعادة التي لم تكن طبيعية في أي حال.

* كاتب وصحافي لبناني.

Le printemps arabe continue – الربيع العربي مستمراً


24z500

Freedom

حلت قبل يومين الذكرى الثامنة لاندلاع ثورة الياسمين في تونس التي أطلقت شرارة ما سيعرف إعلاميا بـ”الربيع العربي”. ثماني سنوات مرّت خلالها مياه كثيرة، ودماء كثيرة أيضا، تحت الجسر وفوقه. ثماني سنوات من المد والجزر ما زالت المنطقة العربية تعيش على إيقاعها، سواء على شكل أعمال عنف وحروبٍ داخليةٍ وتدخلاتٍ خارجيةٍ ومؤامرات داخلية. وإلى جانب النصف الأسود من اللوحة التي تمثلها حالة الحروب المشتعلة في اليمن وسورية وليبيا، هناك جانب مضيء تمثله تونس، مهد الثورات العربية التي ما زالت تعيش على إيقاعها الاحتجاجات الشعبية، وبوادر تفجر ثورة جديدة في السودان، قد تشكل الجيل الثاني من ثورات الربيع العربي الذي لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

أسباب اندلاع الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي ما زالت قائمة، وفي أكثر من بلد عربي، تتمثل في وجود أنظمة استبدادية، وانتشار للفساد، وغياب للعدالة، واستمرار للظلم بكل أشكاله، وقمع للحريات وامتهان للكرامة. وطوال السنوات السبع العجاف الماضية، والتي هيمنت فيها الثورات المضادة، طغت الأنظمة الاستبدادية، وارتفع منسوب قمعها، وحل القمع الوحشي محل الحوار، ونجح إرهاب الدولة، بكل أشكاله، في القضاء على أنواع الحريات. وعلى الرغم من حالة الاستقرار الظاهر، يكاد الوضع اليوم في أكثر من دولة عربية يكون يكون أسوأ مما كان عليه قبل ثماني سنوات، وأغلب المجتمعات العربية تعيش حالة احتقان مقموع على أهبة الانفجار في كل لحظة.

وباستثناء تونس التي تعيش مرحلة مخاض انتقالٍ ديمقراطي عصيب، فإن باقي الدول العربية، من البحرين إلى المغرب، أبعد ما تكون عن الديمقراطية، وحتى الإصلاحات الشكلية التي أعلن عنها أكثر من نظام لتجاوز إعصار ثورات “الربيع العربي” سرعان ما تم التخلي عنها، أو الالتفاف عليها، لتعود الأنظمة القديمة نفسها بأقنعة جديدة، لكنها لم تعد تخدع أيا كان، لأن منسوب الوعي السياسي داخل المجتمعات العربية ارتفع، ولم يعد قابلا للتسليم بكل الأوهام التي كانت تحكمه بها أنظمةٌ قمعيةٌ واستبدادية. لذلك، لا تعبر حالة السكون التي يعيشها أكثر من بلد عربي عن حالة استكانة أو ضعف أو تعب أو استسلام، وأبعد من أن تكون حالة استقرار طبيعي، وإنما هي مؤشّر على الهدوء الذي يسبق العاصفة، لأن استمرار الوضع على هذا الحال لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، فالأحلام ما زالت هي نفسها، ومن الصعب تخيّل أن كل القلوب التي خفقت من أجل تحقيق الحلم انطفأت وتوقف نبضها. وكما يقول الشاعر: لا بد لليل أن ينجلي/ ولا بد للقيد أن ينكسر.
أحد شهود الربيع العربي ورموزه، الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي، قال لصحيفة الخبر الجزائرية إن الثورة التونسية حققت نصف أهدافها التي تمثلت في الحرية، فيما بقي النصف الآخر، المتمثل في الكرامة والعدالة الاجتماعية، وعزا ذلك إلى “الثورات المضادة” التي ما زالت تسعى إلى إجهاض كل أمل للشعوب العربية في تقرير مصيرها بنفسها. ولكن ما شهدناه نهاية عام 2018، خصوصا بعد جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي وتداعياتها التي ما زالت تتفاعل، وسعي دول “الثورة المضادة” إلى التطبيع مع نظام الأسد، واندلاع احتجاجاتٍ شعبية في الأردن والسودان، وحالة الاحتباس التي تعيشها مصر تحت ضغط نظامها الدكتاتوري، كلها مؤشراتٌ تنبئ بأن الثورات المضادة في طريقها إلى الانهزام. وعندما سيُغلق قوسها، كما قال المرزوقي، ستواصل الثورات العربية الموءودة مواصلة انتصاراتها.

ويبقى أحد أهم المؤشرات على أن الربيع العربي ما زال حيا هو فشل الثورات المضادة التي منيت بأكبر هزيمة في معقلها في السعودية والإمارات بعد تورّط نظامي هاتين الدولتين في مستنقع الحرب اليمنية، وهزيمتهما في سورية، وما ألحقته جريمة اغتيال خاشقجي من ضرر بالغ بصورة السعودية وولي عهدها الشاب الذي سيظل دم الصحافي المغدور يلاحقه حتى القبر. أما مصر التي أريد لها أن تكون أكبر مختبر لإجهاض كل حلم في التحرّر والتغيير فإنها تعيش اليوم على وقع احتقان شعبي كبير عندما ينفجر سيأتي على الأخضر واليابس.
استمرار وجود أنظمة قمعية في أكثر من دولة عربية، في سورية ومصر والسودان والسعودية، تفرض نفسها بقوة الحديد والنار، وأنظمة سلطوية في مناطق أخرى من خريطة العالم العربي تحكم شعوبها بالخوف والترهيب، هو دليل على مدى هشاشة الأنظمة التي توجد اليوم في السلطة، والتي تستمد قوتها من الخوف الذي زرعته في النفوس، لكنه خوفٌ يسكنها هي أيضا. نجحت الثورات المضادة لأنها زرعت الخوف في النفوس، وهو حالةٌ نفسية عابرة قد تؤدي إلى اليأس، كما حال الشعوب العربية اليوم، لكنها لن تهزم قوة إرادة الإنسان في البحث الدائم عن الحرية والكرامة ورفض الظلم.
الأكيد أن المنطقة العربية ما بعد ثورات عام 2011 لن تعود إلى ما كانت عليه قبل اندلاع تلك الثورات. وعلى الرغم من كل القمع والقتل والحروب والهزائم، فإن أشياء كثيرة انكسرت فيما يتعلق بعلاقة الشعوب بأنظمتها، وأهم ما انكسر حاحز الخوف الذي حكمت به الأنظمة عقودا، وتفرضه اليوم بقوة النار والحديد والترهيب، لكنه خوفٌ يعشش حتى داخل الأنظمة نفسها التي تحكم به، وهذا ما يجعل أكثر الأنظمة العربية التي تبدو اليوم قويةً هشّةً من الداخل، ومظاهر قوتها ما هي سوى ردود أفعال ناتجة عن الخوف الكبير الذي يسكنها.

2019: لا حلّ للنزاعات وسط صراعات الكبار


2019: لا حلّ للنزاعات وسط صراعات الكبار

الجمعة، 04 يناير 2019

مع نهاية عام 2018 كثرت التساؤلات عما تحمله سنة 2019. لو اقتصر هذا التنقيب في الغيب على العرب لظلّ الأمر مفهوماً، إذ أصبحوا راسخين في كونهم ينتظرون ويتلقّون وليسوا فاعلين أو مبادرين في ما يؤثر في مستقبلهم. لكن ظاهرة التبصير والبحث عن إجابات كانت عالمية وشاملة. ثمّة عوامل عدّة جعلت تقويم العام الماضي سلبياً، منها أولاً أن التوتر هيمن على علاقات الدول الكبرى بفعل سياسات الرئيس الأميركي الذي يوزّع العقوبات في كل الاتجاهات ويدشّن أنماطاً من الحروب كان يُظَنّ أنها انضبطت وانطوت. وثانياً أن النزاعات القائمة استمرّت بل أضيفت إليها أزمات جديدة، ومردّ ذلك إلى انقسام دولي لا ينفكّ يتجذّر. وثالثاً أن تدهور الأوضاع الاقتصادية صار معضلة عامة، وراح ينعكس على الخرائط السياسية هنا وهناك، مرجّحاً ازدياد الهجرة واللجوء من الجنوب والشرق، في مقابل صعود اليمين المتعصّب في العالم الغربي.
إلى الأزمات والحروب التي علّقت عملياً الوجود الطبيعي لدول مثل سوريا، وليبيا، واليمن، وحتى العراق، وشكّلت جروحاً وسرطانات في العالم العربي، كان العام الماضي أطلّ على العرب، وهم تحت صدمة العبث بوضع القدس، كما أقدم عليه دونالد ترمب ليرضي مموّليه وناخبيه، وليسجّل في ذاكرة العرب جريمة أميركية تاريخية لا تُغتفر، ستبقى في العقول والقلوب، سواء ردّ عليها العرب أو لم يردّوا، والمؤكّد أنهم لن يفعلوا. لن ينسى أحد أن جرائم أخرى تلت هذا الحدث مع إصرار إدارة ترمب على تجويع الفلسطينيين، وتقويض مقوّماتهم المعيشية، وضرب القليل المتوفّر لديهم للطبابة والتعليم، عبر “الأونروا” وغيرها. يصحّ التساؤل هل اختلفت أهداف القرارات الأميركية كثيراً عن الصواريخ الروسية التي استهدفت مستشفيات، ومدارس، ومخابز، ومحطات كهرباء، وحتى المسعفين في مناطق عدّة من سوريا؟
للمتفائلين أن يشيروا إلى بدايات حلول في البلدان المنكوبة (لجنة دستورية لسوريا، اتفاق ستوكهولم لليمن، مؤتمر وطني وانتخابات لليبيا…) غير أن كل الحلول تتوقّف على إرادات الخارج، وعلى صراعات القوى الدولية والإقليمية. ليس واضحاً أن ثمّة فرصة إيجابية يوفّرها الانسحاب الأميركي المزمع من سوريا لإنهاء الصراع وتسهيل الحل السياسي. المؤكّد أن إيران أُدخلت في نفق طويل، وأن قدراتها مع قدرات أنصارها ستمكّنها من صمود عسكري يطيل أزمتها، ويفاقم تراجعها الاقتصادي، لكن استهدافها يمنعها من المساهمة الإيجابية في حل أي نزاع. أما تركيا التي تعرضت لاستهداف أميركي، وروسي قبل ذلك، فبات يصعب عليها الوثوق بأي “حليف”، ما يعني أيضاً أن مساهمتها في الحلول ستبقى محفوفة بالمخاطر والشروط.
لا يتفرّد العالم العربي بكونه مأزوماً وآملاً في أن تكون 2018 محطة مضت بصعوباتها. فالعالم موعود بمزيد من القرارات الترمبية، وفاءً لتعهداته الانتخابية التي ينطوي كلٌّ منها على تعدّيات وتحدّيات لا تميّز بين حليف أو صديق أو عدو. أوروبا تترقّب تطورات قضية “بريكست” وتداعياتها الاقتصادية المعروفة مسبقاً بأنها سيئة في مختلف السيناريوات سواء بالنسبة إلى بريطانيا أو الاتحاد الأوروبي. الحرب التجارية بين أميركا والصين قد تتخطّى إطار السلع والبضائع لتتحوّل إلى نمط من الحروب بالوكالة. أزمة أوكرانيا شهدت أخيراً هزّة هدّدت بتصعيد خطير، وبدا أن روسيا تتململ من مراوحة الصراع في مكانه، وتريد حسماً له بشكل أو بآخر. هذه عينة من ملفات 2019 الساخنة عدا ما يمكن أن يستجد في ظل صراع الدول الكبرى.;

إحياء ملف سقوط الموصل: تصفية حسابات سياسية مع المالكي – Relancer le dossier de la chute de Mossoul…


 

Confiance-en-la-justice

Relancer le dossier de la chute de Mossoul: Liquidation des comptes politiques avec al-Maliki

Bagdad Baraa al – Shammari
4 novembre 2018

Des sources parlementaires irakiennes ont révélé l’existence d’un mouvement au sein de la Chambre des représentants pour rouvrir le dossier de la chute de la ville de Mossoul, dans le nord de l’Irak, entre les mains de l’organisation extrémiste « Daech » au milieu de 2014, alors que certains députés ont confirmé que « le retard pris pour trancher le dossier durant les dernières années était dû à l’implication de personnalités connues dans le crime », tandis que des politiciens ont averti de « l’existence d’un mouvement suspect de membres de Daech près de Mossoul, qui pourraient provoquer une répétition du scénario de 2014 ».

Une source parlementaire a indiqué que  « un certain nombre de députés sont en train d’effectuer depuis plusieurs jours des mouvements de collecte de signatures pour appeler la présidence du parlement à rouvrir le dossier de la chute de Mossoul, entre les mains de l’organisation « Daech », que « les députés demanderont la formation d’un comité parlementaire à cet égard, pour travailler dans une période déterminée ». Il a souligné que « les députés feront porter la responsabilité aux dirigeants politiques et militaires qui gouvernaient l’Irak en 2014, sous la direction du Premier ministre de l’époque, le commandant des forces armées Nouri al-Maliki », soulignant que « des parlementaires attendent que la Chambre des représentants forme des comités parlementaires afin de poursuivre leur mouvement, car la chute de Mossoul intéresse plusieurs comités parlementaires, en particulier la Commission de sécurité et de défense ».

« Le mouvement inclura également des revendications pour empêcher le déplacement de tous ceux dont les noms figurent dans le dossier de la chute de Mossoul, pour bloquer la possibilité d’une évasion », ajoutant que « les sanctions prévues par la loi n’exclueront personne cette fois, quel que soit son statut ».

بغداد ــ براء الشمري
4 نوفمبر 2018

كشفت مصادر برلمانية عراقية عن وجود حراك داخل مجلس النواب لإعادة فتح ملف سقوط الموصل، شمالي العراق، بيد تنظيم “داعش” الإرهابي، في منتصف عام 2014، وفي الوقت الذي أكد فيه نواب أن “تأخير حسم الملف طيلة السنوات الماضية كان بسبب ضلوع شخصيات بارزة في الجريمة”، حذّر سياسيون من “وجود حركة مريبة لعناصر داعش قرب الموصل قد تتسبب بتكرار سيناريو 2014”.

وأكد مصدر برلماني مطلّع أن “عدداً من النواب يجرون منذ أيام عدة تحركّات من أجل جمع تواقيع تدعو رئاسة البرلمان لإعادة فتح ملف سقوط الموصل بيد تنظيم داعش”، موضحاً لـ “العربي الجديد” أن “النواب سيدعون إلى تشكيل لجنة برلمانية خاصة بهذا الشأن، تنجز أعمالها في مدة محددة”. وأشار إلى أن “النواب سيحمّلون المسؤولية لقيادات سياسية وعسكرية كانت تحكم العراق عام 2014، وفي مقدمتها رئيس الوزراء حينها، القائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي”، لافتاً إلى أن “البرلمانيين بانتظار قيام مجلس النواب بتشكيل اللجان البرلمانية من أجل مواصلة حراكهم، لأن ملف سقوط الموصل يهم أكثر من لجنة برلمانية، وفي مقدمتها لجنة الأمن والدفاع”.

وأوضح أن “الحراك سيتضمن أيضاً مطالبات بمنع سفر كل الذين ترد أسماؤهم في ملف سقوط الموصل، لقطع الطريق أمام احتمالات هروبهم”، مؤكداً أن “العقاب وفقاً للقانون لن يستثني أحداً هذه المرة، مهما كانت مكانته”.

إلى ذلك، أكد عضو البرلمان، عن تحالف “سائرون”، ستار العتابي، أن “مجلس النواب سيفتح تحقيقاً شاملاً في ملف سقوط الموصل، من أجل محاسبة المقصرين وفقاً للقانون”، معتبراً أن “تأخير حسم الملف طيلة السنوات الماضية كان بسبب ضلوع شخصيات بارزة في الجريمة”.

ولفت إلى أن “ملف سقوط الموصل سيعود للواجهة، وسيتم تقديم المقصرين للقضاء”، موضحاً في بيان أن “بعض الشخصيات البارزة هي التي تسببت بتسويف قضية سقوط الموصل، وإهمال ملفها لسنوات”، في إشارة إلى المالكي، وعدد من القيادات السياسية والأمنية المرتبطة به.

وأشار إلى أن “تحالف سائرون سيضع ملف سقوط الموصل، وملف الفساد، في مقدمة أولويات عمله داخل البرلمان، وسيعمل على إحالة المتورطين إلى القضاء من دون استثناء، لينالوا جزاءهم العادل”، مضيفاً أن “مدينة الموصل تعرّضت لانتكاسة أمنية بسبب الفساد الذي كان مستشرياً في مفاصل الدولة آنذاك، فضلاً عن الاعتماد على خطط أمنية عقيمة. الأمر الذي تسبب باحتلال ثلث أرض العراق من قبل عصابات تنظيم داعش الإرهابي”.

في المقابل، اعتبر القيادي في ائتلاف المالكي (ائتلاف دولة القانون) سعد المطلبي أن “إثارة ملف سقوط الموصل في هذا الوقت تمثل محاولة لاستهداف المالكي بالتزامن مع الحديث عن احتمال منحه منصب نائب رئيس الجمهورية”، معتبراً في حديث لـ “العربي الجديد” أن “ما يجري الحديث عنه يتعلق بالمناصب، أكثر من علاقته بحقيقة سقوط الموصل”. وأضاف أنه “فيما يتعلق بسقوط الموصل تم تشكيل لجنة برلمانية كتبت تقريراً عن سقوط المدينة، وأُحيل بعض المتورطين إلى القضاء”، موضحاً أن “بعض الضباط حكموا بالإعدام غيابياً”.

وفي السياق، أكد عضو مجلس محافظة نينوى دلدار زيباري أن “أسباباً عدة تقف وراء سقوط الموصل بيد داعش عام 2014، من بينها الخلافات السياسية، والفساد المستشري في أجهزة الدولة”، مشيراً في حديث لـ “العربي الجديد” إلى أن “بعض القوى السياسية كانت وما تزال تتحكم بمصير الموصل”. ولفت إلى أن “هذه القوى مستعدة لفعل أي شيء من أجل تحقيق مصالحها”، متهماً الطبقة السياسية بـ”ممارسة الكذب الذي تسبب بتدهور البلاد على مختلف الأصعدة“.

بشار-الأسد-نوري-المالكي

في أنه لا خيار سوى الحرية – En cela, il n’y a pas d’autre choix que la liberté


Ne-touche-pas-à-mon-peuple

Ne-touche-pas-à-ma Syrie

سمير الزبن | الخميس 12 نيسان 2018

شكل الاستبعاد من المشاركة جوهر العملية السياسية في الدول العربية، على مدى أكثر من نصف القرن المنصرم من الحياة السياسية العربية. فمن خلال استبعاد المواطنين والقوى السياسية المعارضة من المساهمة في العملية السياسية وتفاعلاتها وآليات تمثيلها، افتقدت الدول العربية أشكال التعبير السياسي المعلن عن المعارضة ضمن مؤسسات الدولة التي يحتكرها طرف واحد مستبعداً القوى الأخرى. وبحكم هذا الاستبعاد شكل الاحتقان السياسي البديل عن المشاركة السياسية، والذي أخذ في بعض الحالات شكل العنف المسلح رداً على الإلغاء السياسي للمعارضة٠

فالدولة كطرف مهيمن على العملية السياسية والاقتصادية في البلدان العربية بوصفها «المؤسسة الكلية»، سمحت في ظل غياب المشاركة السياسية، وفي ظل غياب رقابة المجتمع المدني على أداء السلطة السياسية ومحاسبتها ومعاقبتها في انتخابات نزيهة، بانتشار الفساد الذي استشرى في العديد من الدول العربية، لدرجة أن محاربته أصبحت واحداً من الأحلام المستحيلة التحقيق في ظل دولة الاستبداد ذاتها. وقد عمل هذا الفساد الذي استشرى كفساد هيكلي على تكوين شرائح اجتماعية، حولت الفساد إلى مؤسسات لها آليات عمل متماسكة وتقاليد راسخة، وعلى رأس هذه الآليات إغناء وإفقار المواطنين، وفق الولاء للسلطة السياسية٠

وأصل الفساد يكمن في تحويل مؤسسات الدولة التي يفترض أنها تؤدي خدمة عامة للجميع إلى خدمة مصالح النخب الموجودة في السلطة والى احتكار شخصي، بذلك يتحول المنصب السياسي إلى وسيلة لخدمة المصالح الشخصية، بدل أن يكون وسيلة لأداء خدمة عامة٠

في هذه الشروط افتقدت العملية السياسية قواعدها المحددة للتفاعل بين السلطة والمجتمع، بين الاقتصاد والسياسية. فعدم خضوع العملية السياسية لقواعد محددة، أو عدم الرجوع إليها لإصدار القرارات السياسية المتعلقة بمصائر الدولة والمواطنين، تركا العملية السياسية من دون آلية واضحة يتم اتباعها لتحقيق المشاركة السياسية الفعلية، باعتبار المواطن مرجعية الدولة عبر المشاركة السياسية. لكن واقع الحال في الدول العربية أن الاستبداد الذي سيطر على كل العملية السياسية والى حد كبير على كل العملية الاقتصادية، أخضعها لقواعد وشروط اعتباطية، وأول شروط هذه العملية استبعاد الآخرين من المشاركة في صنع القرار والوسيلة الأسهل لممارسها احتكار السلطة، هي الاحتكار المطلق للقرار السياسي وتحويل القوى السياسية الأخرى من شركاء في العملية السياسية إلى خدم للمستبد واعتماد آليات القمع وسيلة وحيدة لحماية النظام٠

بذلك، تم تدمير العملية السياسية بشكل نهائي وجعلها لاغية من حيث المبدأ. فالصورة التي أسفر عنها الوضع في العديد من الدول العربية عشية الثورات العربية، هي تدمير المجال السياسي باستخدام أدوات العنف، وفي الكثير من الحالات تحت شعارات وطنية، لا تجد أي مضامين حقيقية لها في التطبيق العملي لهذه السلطات الشمولية٠

وفر الربيع العربي فرصة مواتية لتجاوز الاحتقانات القائمة في الدول العربية التي انفجر فيها، وكان الوعد بإنتاج حياة سياسية عربية جديدة قد بات في متناول اليد. فقد أصبحت عملية التغيير ضرورية، ولا يمكن أن يسير العالم العربي إلى الأمام من دونها. وكانت الشرط الضروري لتغير واقع تحول إلى حالة من الاستنقاع لا خروج منه إلا بثورات شعبية تطيح، ليس السلطة السياسة وحسب، بل الواقع القائم كله أيضاً. لكن مسار الربيع العربي لم يكن سلساً، فقد تبين أن حجم الخراب والاختراق السلطوي للبنية المجتمعية أكبر مما كان متصوراً، ما عقد العملية وأدخلها في دائرة الفشل، ما جعل وعد الحرية في العالم العربي في مهب الريح٠

لقد عمل القمع الوحشي الذي اعتمدته سلطات الاستبداد لمواجهة الربيع العربي على تصاعد العنف المسلح، باضطرار الحركات الاحتجاجية للجوء إلى السلاح في مواجهة القمع الوحشي لأنظمة الحكم (الحالة السورية والليبية والى حد كبير الحالة اليمنية)، ما أدخل الأوضاع في هذه الدولة في حالة من التفكيك المجتمعي وفي حرب أهلية دموية مدمرة، وترافقت مع أوضاع اقتصادية واجتماعية يائسة تضغط بقسوة على قطاعات اجتماعية تتسع باستمرار. كل ذلك شكل بيئة ملائمة لتضخم القوى الجهادية ذات المنشأ القاعدي (نسبة إلى تنظيم القاعدة) وقد ساهمت سلطات الاستبداد نفسها في دعم هذه القوى بشكل مباشر وبشكل غير مباشر، لتصوير هذه القوى بوصفها البديل الوحيد عنها، ولتقول إنها، كسلطات مستبدة، هي أهون الشرور لأن بديلها هو تيارات الإسلام «الجهادي» الإرهابية، وأن الربيع العربي لا وجود له، وليس هناك حركات شعبية لها مطالب سياسية تتمحور حول قضايا الحرية٠

هل هذا يعني أن وعد الربيع العربي بات من الماضي؟

بالتأكيد لا، فالأوضاع الجديدة على صعوبتها تؤكد أن الحرية هي الطريق الوحيد الذي يمنح هذه الدول فرصة صناعة مستقبلها، وكل خيار آخر يذهب بها إلى ماضٍ أسود هو آخر ما تحتاجه المنطقة٠

* كاتب فلسطيني

بوتفليقة نحو ولاية خامسة: اختبار نوايا أم إنهاء حرب الأجنحة؟


 

خراب الأمة من طغيان حكامها

ولنا عزاء الصمود في وجه المستبدين الفاسدين في الوطن العربي

بوتفليقة نحو ولاية خامسة: اختبار نوايا أم إنهاء حرب الأجنحة؟

 https://www.alaraby.co.uk/politics/2017/11/20/بوتفليقة-لولاية-خامسة-اختبار-نوايا-أم-إنهاء-حرب-الأجنحة
20140421-Assad-II-et-Boutef-les-héritiers-des-Trônes-en-Syrie-et-en-Algérie

Assad-II-et-Boutef-les-héritiers-des-Trônes-en-Syrie-et-en-Algérie

%d bloggers like this: