La fin des droits de l’homme !!نهاية حقوق الإنسان!٠


Opposition-2

نهاية حقوق الإنسان!٠

7 نوفمبر 2018

بدعوة من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، حضرت مؤتمرا عقد نهاية الأسبوع الماضي في تونس، عن مستقبل حركة حقوق الإنسان أمام التحديات التي تواجهها في سياقات سياسية واجتماعية متنوعة ومعقدة، وفي عالمٍ مضطرب. وطوال يومين، تردّد أكثر من مرة السؤال، وبأكثر من صيغةٍ، بشأن الجدوى اليوم من الدفاع عن حقوق الإنسان في عالمٍ معادٍ لهذه الحقوق؟ وبقدر ما كان سؤال: هل نحن أمام نهاية حقوق الإنسان؟ الذي طرحه مدير المركز، بهي الدين حسن، مستفزّا، فإنه كان محفّزا للدفع بالنقاشات إلى أقصى مداها. فما كان يعتبر مكاسب في مجال الحقوق والحريات يجد اليوم المدافعون عن حقوق الإنسان أنفسهم مجبرين على إعادة النضال من جديد، ومن الصفر، لاستعادتها، والحفاظ عليها وصيانتها، أمام تنامي موجات الكراهية في العالم، وعودة العنصرية في أبشع صورها والعبودية بأشكالها الحديثة، وانعدام المساواة بكل أنواعها، واستفحال الظلم في كل بقاع العالم، وإفلات الجناة من العقاب، وتهرّب المذنبين من المحاسبة والمساءلة٠

تتعرض حركة حقوق الإنسان العالمية اليوم لهجمة عنيفة، ومن أكثر من جهة معادية لها، وتجد نفسها مهدّدة أمام تنامي الحركات الشعوبية واليمين المتطرّف في الغرب، وبروز قادة عالميين شعبويين ويمينيين متطرّفين، يهدّدون بتقويض إنجازات الحركة الحقوقية في العالم. وصعود النزعة الانعزالية في الغرب بسبب تفاقم مشكلات مجتمعاتهم الاقتصادية والاجتماعية، والخوف من موجات الهجرة القادمة من الشرق أو الجنوب، والخطر الإرهابي. بالإضافة إلى سياسة الكيل بمكيالين التي تنهجها حكوماتٌ غربية كثيرة في تعاملها مع هذه الحقوق. أما التحدّيات التقليدية التي كانت تواجه هذه الحركة، أي القمع والتضييق، فقد ازدادت بقوة ودفعت مناضلين إلى الاستسلام أو خفض سقف مطالبهم، ونجحت الحكومات المعادية لهذه الحقوق، في أكثر من بلد، في اختراق حركات حقوق الإنسان من الداخل في بلدانها، ما أفقدها كثيرا من مصداقيتها٠

نحن أمام حالة انقلاب عالمي على حقوق الإنسان في العالم، لم يبدأ اليوم، وإنما قبل نحو 17 سنة، عندما ساهمت الحرب الدولية ضد الإرهاب، منذ إعلانها بعد أحداث “11سبتمبر” في العام 2001 في الولايات المتحدة في إضفاء الشرعية على كثير من تجاوزات حقوق الإنسان. فتحت ذريعة مكافحة الإرهاب، ارتكبت أنظمةٌ كثيرة، بما فيها حتى الديمقراطية، أعمال قتل وتعذيب وقمع وبلطجة خارج القانون، ولم تتعرّض لأية محاسبة حقيقية حتى اليوم. وحتى من داخل حركة حقوق الإنسان، أصبحت أسئلة كثيرة تُطرح، وتتطلب أجوبةً عميقةً وآنية لرفع التحدّيات الكبيرة التي تواجه مستقبل الحركة، من قبيل: هل الاكتفاء بحرفية القانون كفيل بالنهوض من جديد بهذه الحقوق، وتحقيق حتمية انتصارها النهائي؟ وهل يجب التعامل مع الفكر الحقوقي عقيدة معارضة، بدلاً من كونها مبادئ كونية مشتركة؟ وأين يتقاطع السياسي مع الأخلاقي مع المبادئ والقيم والقوانين؟

ليس من العيب أن تجد الحركة الحقوقية اليوم نفسها محشورةً في الزاوية، بسبب ضعفها والهجوم عليها، والاختراق الذي تعرّضت له، لكن المشكل هو الاستسلام للتشكيك في مشروع مجتمعها بعد مرور 70 سنة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فما يشهده العالم اليوم من انقسام حاد حول مبادئ حقوق الإنسان، والطعن في صفائها الأخلاقي، وسمو مبادئها، وطابع الكونية التي أضفي عليها، يجد تفسيره في خلافاتٍ أخلاقيةٍ وسياسيةٍ أعمق تزكّيها إيديولوجيات سياسية ومعتقدات دينية تنظر بكثير من الشك إلى قيم حقوق الإنسان ومبادئها، كما تعارفت عليها الإنسانية في ميثاقها العالمي، وطورتها في معاهداتها ومواثيقها الدولية٠

طبيعة أزمة حقوق الإنسان هي أيضا ذاتية، تتعلق بخطاب الحركة الحقوقية الذي لم يُساير تطور المجتمعات، ولم يُواكب تطلعات الأجيال الجديدة من الحركات الاحتجاجية التي رفعت سقف المطالب عاليا، وليس فقط بسبب نكوص الديمقراطيات، وتغوّل الأنظمة الاستبدادية في زمن الثورات المضادة. وهنا يطرح السؤال بحدة على المشتغلين داخل حقل حقوق الإنسان: إلى أي حدٍّ ما زالت نظرية ثلاثة أجيال لحقوق الإنسان، أي الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والحقوق الجماعية والفردية، تشكل الإطار الأنسب لتحليل حقوق الإنسان، وأيضا لمعالجة التطورات المعاصرة، والقدرة على تلبية حقوق التطوير والسلام والبيئة الصحية؟
ثمّة من يدفع في اتجاه تبنّي ادّعاءٍ كاذبٍ أن الأجيال الثلاثة الأولى من حقوق الإنسان أصبحت بالية، ولا فائدة من استمرار الدفاع عنها، وهو ادّعاء الهدف منه تقويض العقيدة الأساسية التي قامت عليها فلسفة حقوق الإنسان، واستبعاد التراكم التاريخي الذي حقّقته حركتها، وتقديم مفهوم جديد لهذه الحقوق، يقوم على التبسيط المُفرط، ويساهم في التهوين من خرق باقي الحقوق.
كل المؤشرات اليوم تنبئ بأن المقبل من الأيام سيكون أسوأ لحركة حقوق الإنسان، فالأوضاع سيئة والآفاق غير واضحة، ولا شيء ينبئ بأن العالم سيكون أفضل حالاً مما هو عليه اليوم على المدى القريب. وفي هذا السياق، جاءت ندوة مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان لا لتكون صرخة يأس، وإنما دعوة إلى العمل من أجل التحرك وعدم الركون إلى الاستسلام قبل فوات الأوان.

Advertisements

من البوعزيزي إلى خاشقجي


Les-salafistes-intégristes

الرجعية العربية- السلفية الجهادية – الجماعات التكفيرية – Extrémisme, intégrisme et les fantassins de l’impérialisme

من البوعزيزي إلى خاشقجي

علي أنوزلا
24 أكتوبر 2018

عندما أقدم الشاب التونسي، محمد البوعزيزي، عام 2010، على إضرام النار في جسده، احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية في مدينته، سيدي بوزيد، عربة الفاكهة التي كان يكسب منها رزقه، لم يكن يعرف أنه بفعله ذلك سيشعل فتيل ثورات الربيع العربي التي أسقطت عدة أنظمة، وأحرقت عدة دول، وما زالت رياحها تهب على المنطقة. ومنذ ذلك اليوم البعيد، جرت مياه كثيرة تحت الجسر، سقطت أنظمة وتغيرت أخرى، وتمزّقت دول وشردت شعوب، وحطمت آمال ملايين الناس الذين خرجوا يطالبون بالحرية والكرامة والديمقراطية. لكن الربيع العربي لم يحمل معه فقط رياح التغيير، وإنما أيضا رياحا معاكسةً تحولت إلى ثورات مضادة، أتت على الأخضر واليابس، حملت معها الانقلابات والخراب والدمار لأكثر من دولة. كان لهذه الثورات المضادة عنوان واحد كبير، هو التحالف السعودي الإماراتي الذي كانت له حساسية كبيرة من كل تحول نحو الديمقراطية في المنطقة، وسخر المال والسلاح والإعلام لإجهاض كل أمل في التحرّر أو الانعتاق من أنظمة الظلم والاستبداد التي حكمت وما زالت تحكم شعوبها بالحديد والنار٠

٠”تنبئ غيوم ملبدة حول مقتل خاشقجي بأن

هبوب موجة ثانية من الربيع العربي بات وشيكاً وعنيفاً“٠

يومها، أي في مطلع عام 2013، كتب الكاتب السعودي جمال خاشقجي، مقالا في صحيفة الحياة، السعودية، يتنبأ فيه بما سيأتي، وكأنه أدرك أن العاصفة آتية لا ريب فيها. حمل المقال عنوانا دالا آنذاك، “نهاية الربيع العربي.. ولكن لا عودة إلى الوراء”، تنبأ فيه بنهاية الربيع واستمرار الثورة. وفي نهاية مقاله، كتب خاشقجي: “انتهى الربيع العربي، ولكن الثورة العربية مستمرة بغضبها وثاراتها وتحولاتها التي لا تتوقف..”، قبل أن يصدر حكمه: “قوة التاريخ مع الحرية والديمقراطية”٠
المفارقة أن خاشقجي سينتهي ضحيةً لفكرة الحرية والديمقراطية التي آمن بانتصارها الأخير، وهجر بلاده مبشّرا بها في أرض الله الواسعة، إلى أن لقي حتفه المأساوي في الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، لكن دمه لن يذهب سدى، مثلما لم يذهب سدىً دم بوعزيزي الذي أشعل ثورات الربيع العربي، واغتيال خاشقجي هو إعلان لنهاية الثورات المضادة. وما بين الوفاتين، أو الجثتين، كُتب تاريخٌ ويُكتب آخر جديد، فقد كان خاشقجي قد تنبأ بأن قوته ستنتصر في النهاية للحرية والديمقراطية، فما نشهده اليوم من تفاعلاتٍ وردود أفعال على جريمة الاغتيال ينبئ بأن ما سيأتي بعد هذه الجريمة لن يقلّ عما حدث في تونس عام 2010، فالشباب الذين خرجوا بالآلاف للتظاهر بعد أن هزّتهم مأساة وفاة البوعزيزي يحتج اليوم نظراؤهم بالآلاف أيضا على المواقع الاجتماعية التي تحوّلت إلى فضاءاتٍ بديلةٍ للاحتجاج، بعد أن حظرت الثورات المضادة النزول إلى الميادين والساحات العامة. والأنظمة التي خلفت تلك التي تهاوت عام 2011 بفعل قوة هزّات الثورات آنذاك، تترنح اليوم تحسبا لما هو آتٍ من عواصف قوية، تتجمع سحبها في سماء المنطقة العربية٠
عندما أحس الرئيس التونسي المخلوع، زين العابدين بن علي، بأن أصوات الاحتجاجات التي ملأت شوارع المدن والقرى التونسية تضيق عليه، لم يجد مخرجا من مأزقه سوى الهرب لينفذ بجلده. وما يفعله اليوم قادة السعودية المتورّطون في قضية اغتيال خاشقجي، ومن يحميهم أو يتواطأ معهم، هو نوعٌ من الهروب الرمزي من صوت الحقيقة الذي بات يخنقهم، ولا غرابة أن يجد هؤلاء أنفسهم غدا معزولين ومنبوذين داخل قصورهم، إلى جانب بن علي الذي حموه سنوات من غضب شعبه، لكنهم لن يحموه من حكم التاريخ الذي لا يرحم المستبدين والقتلة والفاسدين٠
ليست هذه مجرد مقارنة رومانسية لما يريد أن يحلم به كل الذين يتطلعون إلى التغيير في الدول التي شهدت ثوراتٍ مضادة، وإنما هي محاولة لقراءة قوة الهزّة التي أحدثتها هذه الجريمة البشعة، وارتداداتها التي ما زالت تتفاعل، محدثةً تغيرات كبيرة في بنية النظام العربي الرسمي، لأن مركز الهزة الأرضية، هذه المرة، هي النواة الصلبة لهذا النظام، والعمق الاستراتيجي للثورات المضادة التي أجهضت الربيع العربي٠
من دبّر جريمة اغتيال خاشقجي، بكل تفاصيلها البشعة والمرعبة، كان يسعى إلى بعث أكثر من رسالة، في مقدمتها، إخراس كل صوت معارض أو مستقل وترهيبه، وزيادة منسوب الخوف الذي يعتبر أداة حكم الأنظمة المستبدة، داخل مجتمعات مهزومة، قبل إعلان انتصاره النهائي على ثورات الربيع العربي. لكن فشل الجريمة، وانفضاح أمر منفّذيها وتضييق الخناق على مدبريها، وغباء من حاول نكران وجودها، ثم تمويهها، وبعد ذلك البحث عن تفسيراتٍ وتعليلاتٍ لها، قبل الوصول إلى تبريرها وربما، غدا، الدفاع عنها، هذا كله علامة على فشل آخر رمزي كبير ومدوّ، إنه فشل الثورات المضادة وقرب نهايتها. ولو تم تحوير عنوان مقال خاشقجي الذي تنبأ فيه بنهاية الربيع العربي، وأسقطناه على ما يحدث اليوم مع قرب نهاية الثورات المضادة، لجاءت النبوءة كالتالي: “نهاية الثورات المضادة.. ولكن لا عودة إلى الوراء”، لأن موجة الربيع العربي القادمة لن تكون كسابقتها، فالشعوب تتعلم من أخطائها، أما الحكومات والأنظمة العربية فيبدو أنها لم تستوعب الدرس، عندما اعتقدت أن التفافها على الإصلاحات الشكلية التي طرحتها، أو سياسات التخويف والترهيب التي نهجتها لإسكات شعوبها، أو حتى الزيادات في الأجور والرشى التي قدمتها لشراء استقرارٍ ظاهريٍّ، يحفظ لها سلطاتها، ويحمي فسادها، ستجهض كل أمل في التغيير وإلى الأبد٠

وحتى إن وجدت نيات حسنة في بعض الدول العربية وراء تلك الإصلاحات الشكلية، فإن مرور الوقت أبان عن تجاوزها، وعدم مصداقية كثير منها، وباتت الحاجة ماسّة إلى إحداث تغييرات جذرية وإصلاحات عميقة، قبل أن تندلع شرارة الموجة الثانية من الربيع التي يبدو أن ما يتجمّع اليوم من غيومٍ ملبدة حول مقتل خاشقجي ينبئ بأن هبوبها بات وشيكا وعنيفا٠

Vagues-peuple

Révolution des peuples

السعودية.. الخطر الداهم


لا سلفية ولا اخوان أنا طائفتي الحرية - سوريا - ni salafistes ni frères musulmans

لا سلفية ولا اخوان أنا طائفتي الحرية – سوريا – ni salafistes ni frères musulmans


الخميس, 12 أيلول/سبتمبر 2013
[علي أنوزلا] النيابة العامة المغربية تحيل الصحافي علي انوزلا إلى قاضي التحقيق بتهمة دعم الإرهاب

ما هو أخطر نظام تخيفه إرادة الشعوب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويزعجه أخذها مبادرة تقرير مصيرها بيدها؟ الجواب البديهي هو أن كل الأنظمة السلطوية في بلدان المنطقة هي التي وقفت وتقف دون تحقق إرادات شعوبها، لكن هناك نظاما واحدا يلعب دور الحاضنة لكل هذه الأنظمة، يدعمها ويحفزها ويحميها ويدافع عن قمعها لشعوبها، ويأوي دكتاتورييها الهاربين، ويعالج المعطوبين منهم، ويدافع عن المعتقلين منهم، إنه نظام الأسرة الحاكمة في السعودية.

فعند قيام ما سمي بثورات “الربيع العربي”، تفاجأ الجميع بصحوة شعوب المنطقة وتوقها إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. وقد اتضح الآن، وعكس كل ما كان يقال أن تلك الانتفاضات الشعبية التلقائية لم تحركها مؤامرات خارجية، لكنها بالعكس تعرضت ومازالت تتعرض إلى أكبر مؤامرات خارجية وداخلية.

واليوم ومع مرور الزمن بدأت بعض خيوط هذه المؤامرات تتضح، وينكشف من يمسك بها ويحركها عن بُعد. في البداية حاول نظام دولة صغيرة لكن بطموح كبير اسمها قطر أن يكيف هذه “الثورات” لصالح خطه السياسي الموالي لجماعة “الإخوان المسلمين” مستغلا قوة تأثيره الإعلامي وتواجد قيادات روحية لهذا التنظيم في بلاده، فبدأ بالتوجيه الإعلامي لمسار الثورات وضخ الملايين لحلفائه من تنظيمات “الإخوان المسلمين” في مصر وتونس واليمن وليبيا وسوريا لترجيح كفتهم على باقي خصومهم السياسيين.

هذا “التحكم” في توجيه ثورات شعوب المنطقة ما كان ليمر بسلام أمام أنظار أنظمة عشائرية خليجية منافسة ترى في تحرر شعوبها خطرا على وجودها، وترى في دعم “الإخوان المسلمين”، أكبر خطر يتهددها، فتدخلت هي الأخرى لتوجيه “الثورات” لصالحها. وهكذا بدأ “إفساد” الثورات التلقائية للشعوب، عندما تدخلت أنظمة الأسر الحاكمة في السعودية والإمارات والكويت لنصرة أتباعها من التنظيمات السلفية وصنعت لها أحزابا من عدم، مدتْها بالمال والدعم الإعلامي في الانتخابات التي شهدتها تونس ومصر لترجيح كفتها ضد خصمها الرئيسي “الإخوان المسلمين” أصحاب فكر “الأممية الإسلامية” الذي يحلم بإقامة “الخلافة الإسلامية”.

لقد سعت دول الخليج وخاصة النظامان القطري والسعودي، منذ هبوب رياح “الربيع العربي” لتقويض هذا الربيع. النظام القطري تدخل إعلاميا وماديا وحتى عسكريا في ليبيا وسوريا لترجيح كفة حلفائه من “الإخوان المسلمين” في المنطقة. وتدخل النظام السعودي عسكريا لقمع انتفاضة شعب البحرين، ودفع ماليا لإجهاض الثورة الشعبية في اليمن، وأنفق مليارات الدولارات للتأثير على الانتخابات الديمقراطية في تونس ومصر من خلال تشجيع “الإسلام السلفي” المرتبط بالفكر الوهابي السعودي، وتدخل ميدانيا في سوريا من خلال المليشيات الدينية المتطرفة التي باتت تصنف دوليا على لائحة “التنظيمات الإرهابية”.

ومؤخرا نزلت السعودية بثقلها المالي والديني والدبلومسي، لدعم العسكر في مصر. في البداية كانت أول من رحب بـتدخل الجيش و”الانقلاب” على الحكم المدني “الاخواني”، وبادرت هي ودول خليجية، خاصة الإمارات، إلى رصد نحو 12 مليار دولار لدعم “التحول” العسكري في مصر. وبعد المجزرة التي ارتكبها الجيش أثناء فض اعتصام أنصار مرسي بميدان “رابعة العدوية” بعث الملك عبد الله بن عبد العزيز برسالة صوتية لمساندة حرب الجيش ضد “الإرهاب”. وعلى إثر ارتفاع حدة الانتقادات الغربية لطريقة تعامل الجيش مع احتجاجات “الإخوان المسلمين” ومناهضي حكم العسكر، طار وزير خارجية السعودية وهو أقدم وزير خارجية في العالم، سعود الفيصل إلى باريس للضغط على الأوربيين وصرح هناك بأن بلاده تضع مواردها المالية وثقلها الديني كزعيمة للمسلمين السنة في العالم، ونفوذها السياسي لدعم العسكر في مصر.

موقف السعودية هذا، لا يحتاج إلى كثير من التفكير لفهمه، فبالنسبة للنظام السعودية هناك نوعان من التهديدات الإستراتيجية يعتبرها خطرا على وجوده: إيران و”الإخوان المسلمون”. لذلك سعى هذا النظام الأسروي إلى استعادة زمام الأمور في المنطقة كلها، فأعاد الإمساك بالورقة السورية ليستعملها في صراعه ضد النفوذ الإيراني، ودعم الجيش المصري لإجهاض حكم “الإخوان المسلمين” لأكبر بلد إسلامي في المنطقة. كل هذا تزامن مع “الانقلاب الأبيض” داخل بيت الأسرة الحاكمة في قطر عندما أُبعد الأمير السابق لهذه الإمارة المزعجة للسعودية، وتم التخلص من رأس النظام القطري السابق الذي كان يمثله رئيس وزراء ووزير خارجية قطر السابق، الذي لم يكن يخفي دعمه لـ “الإخوان المسلمين”، ويقدمهم للغرب كشريك براغماتي، وذلك في أفق دعمهم لطموحه في تولي الإمارة الغنية بالغاز والبترول. وليس غريبا أن يتوارى الرجل فجأة عن الأنظار منذ تنفيذ “الانقلاب الأبيض” داخل بيت الأسرة والذي يقال إنه تلقى خبره وهو في عرض البحر على ظهر يخته، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد إلى الإمارة ولم يظهر في حفل مبايعة الأمير الجديد تميم بن حمد، ومع ذلك فهو مازال يعتبر المتحكم في “الصندوق” الإعلامي للإمارة (قناة الجزيرة) التي بقيت موالية لـ “الإخوان المسلمين” في مصر في تناقض واضح مع المواقف التي تعبر عنها الخارجية القطرية الجديدة التي باركت “انقلاب” العسكر على الرئيس المدني محمد مرسي “الإخواني”.

هناك من سيقول إن هذه الأوضاع كانت قائمة قبل سنتين، فما الذي أخر تحرك النظام السعودي لاحتواء الأوضاع في المنطقة لصالحه والخروج عن “تريثه” الدبلوماسي التقليدي للدفاع عن مصالحه وطموحاته بدون مواربة ؟

ثمة أكثر من مستجد دفع السعوديين إلى الخروج عن تحفظهم، ولعل أهم سبب هو انتخاب شخصية براغماتية على رأس النظام الإيراني لا تخفى سعيها إلى تطبيع علاقاتها مع الغرب مما قد يخفف الضغط الغربي على طموحات إيران التي يتوجس منها النظام السعودي، وجاء إعلان “حزب الله” الذي لا يخفي ولاءه لإيران في الحرب السورية ليزيد من مخاوف السعوديين من خطر اتساع حلقة “الهلال الشيعي”. الحدث الآخر الذي أخرج النظام السعودي عن تحفظه تمثل في تمكن الأحزاب المنتمية إلى جماعة “الإخوان المسلمين” من الوصول للسلطة في بلدانها بطرق ديمقراطية في تونس ومصر، أمام هزيمة التيارات السلفية التي تدعمها السعودية. لكن، تبقى التحولات الكبيرة التي يشهدها النظام السعودي من الداخل ذات تأثير كبير على تصرفه الأخير. فقد وصل هذا النظام إلى نهاية دورته الأولى، المتمثلة في تداول السلطة بين أبناء عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة، حيث يعتبر الأمير سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد الحالي آخر أبناء الملك المؤسس الذين كانت تؤول إليهم الولاية والملك بطريقة تدريجية حسب السن. وخلف هؤلاء الأبناء الملوك والأمراء يوجد جيش من الأمراء أصحاب المطامح الكبيرة في تولي الملك في غياب أية آلية تنظم انتقاله بعد وفاة آخر أبناء الملك المؤسس. ومن بين هؤلاء الأمراء الطامحين يبرز بقوة اسم بندر ابن سلطان، رئيس المخابرات السعودية، الذي يعتبر اليوم أقوى رجل في السعودية بعد خالد التويجري، رئيس ديوان الملك الحالي المريض، وبما أن التويجري ليس من سلالة الأسرة المالكة فإن نفوذه سينتهي بنهاية سيده، فيما لا حدود لطموحات رئيس المخابرات الذي يستعمل اليوم علاقاته الواسعة مع أجهزة مخابرات غربية وعربية، وقد ظهر هذا جليا في سعيه لتوجيه الأزمة السورية نحو المسار المأساوي الذي تمر به، لدرجة أن صحفا أمريكية مشهود لها برزانتها ومصداقيتها كتبت أن هذا الأمير هو الذي يضغط على الإدارة الأمريكية مستغلا النفوذ السعودي وضعف سلطة الملك المريض، لجر أمريكا إلى حرب جديدة في سوريا، تماما كما فعل عندما استغل مرض الملك الراحل فهد بن عبد العزيز، في مطلع تسعينات القرن الماضي، لإقناعه بـ “كذبة” أسلحة الدمار الشامل التي ابتدعها المحافظون الجدد في أمريكا، لفتح أرض الحجاز أمام قوات المارينز الأمريكية في طريق غزوها للعراق.

إن ما يفرض هذا الدور المتعاظم للسعودية اليوم هو وضعها كأول منتج ومصدر للنفط في العالم، إلا أن ما يقوي نفوذها هو كونها تعتبر بعد إسرائيل، أهم حليف لأمريكا بالمنطقة رغم أن واشنطن والرياض لا تشتركان في القيم وإنما في المصالح الإستراتيجية.

طيلة العقود الماضية سعت أمريكا إلى أن تجد توازنا بين تأمين إمداداتها من النفط من الشرق الأوسط، وفي نفس الوقت الحفاظ على استقرار منطقة تعيش في دوامة عنف غير منتهية.

هذه المعادلة الصعبة كان يمكن حلها بدعم قيام أنظمة ديمقراطية، لكن هذا بالضبط ما لا تريده حليفتها الأسرة الملكية الحاكمة في السعودية التي تنفق المليارات من أجل إفشال كل محاولة لقيام أنظمة ديمقراطية. فعلت ذلك في لبنان منذ عقود وتفعل ذلك اليوم في مصر، وتونس واليمن والبحرين وتدعم أنظمة سلطوية في الأردن والمغرب لتشجيعهما على قطع الطريق على كل محاولة لدمقرطة بلديهما.

وحتى عندما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية “تصدير” نمط الحكم الديمقراطي، حتى لا نقول “الديمقراطية”، إلى بلد مثل العراق سعت السعودية من خلال دعمها لجماعات عنيفة إلى المساهمة في إشعال حرب أهلية بين الشيعة والسنة الذين لا يخفى النظام السعودي دعمه لهم.

فالسعودية كمصدر لإيديولوجيات دينية، يسميها البعض “الإسلام النفطي”، تغذي الجماعات المتطرفة في العالم الإسلامي، تدعم بشكل غير مباشر هذه الجماعات، وتتغاضى عن جمع الأموال التي تصلها من السعودية، وتغض الطرف عن التحاق مئات المقاتلين السعوديين بصفوف القاعدة في العراق وسوريا واليمن، وقبل ذلك في أفغانستان والشيشان.

فالنظام السعودي يطرح نفسه كحليف لأمريكا فقط عندما يتعلق الأمر بمواجهة النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة، ويتحول إلى خصم لها عندما أبدت السعودية مخاوف واضحة من تجارب ديمقراطية فتية كما حصل مؤخرا في مصر، وقبلها في العراق وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة. فالتحالف الأمريكي السعودي يقوم على التهديدات المشتركة التي تواجههما وليس على القيم التي لا يتقاسمانها.

فلو لم يكن النظام السعودي حليفا لأمريكا، ما كان له أن يعترض بالدبابات ليقف ضد انتفاضة الشعب البحريني، ويتدخل ماليا للتأثير على الديمقراطة الناشئة في تونس، ويساند ماديا ومعنويا تعطيل المسار الديمقراطي في مصر، ويدعم ماليا النظام في المغرب للنكوص عن وعوده الإصلاحية. لقد رأينا كيف تناسى النظام السعودي خلافه التاريخي مع النظام الملكي الهاشمي في الأردن، وسانده ماديا إبان فترة الربيع العربي، كما تدخل ماليا أيضا لاستمرار النظام اليمني الذي لا ينسى آل سعود أنه وقف ضدهم مع صدام حسين، لكن مملكة آل سعود أحست بالخطر الذي قد يداهمها من خصرها فتدخلت لإنقاذ نظام الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح الذي كان يترنح. فهل كانت أمريكا ستسمح أو على الأقل ستتغاضى على مثل هذه “التدخلات” لو جاءت من النظام الإيراني؟

هنا تكمن المفارقة. فالتحالف السعودي الأمريكي هو الذي يمنح السعوديين الضوء الأخضر للتدخل في العديد من دول المنطقة.

المفارقة أيضا تكمن في كون النظام السعودي يعتبر أكبر حليف للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة وفي نفس الوقت أكبر معارض للإصلاحات الديمقراطية، فإلى متى ستواصل أمريكا الاعتماد على النظام السعودي للحفاظ على استقرار أنظمة المنطقة، في الوقت الذي يدعم فيه هذا النظام بروز أنظمة قمعية ستؤدي إلى سفك مزيد من دماء شعوبها وتهدد استقرار دولها؟

إن المراهنة على نظام أسري مثل النظام السعودي سيكون حتما ضد الشعوب وربما ضد مصالح أمريكا نفسها، والأخطر من ذلك فهذا النظام بدعمه لجماعات دينية راديكالية يقوض كل امكانية لولادة الديمقراطية في المنطقة.

لذلك يجب المراهنة على ارتفاع منسوب النضج السياسي للشعب في الخليج، وخاصة الشباب، وتراجع احتياجات أمريكا لنفط المنطقة التي توفر الآن 8 في المائة من احتياجات أمريكا لهذه المادة الحيوية، وهذه ستكون من بين العوامل المحددة كي تعيد أمريكا النظر في علاقاتها مع النظام السعودي الذي قد يصبح التحالف معه مكلفا مع مرور الوقت، لأن المنابع الإيديولوجية والمادية للجماعات التكفيرية توجد في السعودية، وهذا الزواج الكاثوليكي ما بين النظام السعودي والإيديولوجية الوهابية بات يشكل أكبر عائق للتقدم الديمقراطي في المنطقة، وقد يشكل أكبر تهديد للاستقرار، ليس في المنطقة غير المستقرة أصلا، وإنما في العالم. فمن رحم هذا الزواج خرج إبن غير شرعي اسمه “تنظيم القاعدةّ” الذي مازال يتناسل بحرية وخارج إطار أية شرعية مخلفا أبناء غير شرعيين في العراق واليمن وشمال افريقيا والصومال وسوريا ومنطقة الساحل الإفريقية، ولا شيء يمنع من أن يخرج من رحمه غدا الوحش الذي يصعب التحكم فيه.

بالنسب للشعوب العربية وقواها الديمقراطية، لا يجب أن تراهن كثيرا على أمريكا والغرب، فهما معا سيكسبان القليل إذا نجحت الثورات العربية، ولكنهما سيخسران الكثير إذا ما امتدت رياح هذه الثورات إلى الأنظمة المحمية من طرفها وعلى الخصوص الأنظمة النفطية في الخليج.

لقد كان الاعتقاد سائدا بأن أي تغيير يمس مصر يمكن أن يؤثر في دول المنطقة بحكم ثقلها الإستراتيجي وكثافتها السكانية وقوة تأثيرها الثقافي، لكن ما اتضح اليوم هو أن أي تغيير حقيقي في المنطقة يجب أن يبدأ من شبه الجزيرة العربية، ليس لأنها مهد الرسالة الإسلامية، وإنما لوجود أنظمة أسرية متحالفة فيما بينها تتربع على أكبر ثروة في العالم، لا تريد أن يحدث أي تغيير يمس مصالحها.

 

Victoire de la volonté du Peuple

Victoire de la volonté du Peuple

2012.03.12- Al-tajamo'

%d bloggers like this: