هل يحتل العراق سورية؟ – L’Irak occupera t-il la Syrie ?


Le-trio-brio-2

Le-trio-brio : Iran, Assad, Daech

غازي دحمان

5 يونيو 2017

يبدو غريباً مثل هذا السؤال، ولا يتناسق مع المنطق الطبيعي للأشياء، فالدول التي تذهب إلى احتلال غيرها ليست أي دول، بل لها سمات ظاهرة متشكّلة من فائضٍ في القوة، ومشروع استراتيجي طموح، واقتصاد متطور يبحث عن موانئ للتصدير والاستيراد وأسواق لفائض الإنتاج٠ 
ليس هذا الترف متوفراً للعراق الحالي الذي يساعده تحالفٌ دوليٌّ عريض للتخلص من احتلال “داعش” الذي وصل به الأمر إلى حد السيطرة على ما يقارب نصف مساحة العراق، ولولا عشراف آلاف الغارات الجوية لدول التحالف التي أسهمت في إضعاف بنية القوة لدى “داعش”، وتدمير خطوط إمداده، لكان “داعش” قد غيّر خريطة العراق بشكل كبير ولعقود مقبلة٠
لكن، وعلى الرغم من كل ما سبق، كان العراق يصدّر آلاف المقاتلين إلى سورية الذين انتشروا على كامل مساحة البلد من حلب إلى درعا. وعلى الرغم من انهيار الاقتصاد العراقي وعجزه عن سد الحاجات الأساسية لسكان الموصل وتكريت والرمادي، إلا أنه كان يموّل الجهود الإيرانية في الحرب السورية، وقد أشارت تقارير عديدة محايدة إلى هذا الأمر الذي لم يقف عند هذا الحد، بل لا تخفي جماعات الحشد الشعبي، وهي مليشيات يتجاوز عدد أفرادها مائة ألف، عزمها الدخول إلى سورية في وقت قريب، لمحاربة القوى المعارضة لنظام الأسد، مع العلم أن آلافاً من المقاتلين العراقيين جرى توطينهم في مناطق قريبة من دمشق، من خلال تهجير أهل تلك المناطق عنوة، كما داريا، أو منعهم من العودة إلى مناطقهم، كما جنوب دمشق وقرى القلمون الغربي٠

كيف يمكننا قراءة مثل هذه الظاهرة المتناقضة، والتي تدعو إلى الغرابة، ذلك أن الوضع الطبيعي للعراق أن ينكفئ على نفسه ويلملم شتاته، لا أن يبادر إلى الهجوم بهذه الكثافة! 

يستدعي فهم هذه الظاهرة قراءة السياق الذي يصدر عنه العراق، وهو تفكيك الدولة نهائياً، ومعها جرى تفكيك الأطر والأهداف والاستراتيجيات الدولتية، وتحوّل مركز القرار إلى خارج العراق، إيران تحديداً التي باتت تضع الأهداف، وتصنع السياسات للعراق، كما تصنع توجهاته السياسية وتصوغ موقفه وموقعه الإقليمي، في ظل وجود نخبٍ حاكمة في العراق، أقرب إلى صفة الموظفين لدى الإدارة الإيرانية، يقودهم مدراء، على شاكلة قاسم سليماني، لتنفيذ المشاريع الإيرانية٠
كما أعادت إيران صياغة الهوية العراقية، واستبدلت الهوية العربية بالهوية الشيعية، مستغلةً مرحلة الاضطرابات التي عانى منها العراق بعد الاحتلال الأميركي، وتصدّع الهوية الوطنية، ودخولها في مرحلة فراغ، ما سمح لإيران بتشكيلها على مقاسات مشروعها في المنطقة، وخصوصاً في جزئية السيطرة على سورية، حيث تنتشر مقامات آل البيت التي ستستدرج عشرات آلاف الشباب العراقي، المتشكّلة عقيدته على الفداء والثأر، والعدو واضح ومعلوم “شعب سورية الثائر على الأسد”٠
تشكّل سورية حيزاً مناسباً لتصريف الطاقة العراقية المتفجرة، بل ربما تبدو المنفذ الوحيد لاستيعاب الزخم العراقي، إذ على الرغم مما يشاع عن إجراءات أميركية لتقطيع أوصال المشروع الإيراني، فإن عدم وجود استراتيجية فاعلة في هذا الخصوص، يجعل الأمر برمّته يتحوّل إلى محفّز جديد للاندفاع العراقي صوب الحيّز السوري٠
هذا الافتراض تؤهله حقيقةُ أن أدوار الوكلاء على الأرض في الحرب السورية هي الفاعلة، وذلك كونهم يشكلون أوراقاً يمكن المغامرة بها، فيما لا يجرؤ المشغّلون على الظهور المباشر، ربما لحساب ما قد يرتبه ظهورهم من استحقاقاتٍ، أو ما يستدعيه من صداماتٍ مباشرة، يسعى اللاعبون الأساسيون إلى تجنبها٠
وثمّة عوامل داخلية “سورية” تشجع حصول الاحتلال العراقي لسورية، فنظام الأسد الذي لا حول ولا قوة له لن يكون منزعجاً من الاحتلال العراقي، ما دامت بغداد تموّل خزينته الفارغة، وما دام العنصر العراقي يؤمن له الكادر الذي يواجه خصومه، بعد أن استنزفت الطائفة العلوية (قُتل حوالى 150 ألفاً من شبابها)٠
كما لا يجب إنكار حقيقة وجود بيئة مساندة للاحتلال العراقي لسورية، بعد نجاح الدعاية الإيرانية بأن أذرعها “الحشد الشعبي وحزب الله” هم حماة الأقليات في سورية والعراق، وخصوصاً المسيحيين، وقد كانت لافتةً زيارة وفد من حركة النجباء العراقية الأسبوع الماضي، الأب لوقا الخوري معاون البطريرك لبطركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، الذي أشاد بدور المقاومة الإسلامية وحركة النجباء في سورية، وخصوصاً في منطقة محردة في الدفاع عن المسيح وتحرير مناطقهم من يد الإرهاب. وزار الوفد مدينة السويداء، واستقبلهم شيخ العقل لدى الطائفة الدرزية، حكمت الهجري، الذي أشاد بدور الحركة في سورية في تحقيق الانتصار٠

وعلى الرغم من الظاهر الفوضوي للقوة العراقية، إلا أنها تعمل وفق خطةٍ، هدفها حصار التجمعات السنية، وعزلها في العراق وسورية، وعزلها عن الأردن والعمق الخليجي، ولاحقاً عزلها عن تركيا، بما يضمن عدم وجود كتلةٍ مقابلةٍ قادرة على الدفاع عن نفسها أو مقاومة هذا الزحف على سورية، ما يعني أن هذه القوى تعمل وفق استراتيجية منسقة ومنظمة، تحصد نتائجها عشرات السنين المقبلة٠
هل يحتل العراق سورية؟ كلّما طال عمر نظام الأسد، وغرقت الدول العربية بالخلافات الجانبية، واستمرت أميركا بممارسة الضجيج الفارغ، بتنا نقترب من عتبة مثل هذا الاحتمال، وصحيح أن العراق دولةٌ غير مؤهلة لإنجاز هذه المهمة، لكن لديه طاقات هائلة، تبحث عن مشغّل لها، وإيران التي مارست التنويم المغناطيسي على العراق تعرف بحرفية هائلة أزرار تشغيل هذا الكيان المشحون بطاقة كبيرة، وتضع له خريطة مسار صوب المقامات المقدّسة٠

https://www.alaraby.co.uk/opinion/2017/6/4/هل-يحتل-العراق-سورية-1

corvides--tm

العلاقة الروسية – الإيرانية «شر لا بد منه»٠


موسكو – رائد جبر
الإثنين، ٦ فبراير/ شباط ٢٠١٧

غدا موضوع تباين المواقف بين موسكو وطهران، الأكثر إثارة وتداولاً لدى أوساط ديبلوماسية وإعلامية في المرحلة التي أعقبت السيطرة على حلب وشهدت إعلاناً «هشاً» لوقف النار رفضت طهران التوقيع عليه، قبل أن تدفعها موسكو الى المشاركة في «تثبيته» بعد اختتام مفاوضات آستانة. وقد تكون الزيارة المنتظرة للرئيس الإيراني حسن روحاني الى روسيا أواخر الشهر المقبل نقطة تحول لتحديد ملامح تطور العلاقة التي وصفها أخيراً مسؤول روسي بأنها «شر لا بد منه»٠
وبدت العلاقة الروسية – الإيرانية ملتبسة في الشهور الأخيرة، فمن جهة تتمسك موسكو بدعم دور إيراني أساسي في المنطقة، وتسعى الى تخفيف حدة الاحتقان المتصاعد بين طهران والإدارة الأميركية الجديدة، لكن في المقلب الآخر، لم تعد موسكو تخفي استياءها من «تمادي» الإيرانيين في محاولات عرقلة الخطط الروسية في سورية، وهي تراقب بحذر مساعي الإيرانيين لـ «تثبيت» مكاسب على الأرض سياسية وأمنية واقتصادية استباقاً لرسم ملامح المرحلة المقبلة٠
ولم يعد خافياً أن روسيا تعتمد «خطاباً مزدوجاً» في تعاملها مع الدور الإيراني في سورية تحديداً، تعمل في الشق العلني منه على تأكيد احترامها مصالح طهران، ودور الإيرانيين الأساسي كطرف ضامن لوقف النار وإطلاق العملية السياسية، بينما لا تتردد خلف أبواب مغلقة بتوجيه انتقادات لاذعة لطهران، كما حصل عندما أبلغت زعيماً في منطقة الشرق الأوسط أخيراً، أن موسكو «باتت تدرك أن طهران تقوم بعمليات تطهير طائفي في بعض مناطق سورية» أو عندما أعرب ديبلوماسي روسي بارز عن «استياء روسيا من تحركات الجنرال» في إشارة الى تحركات رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني وقيامه بـ «جولات استعراضية» كان أحدثها في حلب بعد تثبيت وقف النار فيها ومغادرة المسلحين مباشرة٠
وشكلت إشارة مسؤول روسي أخيراً، الى أن «إيران تقوم بمناورات لا تنسجم مع المبادرات الروسية وتخالف قرارات مجلس الأمن» عنصراً إضافياً يبرز اتساع الهوة بين الرؤيتين الروسية والإيرانية للوضع في مرحلة ما بعد حلب٠
ومنذ البداية أدركت روسيا أن العلاقة مع الإيرانيين لن تكون سهلة، لكنها سعت الى إدارة توازنات تحالفاتها بدقة مع الأطراف الإقليمية، خصوصاً عبر التوازن الذي أقامته في علاقتها مع إسرائيل ونظام الرئيس بشار الأسد، وأيضاً مع تركيا وإيران٠
وواجه الروس مواقف صعبة أحياناً، كما حدث عندما رفض وزير الدفاع الإيراني المشاركة في جلسة محادثات مع نظيره التركي، خلال مفاوضات وزراء الخارجية والدفاع في روسيا وتركيا وإيران التي سبقت مباشرة إعلان وقف النار في حلب. وكان مقرراً أن يعقد وزراء الدفاع جلسة موازية لمفاوضات وزراء الخارجية ثم يعقد الوزراء الستة مؤتمراً صحافياً مشتركاً، لكن اعتراض الوزير الإيراني دفع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الى إجراء محادثات غير مباشرة بين الطرفين وألغى الجانب الروسي بعدها مشاركة وزراء الدفاع في المؤتمر الصحافي المشترك، كما لم توقع طهران في حينه على الاتفاق ليبقى الضامنان روسيا وتركيا وحدهما٠
وعلى رغم ذلك نجحت موسكو لاحقاً، في دفع الإيرانيين الى توقيع اتفاق تثبيت وقف النار في آستانة، في خطوة أثارت استياء أطراف معارضة اعترضت على وصف طهران بأنها ضامن للاتفاق، لكنها في الجانب الآخر ثبتت الرغبة الروسية في تحميل إيران مسؤولية لضمان استمرار وقف النار٠
وسربت موسكو أخيراً، أن بين أسباب رغبتها في تسريع عقد المفاوضات، استخدام «صمود الهدنة» في سورية بسبب وجود مخاوف من أن تسفر»استفزازات» عن انهيارها فجأة. في إشارة الى الأطراف المدعومة من جانب الإيرانيين.
وكما تبدو العلاقة مع طهران ملتبسة في سورية، فهي لها وجهان أيضاً، في العلاقة مع الإدارة الأميركية الجديدة، ومن جانب تسعى موسكو الى تخفيف الضغوط الأميركية على إيران وتحويل العلاقة مع إيران الى «عنصر» في مساومة الأميركيين، لكن في جانب آخر، لن تتردد موسكو في استخدام الضغط الأميركي على الإيرانيين لحملهم على التماشي أكثر مع المشروع الروسي في سورية٠

إيران و «حشدها» في الفلّوجة: نموذج لإعادة إنتاج الإرهاب


عبد الوهاب بدرخان

الحياة-٣٠ حزيران ٢٠١٦

20120707-Syrie-liberté-justice-démo

Cibles des forces économiques mondiales

القوات العراقية تدخل الفلّوجة، تطرد تنظيم «داعش» من حيّ تلو آخر. حيدر العبادي يقول: اخرجوا واحتفلوا… نعم، كان يجب أن يستحقّ الأمر احتفالاً بخسارة الإرهابيين واحداً آخر من معاقلهم، لولا عشرات السقطات والانتهاكات التي رافقت المعركة طارحةً عشرات الأسئلة لعل أبسطها/ أخطرها: «داعش» هُزم لكن مَن انتصر، إيران أم العراق، أهو الجيش العراقي أم ميليشيات «الحشد الشعبي»، أهو عراق قاسم سليماني أم عراق العبادي، وهل من تمايز حقيقي بينهما؟ وإذا سئل العبادي فإنه لن يستطيع أن يشرح بشفافية أين موقع الجيش الحكومي على الخريطة، وما الفارق بين هذا الجيش والميليشيات، ومَن هم الذين يدعوهم إلى الاحتفال: أهم العراقيون جميعاً سنّة وشيعة كما يُفتَرض، أم الشيعة وحدهم كما يُظهر المزاج الدعائي العام؟
في السياق نفسه، عُهدت إلى «قوات سورية الديموقراطية» مهمة اقتلاع «داعش» من شمال شرقي سورية. وكلما تقدّمت هذه القوات لتدخل منبج وتضرب الخط الأمامي الذي أقامه التنظيم دفاعاً عن الرقّة، كلما سهل القول إن أكراد «حزب الاتحاد الديموقراطي» هم الذين يخوضون المعارك، وهؤلاء يجدون أن قتالهم من أجل أراضٍ يجعلها من «حقّهم» ويوسّع إقليمهم، وبالتالي فإن من شأنهم تكريد أسماء المناطق «المحرّرة» – كما لو أنها مقفرة وغير مأهولة منذ زمن – وضمّها إلى «فيديراليتهم»/ إقليمهم، في ظلّ انتفاء جهة ذات شرعية مخوّلة تسلّمها منهم. عدا أن هذا النهج يكرّر مسلك العصابات الإسرائيلية في فلسطين حتى في تفاصيله، فإنه يجعل «تحرير الرقّة» أقرب إلى عقلية «داعش» حين اعتقد أنه يستعيد عصر الفتوحات الإسلامية.
الخلاص من «داعش» وحرمانه من مناطق سيطرة يتحكّم بأهلها ومواردها وتراثها ومستقبلها، وبالتالي القضاء عليه… تلك أهداف لا ينقضها أي عاقل، ولا تحتمل الجدل أو أنصاف الحلول. لكن هل هي فعلاً أهداف الولايات المتحدة وروسيا وإيران، وهل لديها مصلحة في تحقيقها، وطالما أنها منخرطة في هذه المعمعة فهل تعمل حالياً على إنهاء هذه الحال الإرهابية إلى غير رجعة؟ لا الدرس الأفغاني أفاد الروس ثم الأميركيين بعدهم، ولا الدرس العراقي علّم الأميركيين شيئاً آخر غير كذبة «التدخّل بعدم التدخّل» إلى حد تعمّد العمى، تجنّباً لرؤية الدور الإيراني، ليس فقط بالتدخّل الذي أصبح الآن بالغ الفجور والعلنية، بل خصوصاً في تصنيع تلك الحال الإرهابية التي يدّعي المتدخلون أنهم إنما جاؤوا لتخليص العالم من شرورها.
لكنهم يعتمدون جميعاً على ميليشيات لا فارق بين تعصّباتها ولا بين ارتباطاتها أو أجنداتها. ردّد الروس والأميركيون دائماً أن أساس «تفاهماتهم» الحفاظ على الدولة والمؤسسات في سورية، لكنهم عجزوا عن أي «تفاهم» في الوقت المناسب، أي عندما كان ذلك ممكناً قبل أربعة أو حتى ثلاثة أعوام. والأخطر أن الروس والأميركيين تغاضوا عن النظام السوري وحلفائه الإيرانيين حين راحوا يجهّزون البيئة لاجتذاب الإرهابيين، بل كانوا يحذّرون جميعاً من تفشّي الإرهاب، لكنهم فعلوا كل ما يلزم لتسهيل استشرائه. كانت الطرق أمام الدواعش تُفتح تحت كل الأنظار، وتسهيلات دخولهم الرقّة ومركزها الحكومي تتم بعلم الجميع، والتنسيق بين «داعش» وأكراد «الاتحاد الديموقراطي» أو حل خلافاتهم ووقف اشتباكاتهم تتولاها أجهزة نظامي دمشق وطهران وبعلم من استخباريي موسكو وواشنطن… كل ذلك معروف على رغم استمرار التعتيم الإعلامي عليه، فمَن يصدّق أن هذه الأطراف باتت تريد محاربة الإرهاب ما دامت مسؤوليتها عن وقوع المحظور ثابتة ومؤكّدة؟
كان يمكن للأداء أن يكون أفضل في العراق، مع كل التحفّظ ومن دون أوهام، فللمرء أن يتساذج فيقول إن هناك حكومة، لئلا نقول دولة وأن هناك جيشاً، وأن الاميركيين أسياد الجو في العراق (كما هم الروس في سورية) أعلنوا مراراً أنهم لا ينسّقون مع الإيرانيين ولا يدعمون معارك تخوضها أو تشارك فيها ميليشيات منفلتة، خصوصاً أن سوابق ديالى وتكريت برهنت أن عصابات الطائفيين الموتورين متشبّعة بعقيدة لا تختلف عن تلك «الداعشية» إلا في بعض التفاصيل. غير أن الوقائع بيّنت أن «عدم التنسيق» عنى أن يقوم الأميركيون بما يناسبهم، كذلك الإيرانيون وميليشياتهم، حتى لو أدّى ذلك إلى تشويه الأهداف المتوخاة من عملية «التحرير». وفي حال الفلّوجة كان ينبغي التحوّط لـ «الثأرية» التي ضاعفت هوس زعماء الميليشيات وجاءت بقاسم سليماني وتوصيات المرشد، فهؤلاء يعتقدون أنهم أجادوا إدارة الدولة في العراق وأن هذه المدينة هي التي أفشلت تجربتهم، ولذلك أرادوا الانتقام من سكانها.
لكن، أي رسائل بُعثت وتُبعث من خلال عمليات «التحرير»، وهل تختلف إذا كان «داعش» مرسلها أو أي طرف آخر؟ أولى الرسائل أن مصير المدن هو الدمار، والثانية أن مآل أهلها المهانة، وثالثتها أن مَن يحرّرها ويحرّرهم هم الذين تسبّبوا أصلاً بوجود «داعش» واستفادوا من دخوله في الذهاب ويستفيدون من إخراجه في الإياب. ولا شك في أن نموذج «تحرير» الفلوجة كان صارخ الشذوذات واللاانسانية. أكثر من ثمانين في المئة من أهلها خرجوا بعد سيطرة «داعش» عليها، وشارف من بقوا فيها على المجاعة منذ شهور طويلة، ومع اندلاع المعركة لم يتوقّع أحد أن يُستقبل الهاربون منها بالترحيب والحفاوة الأخويين، لكن ما لم يبدُ مفهوماً بأيّ معيار أخلاقي أن تمتنع الحكومة ومنظمات الأمم المتحدة عن توفير أبسط الإغاثات المتوقّعة وأن تمنع الميليشيات هيئات عراقية محلّية من تقديم أي مساعدة. تُرك المسنّون والنساء والأطفال أياماً في العراء من دون غذاء أو ماء أو دواء أو اسعافات. أما الرجال فاقتيدوا إلى معسكرات اعتقال ليصبح مئات منهم في عداد «المفقودين» ويُعرَّض مئات آخرون للتعذيب والسحل والتنكيل ويُجبَروا على ترديد شعارات «شيعية» من قبيل تحقيرهم، وأن يتعمّد جلادوهم/ «مواطنوهم» المفترضون تصوير كل ذلك وتعميمه… فهذه هي الرسالة التي أرادها الإيرانيون أن تصل أبعد من الفلوجة وأهلها، ومن خلالها يقولون مع نوري المالكي وهادي العامري وقيس الخزعلي وأوس الخزاعي وغيرهم من أتباع إيران ومجرميها أن لا عيش ولا تعايش مع سنّة العراق بعد اليوم. «داعش» لم يكن سوى الوسيلة والذريعة.
يُقال الكثير الآن عن أن تحرير الموصل، وربما منبج والرقّة، سيكون «نموذجاً» في مراعاة المدنيين، فهل سيُعتمد على الذين ظهروا بزيّ عسكري وهم ينكّلون بالفلوجيين أم على الأكراد الذين نظّموا عراضة الجثث في عفرين السورية. لم يبالغ بعض المحللين إذ تحدّث عن محنة السكان بين جحيم «داعش» وجحيم محرِّريهم منه. فهذا «تحرير» يتحوّل في مجرياته مصنعاً لإعادة إنتاج الإرهاب، فلا الحملة الجويّة بدت مجدية في المدى المنظور ولا الحملة البرّية تبدو أكثر فاعلية في المدى البعيد. قد يساهم كلاهما في ضرب «داعش» وإخراجه من المدن، لكن ما يرافقهما من ممارسات يأتي بنتائج عكسية، ويكفي التفكير في اتجاهات ثلاثة لتقدير الموقف: أولاً بالجيل الذي ينطبع وعيه بالمهانة التي يتعرّض لها مع أهله وبـ «لعبة العنف» الوحيدة المتاحة أمامه. وثانياً بالصراعات المذهبية (سنّة – شيعة) أو القومية (عرب – كرد) التي باتت محاربة الإرهاب منفذها لتحديد المنتصر والمهزوم بغضّ النظر عن مدى إرهابية هذا الطرف ووحشية ذاك. وثالثاً بالنتائج السياسية الآخذة في الارتسام، وفقاً لأجندات القوى الدولية وأهوائها، سواء بالظروف التي يوفّرها الأميركيون والروس لإيران كي تقطف ثمار سياساتها العدوانية والتخريبية في العالم العربي وحتى بمكافأتها بمحاربة إرهاب صنعته ورعته، أو بالتغييرات الجغرافية التي يستعدون لبنائها على إحباطات تاريخية عربية إضافية لمعالجة إجحاف تاريخي عومل به الأكراد قبل مئة عام وجعلهم اليوم أول المطالبين بتقسيم العراق وسورية.

الطبل في الرقة والرقص في مارع


Syrie-brûle-sauvons-là-2

Syrie brûle, Sauvons là…

عديد نصار

 

فيما تتسابق الأحداث بين معركة الفلوجة التي تثير الكثير من التساؤلات والشبهات خصوصا لجهة الدفع بالحشد الطائفي 
للمشاركة باقتحام المدينة وما نشر عن جرائم ارتكبها في ضاحية الكرمة التي سيطر عليها ثم ظهور قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني هناك، وبين ما يثار حول معركة الرقة التي تدفع باتجاهها القيادة العسكرية الأمريكية من خلال دعم وتوجيه ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية وتزويدها بالسلاح النوعي وما تلى ذلك من مناوشات في ريف تل أبيض الجنوبي وريف الرقة الشمالي، تتعرض مدن ومناطق الريف الشمالي لمدينة حلب لهجمات شرسة من مسلحي التنظيم من جانب ومن قبل مسلحي الأسايش التابعين للبا يا دي من جانب آخر فيما لم توفر طائرات النظام والطيران الحربي الروسي تلك المناطق من القصف وارتكاب المزيد من المجازر بحق من تبقى هناك من مدنيين٠
يبدو أن “الطبل في الرقة والرقص في مارع” بحسب القول الشعبي. فتوجيه الأنظار الى الرقة وتوجيه السلاح الى ريف حلب الشمالي يعني أن هناك عملا حثيثا تتشارك فيه كل القوى العسكرية المضادة للثورة لتنظيف ريف حلب الشمالي من الثوار ومن أهله أيضا، ليتسنى بعد ذلك اقتحام مدينة حلب بعد أن تم تحشيد آلاف المقاتلين من كل حدب وصوب في المناطق التي تحاصر المدينة٠
فالقوات الروسية التي احتشدت هناك منذ أسابيع، ويتم الآن تجاهل وجودها إعلاميا، وكذلك الفرق العسكرية الإيرانية ومسلحو الميليشيات التابعة لها ومنها حزب الله والفاطميون والمليشيات العراقية، كلها تنتظر ساعة الصفر للانقضاض على حلب٠
الخناق يشتد على مدينة مارع، حيث اندفعت موجات متتالية من مسلحي داعش مدعمة بمختلف أنواع الأسلحة بما فيها الدبابات والمفخخات والانتحاريون وتمكنت من السيطرة على عدة قرى محيطة بمدينة مارع من الجنوب والشرق والشمال لتقطع الطريق التي تربط المدينة بمدينة اعزاز، دون أن يلتفت طيران التحالف الى هذا التقدم إلا حين دخل مسلحو التنظيم الى قرية كلجبرين حيث أسفرت الاشتباكات وكثافة النيران التي أطلقوها عن مجزرة مروعة بحق الأهالي استكملها مسلحو الأشايس بقصف القرية من الجهة المقابلة، ثم طيران التحالف الذي تحرك أخيرا ليسهم في قتل المزيد من المدنيين!٠
وهكذا يطبق الحصار على مارع. داعش من الجنوب والشرق والشمال وقوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأشايس، التي استغلت الموقف لتحتل قرية الشيخ عيسى، من الغرب. وكلا الفريقين عينه على اعزاز بعد مارع. وإذا كان ثوار مارع قد استطاعوا صد هجومات داعش حتى الآن. ولكن، إلى متى سيتمكنون من الصمود أمام موجات متلاحقة من الهجمات الدموية التي تشن عليهم في مشهدية تشي بتواطؤ الجميع، وبمعزل عن أي دعم؟ فقوات داعش تتحرك بحرية تامة رغم وجود طيران التحالف الدولي بقيادة أمريكا الذي لا يغادر سماء المنطقة، وقوات الأسايش ومن معها تستغل انشغال الثوار بالمواجهات مع مسلحي داعش لتحتل ما تيسر لها من مناطق، وطيران النظام وحلفائه الروس يدك المناطق المدنية ويقطع الطرق على الثوار، وقوات النظام والمليشيات الداعمة لها تشغل المعارضة المسلحة في أكثر من جبهة، حندرات، خان طومان..، ما يدعم فرضية تواطؤ الجميع وبرضى أمريكي واضح، في مهمة تنظيف الريف الشمالي من الثوار ووضع قوات حماية الشعب في مواجهة داعش، وبالتالي تأكيد دور هذه القوات في الحرب على التنظيم، رغم كل ما قدمه الثوار في مواجهته٠
المعلومات الواردة من الرقة تؤكد أن لا معركة مع داعش هناك في الوقت الراهن على الأقل، والمعلومات الواردة من مارع والشيخ عيسى وتل رفعت تؤكد أن هجمات داعش على مارع لن تتوقف. وأن موجات جديدة من النزوح قد بدأت. أما التورية على ما يحضر لمدينة حلب فلن يطول أمدها٠
كتب “الشاوي الضليل” (مدون من الرقة مقيم في الخارج) حول هذا الأمر يقول:

“سيَهزم تنظيمُ داعش الجيشَ الحر في شمال حلب، بإرادة امريكية، وستنتصر قوات سورية الديموقراطية على داعش في شمال حلب، وبإرادة امريكية ايضا، لان امريكا تريد تأديب القيادة السياسية التركية، التي توهم نفسها بانها تستطيع ان تتحرك في سورية بدون موافقة مسبقة من الامريكان، امريكا لن تسمح لتركية بتهديد مصالحها في المنطقة، لأنها عبر ادارتها للفوضى والتوحش في سورية، استطاعت ان تسيطر على أطراف الفوضى وتشغليهم في ادارة هذه الفوضى كشركات امنية محترفة تؤدي المهام المتعاقد عليها مع امريكا باحتراف.”
يبدو أن تأجيل موعد المفاوضات في جنيف إلى أجل غير معلوم على صلة بما يحضّر على الأرض في حلب وفي ريفها الشمالي تحديدا. وأن تنظيف تلك المناطق من وجود مؤثر للمعارضة المسلحة وتوسيع سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي والقوات التابعة له (الأسايش) سيكونان مدخلا لتعديل جذري ربما في مسيرة هذه المفاوضات٠
بغض النظر عما ستؤول إليه معارك ريف حلب الشمالي، وبغض النظر عم ستؤول إليه مفاوضات جنيف إن استكملت، فلن يتمكن حلفاء النظام ومشغلوه ولا تنظيم داعش ولا كل القوى المضادة للثورة المتواطئة عليها من إيقاف ثورة الشعب السوري. هذه الثورة ستجد طريقها الى الفعل والى الانتصار حتى لو استعاد النظام ومن معه السيطرة الكاملة عسكريا على الأرض، أو تقاسموها مع داعش والنصرة والبا يا دي، فها هي معرة النعمان لا تزال في انتفاضتها في وجهة جبهة النصرة للأسبوع الحادي عشر على التوالي، وها هي عامودا تنتفض في وجه البا يا دي بعد سلسلة الاعتقالات التي قام بها بحق الناشطين الكرد٠ 
هناك مسارات ثورية لن يعدمها الشعب السوري وقواه الحرة، ولن يكون الانتقال الى العمل الثوري السري المسلح داخل مناطق سيطرة النظام (وشركائه) مسألة عسيرة. وسيمثل تحولا نوعيا على مستوى الثورة هدفه تحرير كامل سوريا وكل الشعب السوري من كل أشكال الاستبداد، وسيكون أكثر حرصا على سلامة المدنيين من أي وقت مضى، خصوصا بعد العمليات الإرهابية التي طاولتهم مؤخرا في طرطوس وفي جبلة. المدنيون الذين سيشكلون حاضنته التي تحميه وتؤازره وتمده بكل ما يحتاج حتى تحقيق كامل أهدافه٠
والفعل الثوري في مناطق سيطرة العدو لا يميز بين مواطن وآخر ولا بين منطقة وأخرى. فهدفه الأساسي تحرير الوطن والانسان وتخليصهما من كل احتلال واستبداد وتسلط٠

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=519195
%d bloggers like this: