٠«سورية الروسية» هل تختلف عن «سورية الأسد» ؟


Le-régime-syrien-tue-le-peuple-syrien

عبدالوهاب بدرخان
١٠ أغسطس/ آب ٢٠١٧

النتيجة التي تتوخّاها روسيا من الإقرار الدولي- الإقليمي بتفرّدها في إدارة المرحلة التالية من الأزمة السورية، وفي ربط المتغيّرات الميدانية (مسار آستانة) بتغييرات في مفاهيم الحل السياسي (مسار جنيف)، هي أن تتكيّف الأطراف الداعمة للمعارضة مع الأمر الواقع المتمثّل أولاً بأن روسيا، بمؤازرة إيران وميليشياتها، حسمت عملياً الصراع المسلّح وهي ماضية في إسكات ما تبقّى من جبهات عبر اتفاقات «مناطق خفض التصعيد»، بل إن هذه الأطراف مدعوّة أيضاً للتكيّف مع الأمر الواقع الروسي- الأميركي، كما تجلّى في هدنة جنوب غربي سورية، وكما استُكمل باتفاق أولي على خريطة توزّع القوى في محافظة الرقّة وعلى حدودها، وكما يمكن أن يتبلور أيضاً في تقاسمٍ محتملٍ لمحافظة دير الزور٠

ثمة مشكلتان في هذا الأمر الواقع، تكمن أولاهما في أسباب تسليم الدول الغربية بالدور الروسي ودوافعه مع علمها أن شرطه الرئيسي إبقاء الأسد ونظامه، وترتبط الثانية بالعقل الروسي الذي لا يفهم السياسة سوى نتيجة لمعادلات عسكرية- أمنية، وبالتالي فإن أي حل يمكن التوصّل اليه لا يفضي الى سلم تحصّنه السياسة، بل يحميه تمكين الغالب من مواصلة قمع المغلوب. وللسهر على هذا القمع المستدام عمدت موسكو الى «تشريع» وجودها في سورية لخمسة عقود مقبلة٠

أما الدول الغربية فعانت منذ بداية الأزمة من عدم وجود مواطئ أقدام لها في سورية ولا منافذ اليها، ومن محدودية مصالحها على الأرض. لذلك راوحت مواقفها بين الإقلاع عن مهادنة نظام بشار الأسد لإعادة إشهار رفضها المزمن لاستبداده وعنفه، وبين تأييد تلقائي للانتفاضة الشعبية السلميّة ثم تأييد متقطّع وملتبس لـ «الجيش السوري الحرّ» في بواكير عملياته. وخلال مراحل لاحقة، بعد 2014، واجهت هذه الدول كبرى موجات اللجوء ثم ظهور «الدواعش» وارتكابهم عمليات قتل في عواصمها بالتزامن مع بدايات التدخّل الروسي، فباتت هذه الدول مؤيّدة ضمنياً لأي حل يجنبها التداعيات السيئة للأزمة حتى لو كان الثمن أن يبقى الأسد ونظامه، وهو ما كان الروس يصرّون عليه بحجة «الحؤول دون انهيار الدولة»٠

قبل ذلك كانت فرنسا وبريطانيا وألمانيا تبيّنت أن الولايات المتحدة لم تؤيّد يوماً إسقاط نظام الأسد عسكرياً، عندما كان ذلك متاحاً، وعُزي موقفها هذا الى أسباب عدة: عدم وجود بديل جاهز لدى المعارضة، وخطورة «البديل الإسلامي» بالنظر الى التركيبة الديموغرافية المعقّدة، وضرورة تجنّب تكرار الفوضى العراقية بعد إسقاط نظام صدّام حسين وما انتجته من ظواهر إرهابية، ومراعاة إسرائيل بأخذ متطلّبات أمنها في الاعتبار وكذلك تعايشها السلمي الطويل مع النظام… لكن سياسة «التفاهمات» الظرفية مع روسيا لم تتمكّن من انتاج حلول للأزمة، على رغم «توافق» ظاهري على «بيان جنيف» (2012) الذي أرّخ للحظة التي بات فيها النظام غير قادر على استعادة زمام المبادرة، حتى مع تغاضي إدارة باراك أوباما عن توسّع التدخّل الإيراني، ثم قبولها في ما بعد بالتدخل الروسي وتأييدها الضمني لحسمه العسكري لمصلحة النظام. ويمكن القول إن إدارة أوباما كانت مهّدت للمهمة الروسية بوضع سلسلة طويلة من القيود والشروط التي ساهمت في تعقيد الأزمة وضرب طموحات الشعب السوري، إذ أدّت سياستها المتقلّبة الى نتيجتين: من جهة إفشال كل المحاولات لتوحيد المعارضة أو لجمع وحدات «الجيش السوري الحرّ» تحت قيادة واحدة، ومن جهة أخرى تغطية خطط النظام وإيران لاستشراء الإرهاب وانتشار «داعش» في استهداف مركّز لـ «الجيش السوري الحرّ» بدل مساعدة هذا الجيش على البقاء والصمود لمنع «أسلمته» ولتمكينه من دعم أي «انتقال سياسي»٠

وأما بالنسبة الى الاعتماد على روسيا لإنهاء الصراع وإعادة سورية الى وضع طبيعي فإن المشكلة فيه تكمن في نقطة الانطلاق نفسها، إذ إن روسيا لم تجد يوماً في سلوك نظام الأسد ما يستوجب الإدانة أو المحاسبة، وبعدما أصبح تدخّلها على الأرض شاركت النظام وإيران ارتكاب جرائم الحرب بل تجاوزتهما. وكما أدّعت في مجلس الأمن أنها تنفّذ القانون الدولي، بطريقتها التي يتيحها لها «الفيتو»، فإنها بررت كل مخالفاتها للقانون الدولي على الأرض السورية بـ «شرعية» تدخّلها المستمدة من «شرعية نظام الأسد». وأصبح في الإمكان القول الآن أن موافقة روسيا على «بيان جنيف 1» كانت مراوغة لمنح النظام وقتاً لتحسين وضعه الميداني، وأن إجهاضها عام 2013 مناورة «الخط الأحمر» الأوبامي بسبب استخدام السلاح الكيماوي شكّل في ما بعد أساساً للدفاع عن الجرائم الكيماوية و «شرعنتها»، وحتى موافقتها على القرار 2254 بعدما صيغ بعنايتها ووفقاً لشروطها كانت مجرد خدعة لتمرير جريمة تدمير حلب، ولم تكن أبداً للسعي الى حل سياسي بين طرفين أحدهما النظام وهو حليفٌ تحوّل الى بيدق في لعبتها الدولية والآخر معارضة لم تعترف بها يوماً بل اصطنعت لنفسها معارضات هي الأخرى أدوات ودمى في تصرّفها٠

أي حل سياسي يمكن توقّعه من روسيا التي لم تغيّر شيئاً من مواقفها وأفكارها وأهدافها طوال أعوام الأزمة؟ لقد حرصت أخيراً على إبلاغ مختلف العواصم أن موقف الولايات المتحدة من الأسد بدأ يتغيّر. وقبل ذلك حصلت على موقف مختلف من الرئيس الفرنسي الجديد، وباشرت باريس تأهيل سفارتها في دمشق استعداداً للعودة. أما بريطانيا وألمانيا فكانتا على الدوام مستعدتين للتكيّف مع وجود الأسد. ويبقى الأهم أن قمة فلاديمير بوتين – دونالد ترامب في هامبورغ أرست أساساً لـ «تعاون» في سورية حتى لو بقيت الخلافات الأميركية – الروسية حادة في الملفات الأخرى. وهكذا لم تجد الدول الأخرى، ولا سيما الداعمة للمعارضة، خياراً آخر غير التعامل مع ما أصبح واقعاً. فروسيا لن تنقذ النظام لتتخلّص من رئيسه الذي تحتاج الى توقيعه على املاءاتها، وإذ لم يتوقف بوتين أبداً عن الترويج لبقاء الأسد فإنه بالتالي لا يتصوّر حلاً سياسياً لا يكون متمحوراً حول الأسد٠

لم تمتلك أي دولة أخرى، ولا حتى إيران، إمكان التأثير في الأزمة السورية وتغيير وجهتها كما فعلت روسيا وتفعل. فهي توشك أن تغطّي المناطق كافةً بـ «اتفاقات خفض التصعيد» متعاونةً مع تركيا وإيران ومصر، وفيما يعمل المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا في خدمة مخططاتها فإنها تتحيّن الفرص لإعطاء دفع لمفاوضات جنيف حينما تحصل على وفد مفاوض معارض وفقاً لمعاييرها. ومع ذلك فإن الوقائع أظهرت حاجة روسيا الى دعم أميركا لتقلّص احتمالات التخريب عليها، وإلى استقطاب دول اخرى لعلمها بأنها تساند نظاماً واقعاً تحت عقوبات دولية ومهدّداً بالملاحقة القضائية يلزم الكثير لإعادة تأهيله دولياً ويمكن استخدام عقود إعادة الإعمار لتنظيف سجله الإجرامي وشراء سمعة جديدة له٠

أسئلة كثيرة تُطرح هنا في شأن الدول التي تبدّل مواقفها. فهي لا تفعل ذلك براغماتياً ولا مجّاناً، وطالما أنها لم تكن/ أو لم تشأ أن تكون قادرة على التأثير في تطوّرات الصراع العسكري فهل أنها استطاعت تحسين شروط الحل السياسي عندما سلّمت ببقاء الأسد، وهل أن روسيا مستعدّة لتوفير «ضمانات» أو تعهّدات مسبقة في شأن هذا الحل، أم أنها تترك الأمر لمساومات ستكون متأخرة وغير مجدية. ففي الشؤون الاستراتيجية مثلاً ليس هناك ما يشير الى أن «وحدة سورية» ركيزة أساسية لـ «الحل الروسي»، ولا ما يشير الى أن الدول التي فوّضت روسيا اشترطت ذلك. وليس واضحاً اذا كانت أميركا حريصة فعلاً وقادرة على إلزام الروس بتحجيم الوجود الإيراني أو حظر تداخل الميليشيات الإيرانية بين سورية والعراق. أما بالنسبة الى الشروط الضرورية لأي حل سياسي فإن مبادرات روسية مبكرة لمعالجة ملفَي المعتقلين والمهجّرين أو لتسهيل وصول مساعدات الى مناطق محتاجة يمكن أن تكون لها مساهمة حيوية، وأن تضفي شيئاً من الصدقية على النيات والأهداف الروسية، فلماذا تهتمّ موسكو بدسّ هذا المفاوض أو ذاك في وفد المعارضة ولا تهتمّ بهذه المتطلبات الانسانية، إلا اذا كانت تريد إخضاعها للتفاوض لمقايضة المعتقلين والمهجّرين بتنازلات سياسية ؟٠

* كاتب وصحافي لبناني

http://www.alhayat.com/Opinion/Abdulwahaab-badrakhan/23355156/«سورية-الروسية»-هل-تختلف-عن-«سورية-الأسد»-؟
Advertisements

خروج ميليشيات إيران شرط لازم لخروج الأسد


Toxique---Gaz---Chimique
عبد الوهاب بدرخان
الخميس، ٢٠ أبريل/ نيسان ٢٠١٧

بقيت أوساط النظام السوري لأيام عدة مصدومة بالضربة الأميركية والخسائر التي تسبّبت بها، وأسرّ عدد من القريبين الى بشار الأسد أن صدمتهم كانت أكبر بالهجوم الكيماوي نفسه. وفي جلساتهم الخاصة لم تكن رواية النفي والإنكار هي السائدة، بل التساؤلات عن مبرّر استخدام هذا السلاح في ذلك التوقيت وذلك المكان، خان شيخون، ولم يكن واضحاً لديهم لماذا حصل الهجوم ومَن أمر به ومَن نفّذه. لكنهم اعتادوا منذ أعوام على اعتبار أن ما لا يملكون تفسيراً له يكون مصدره روسيا أو إيران، ويعتقدون أنهما الاثنتان معاً هذه المرة، حتى لو اعتُبر رئيسهم مسؤولاً عنه. أما لماذا فلأن هذه الأوساط نفسها كانت، قبل ساعات من الهجوم، تهلّل للمواقف التي صدرت عن أطراف من ادارة دونالد ترامب وقالت إن ازاحة الأسد لم تعد أولوية أميركية. تلقى الأسد من واشنطن، للمرّة الأولى منذ ستة أعوام، ما تاق الى سماعه، وما كان بلغه مراراً عبر الاسرائيليين وغيرهم، من اعتراف به ولو كأمر واقع. ولعله تذكر مقابلته مع عضو الكونغرس تولسي غابارد عندما بلغته تصريحات ريكس تيلرسون ونيكي هايلي لأنها مطابقة لما نقلته إليه غابارد.
وخلال الشهور السابقة زارت دمشق وفود غربية كثيرة، معظمها من أجهزة استخبارية، وبعضٌ منها يمثّل جهات سياسية من اليمين المتطرّف الذي غدا من زبانية موسكو. وقد ساهم ذلك في تعزيز ارتياح الأسد الى أنه في صدد العودة كـ «نقطة تقاطع» لا غنى عنها بالنسبة الى القوى الخارجية. لكن المواقف الأميركية العلنية جاءت خلال احتدام المعارك عند البوابة الشرقية للعاصمة، كذلك جبهة حماة، ما عنى أن دمشق لم تعد خطّا أحمر، وأن الخطر قد يعود ثانية الى منطقة القلمون فضلاً عن منطقة الغاب فمنطقة الساحل. ومع ذلك لم يكن بإمكانه تجاهل أهمية «الاعتراف الأميركي»، والاستعداد للتعامل معه واستغلاله. هنا تعتقد الأوساط القريبة أن التطمينات الأميركية تحوّلت فخّاً، وما لبثت روسيا وإيران أن «ورّطتا» الأسد في خان شيخون لإعادته الى كنفهما وقطع الطريق على أي محاولة منه للتفكير في فتح علاقة خلفية مع الأميركيين. ويلخص أحدهم الموقف بقوله إن الروس والإيرانيين أرادوا إفهام الأسد بأنهم أنقذوه ويحافظون عليه لأنهم هم مَن «يبيعونه» عندما يحين الوقت و»ليس هو مَن يختار الشاري.»
ثم كانت الضربة لمطار الشعيرات وتغيّرت الوجهة الأميركية، أو هكذا يبدو، بل تغيّرت حتى لهجة اسرائيل، ظاهرياً على الأقل، وعادت اللازمة تكرّر أن الأسد «لا مكان له في مستقبل سورية»، واستخرج ترامب ترسانة الأوصاف (شرير، جزّار، حيوان…) التي تشير الى شخص يستحيل أن يعمل معه، أو أن يتصل به وفقاً لرواية عضو الكونغرس غابارد، وبالتالي فإن «منطق الواقع» ينافس «الأمر الواقع» بل يمكن أن يناقضه تماماً. فهل تغيّرت السياسة الأميركية فعلاً؟ كثيرون يشكّكون، لكن الأكيد أنها باتت تعبّر عن تفكيرها في بشكل مختلف، بدءاً من رغبة معلنة في تحجيم النفوذ الإيراني، الى عدم التردّد في إغضاب روسيا وإقلاقها وحتى مساءلتها عن مسؤوليتها في سورية، الى إشعار الأسد نفسه بأن استمراره وزمرته ليس مضموناً وأن المطروح هو «خروجه بطريقة منظّمة»، وفقاً لتيلرسون، ففي كل الأحوال لن تقدّم الولايات المتحدة شيئاً الى روسيا (أو إيران) لقاء إبقائه أو إخراجه. أما الوجه الآخَر للسياسة الأميركية فهو أكثر وضوحاً ويتعلّق باقتلاع «داعش» في الشمال اعتماداً على الأكراد مع وجود أميركي كبير على الأرض، وفي الجنوب على قوة سورية من العسكريين المنشقّين مع مواكبة أميركية – بريطانية.
ما لم تبلغه اللغة الأميركية بعد أن القضاء على الإرهاب وخروج الأسد يجب أن يكونا متلازمين، فالتركيز على «داعش» والقبول الضمني المستمر بوجود الأسد نقيضان لا يحققان الهدف الذي تحدث عنه ترامب في حضور الأمين العام لحلف الأطلسي (الناتو) حين قال «حان الوقت لإنهاء الحرب الأهلية الوحشية» في سورية. وما لم تحسمه الإدارة الأميركية، لا في استراتيجيتها غير المحدّدة بعد، ولا في تفاهماتها المحتملة مع روسيا، هو أن المضي في الحرب لإنهاء سيطرة «داعش» من دون تقدّم متزامن لحلٍّ سياسي حقيقي سيفضي حتماً الى وضع لمصلحة النظام، وبالأخص لمصلحة إيران، وبالتالي فإن الأسد لن يسهّل أي حلّ، ولن يضطرّ لتقديم التنازلات الضرورية وصولاً اليه. بل إن روسيا لن تضغط عليه ما لم تكن هناك «صفقة» مرضية لها، وعلى افتراض وجود صفقة لا ملامح لها الآن فهل تكون أميركا معنيّةً أيضاً بإرضاء إيران على رغم أنها تريد تحجيم نفوذها، أم تترك الأمر لروسيا التي تعلم أن إيران تستطيع تعطيل أي حلّ من خلال وجودها القوي على الأرض؟ إذا كان التصوّر الأميركي لإنهاء الحرب مبنياً على خروج الأسد فلا بدّ أن يسبقه سحب ميليشيات إيران اذا كان تحجيم نفوذها بين الأولويات الأميركية، فعلاً لا قولاً.
ثمة نقطة اخرى يجب أن توضّح في الخطط الأميركية لمعركتي الرقّة ودير الزور، ولـ «ما بعد «داعش». فالمفهوم أن الأميركيين سيعتمدون على الأكراد، ويُفترض أن يكونوا قد حسموا الإشكالية التي يمثّلها «حزب العمال الكردستاني» الذي لا يضرب داخل تركيا فحسب، بل فرض نفسه أيضاً على خريطة «الحرب على داعش» في العراق، ولديه اختراقات معروفة في سورية. لكن اذا أُريد لمحافظتين عربيتين أن تكونا تحت هيمنة «حزب الاتحاد الديموقراطي» في مرحلة «ما بعد داعش» فمن شأن ذلك أن يؤسس لوضع تصادمي مرشّح للتفجّر، ومن جهة اخرى لم يعد هناك شك في أن الهيمنة الكردية هي امتداد لنظام الأسد، وبديهي أن عودة النظام الى تلك المنطقة بأي شكل ستعني تلقائياً تهجيراً جديداً خصوصاً أن دير الزور شهدت في الفترة الأخيرة موجة نزوح كثيف من الموصل. واستطراداً، اذا وجد النظام أن لديه فرصاً لاستعادة السيطرة على مناطق فقدها سابقاّ فهذا سبب آخر يحفزه، كما فعل دائماً، على عدم التفاوض جدّياً على أي حل سياسي.
في المقابل هناك وضع في إدلب بات ينذر بأخطار جسيمة، فمن جهة تتكدّس أفواج المهجّرين من كل أنحاء سورية، ومن جهة اخرى توجد فيه القوّة الرئيسية المصنّفة متشدّدة أو ارهابية هي «جبهة فتح الشام» («النصرة» سابقاً) المرتبطة بتنظيم «القاعدة» بالإضافة الى فصائل متحالفة أو متعاطفة أو لا خيارات اخرى لديها. وعلى رغم اختلاف ظروف إدلب عن الرقّة، إلا أن ادلب تبدو بالنسبة الى القوى المتدخّلة بؤرة ارهابية ينبغي الانتهاء منها، ومع تكثيف الطيران الروسي قصف المرافق المدنية خصوصاً مقار القبعات البيضاء في خان شيخون يبدو أن روسيا باتت متحمسة الآن لهذه المعركة التي يطالب بها النظام وإيران باعتبارها استكمالاً لمعركة حلب. فهل ستتعايش الإدارة الأميركية بسياستها «الجديدة» مع تدمير إدلب كما تعايشت الإدارة السابقة مع تدمير حلب، فقط لأنها خارج نطاق العمليات الأميركية؟ وهل تكون المساعي الجارية لتوحيد الفصائل أكثر صرامة من سابقاتها فتتخذ موقفاً جذرياً واضحاً من الجماعات «القاعدية» وتجنّب إدلب مثل هذا المصير؟
من هنا إن الضربة الأميركية لمطار الشعيرات، بمختلف رسائلها، لا تكفي دليلاً الى وجود سياسة جديدة. وإذا عاد التنسيق الأميركي – الروسي بالنسبة الى مفاوضات جنيف فسيكتشف ترامب وفريقه ما يعرفونه مسبقاً، وهو أنهم ازاء «شريك» روسي لم يفعل شيئاً طوال الأعوام الماضية سوى تسويق الأسد ونظامه والحرص على عدم إثارة شكوك الإيرانيين، وأن «عملية جنيف» وضّبها ستافان دي ميستورا وفقاً لرغبات موسكو وطهران بحيث تؤدّي الى الصيغة التي تريدانها. أما ادارة ترامب فلا تبدو بعد معنيةً بالمعارضة وقضيتها ولا بالتفاصيل، وقد لا يكون لديها أي جديد لتفعيل المفاوضات.

* كاتب وصحافي لبناني

http://www.alhayat.com/Opinion/Abdulwahaab-badrakhan/21397174/خروج-ميليشيات-إيران-شرط-لازم-لخروج-الأسد

إيران و «حشدها» في الفلّوجة: نموذج لإعادة إنتاج الإرهاب


عبد الوهاب بدرخان

الحياة-٣٠ حزيران ٢٠١٦

20120707-Syrie-liberté-justice-démo

Cibles des forces économiques mondiales

القوات العراقية تدخل الفلّوجة، تطرد تنظيم «داعش» من حيّ تلو آخر. حيدر العبادي يقول: اخرجوا واحتفلوا… نعم، كان يجب أن يستحقّ الأمر احتفالاً بخسارة الإرهابيين واحداً آخر من معاقلهم، لولا عشرات السقطات والانتهاكات التي رافقت المعركة طارحةً عشرات الأسئلة لعل أبسطها/ أخطرها: «داعش» هُزم لكن مَن انتصر، إيران أم العراق، أهو الجيش العراقي أم ميليشيات «الحشد الشعبي»، أهو عراق قاسم سليماني أم عراق العبادي، وهل من تمايز حقيقي بينهما؟ وإذا سئل العبادي فإنه لن يستطيع أن يشرح بشفافية أين موقع الجيش الحكومي على الخريطة، وما الفارق بين هذا الجيش والميليشيات، ومَن هم الذين يدعوهم إلى الاحتفال: أهم العراقيون جميعاً سنّة وشيعة كما يُفتَرض، أم الشيعة وحدهم كما يُظهر المزاج الدعائي العام؟
في السياق نفسه، عُهدت إلى «قوات سورية الديموقراطية» مهمة اقتلاع «داعش» من شمال شرقي سورية. وكلما تقدّمت هذه القوات لتدخل منبج وتضرب الخط الأمامي الذي أقامه التنظيم دفاعاً عن الرقّة، كلما سهل القول إن أكراد «حزب الاتحاد الديموقراطي» هم الذين يخوضون المعارك، وهؤلاء يجدون أن قتالهم من أجل أراضٍ يجعلها من «حقّهم» ويوسّع إقليمهم، وبالتالي فإن من شأنهم تكريد أسماء المناطق «المحرّرة» – كما لو أنها مقفرة وغير مأهولة منذ زمن – وضمّها إلى «فيديراليتهم»/ إقليمهم، في ظلّ انتفاء جهة ذات شرعية مخوّلة تسلّمها منهم. عدا أن هذا النهج يكرّر مسلك العصابات الإسرائيلية في فلسطين حتى في تفاصيله، فإنه يجعل «تحرير الرقّة» أقرب إلى عقلية «داعش» حين اعتقد أنه يستعيد عصر الفتوحات الإسلامية.
الخلاص من «داعش» وحرمانه من مناطق سيطرة يتحكّم بأهلها ومواردها وتراثها ومستقبلها، وبالتالي القضاء عليه… تلك أهداف لا ينقضها أي عاقل، ولا تحتمل الجدل أو أنصاف الحلول. لكن هل هي فعلاً أهداف الولايات المتحدة وروسيا وإيران، وهل لديها مصلحة في تحقيقها، وطالما أنها منخرطة في هذه المعمعة فهل تعمل حالياً على إنهاء هذه الحال الإرهابية إلى غير رجعة؟ لا الدرس الأفغاني أفاد الروس ثم الأميركيين بعدهم، ولا الدرس العراقي علّم الأميركيين شيئاً آخر غير كذبة «التدخّل بعدم التدخّل» إلى حد تعمّد العمى، تجنّباً لرؤية الدور الإيراني، ليس فقط بالتدخّل الذي أصبح الآن بالغ الفجور والعلنية، بل خصوصاً في تصنيع تلك الحال الإرهابية التي يدّعي المتدخلون أنهم إنما جاؤوا لتخليص العالم من شرورها.
لكنهم يعتمدون جميعاً على ميليشيات لا فارق بين تعصّباتها ولا بين ارتباطاتها أو أجنداتها. ردّد الروس والأميركيون دائماً أن أساس «تفاهماتهم» الحفاظ على الدولة والمؤسسات في سورية، لكنهم عجزوا عن أي «تفاهم» في الوقت المناسب، أي عندما كان ذلك ممكناً قبل أربعة أو حتى ثلاثة أعوام. والأخطر أن الروس والأميركيين تغاضوا عن النظام السوري وحلفائه الإيرانيين حين راحوا يجهّزون البيئة لاجتذاب الإرهابيين، بل كانوا يحذّرون جميعاً من تفشّي الإرهاب، لكنهم فعلوا كل ما يلزم لتسهيل استشرائه. كانت الطرق أمام الدواعش تُفتح تحت كل الأنظار، وتسهيلات دخولهم الرقّة ومركزها الحكومي تتم بعلم الجميع، والتنسيق بين «داعش» وأكراد «الاتحاد الديموقراطي» أو حل خلافاتهم ووقف اشتباكاتهم تتولاها أجهزة نظامي دمشق وطهران وبعلم من استخباريي موسكو وواشنطن… كل ذلك معروف على رغم استمرار التعتيم الإعلامي عليه، فمَن يصدّق أن هذه الأطراف باتت تريد محاربة الإرهاب ما دامت مسؤوليتها عن وقوع المحظور ثابتة ومؤكّدة؟
كان يمكن للأداء أن يكون أفضل في العراق، مع كل التحفّظ ومن دون أوهام، فللمرء أن يتساذج فيقول إن هناك حكومة، لئلا نقول دولة وأن هناك جيشاً، وأن الاميركيين أسياد الجو في العراق (كما هم الروس في سورية) أعلنوا مراراً أنهم لا ينسّقون مع الإيرانيين ولا يدعمون معارك تخوضها أو تشارك فيها ميليشيات منفلتة، خصوصاً أن سوابق ديالى وتكريت برهنت أن عصابات الطائفيين الموتورين متشبّعة بعقيدة لا تختلف عن تلك «الداعشية» إلا في بعض التفاصيل. غير أن الوقائع بيّنت أن «عدم التنسيق» عنى أن يقوم الأميركيون بما يناسبهم، كذلك الإيرانيون وميليشياتهم، حتى لو أدّى ذلك إلى تشويه الأهداف المتوخاة من عملية «التحرير». وفي حال الفلّوجة كان ينبغي التحوّط لـ «الثأرية» التي ضاعفت هوس زعماء الميليشيات وجاءت بقاسم سليماني وتوصيات المرشد، فهؤلاء يعتقدون أنهم أجادوا إدارة الدولة في العراق وأن هذه المدينة هي التي أفشلت تجربتهم، ولذلك أرادوا الانتقام من سكانها.
لكن، أي رسائل بُعثت وتُبعث من خلال عمليات «التحرير»، وهل تختلف إذا كان «داعش» مرسلها أو أي طرف آخر؟ أولى الرسائل أن مصير المدن هو الدمار، والثانية أن مآل أهلها المهانة، وثالثتها أن مَن يحرّرها ويحرّرهم هم الذين تسبّبوا أصلاً بوجود «داعش» واستفادوا من دخوله في الذهاب ويستفيدون من إخراجه في الإياب. ولا شك في أن نموذج «تحرير» الفلوجة كان صارخ الشذوذات واللاانسانية. أكثر من ثمانين في المئة من أهلها خرجوا بعد سيطرة «داعش» عليها، وشارف من بقوا فيها على المجاعة منذ شهور طويلة، ومع اندلاع المعركة لم يتوقّع أحد أن يُستقبل الهاربون منها بالترحيب والحفاوة الأخويين، لكن ما لم يبدُ مفهوماً بأيّ معيار أخلاقي أن تمتنع الحكومة ومنظمات الأمم المتحدة عن توفير أبسط الإغاثات المتوقّعة وأن تمنع الميليشيات هيئات عراقية محلّية من تقديم أي مساعدة. تُرك المسنّون والنساء والأطفال أياماً في العراء من دون غذاء أو ماء أو دواء أو اسعافات. أما الرجال فاقتيدوا إلى معسكرات اعتقال ليصبح مئات منهم في عداد «المفقودين» ويُعرَّض مئات آخرون للتعذيب والسحل والتنكيل ويُجبَروا على ترديد شعارات «شيعية» من قبيل تحقيرهم، وأن يتعمّد جلادوهم/ «مواطنوهم» المفترضون تصوير كل ذلك وتعميمه… فهذه هي الرسالة التي أرادها الإيرانيون أن تصل أبعد من الفلوجة وأهلها، ومن خلالها يقولون مع نوري المالكي وهادي العامري وقيس الخزعلي وأوس الخزاعي وغيرهم من أتباع إيران ومجرميها أن لا عيش ولا تعايش مع سنّة العراق بعد اليوم. «داعش» لم يكن سوى الوسيلة والذريعة.
يُقال الكثير الآن عن أن تحرير الموصل، وربما منبج والرقّة، سيكون «نموذجاً» في مراعاة المدنيين، فهل سيُعتمد على الذين ظهروا بزيّ عسكري وهم ينكّلون بالفلوجيين أم على الأكراد الذين نظّموا عراضة الجثث في عفرين السورية. لم يبالغ بعض المحللين إذ تحدّث عن محنة السكان بين جحيم «داعش» وجحيم محرِّريهم منه. فهذا «تحرير» يتحوّل في مجرياته مصنعاً لإعادة إنتاج الإرهاب، فلا الحملة الجويّة بدت مجدية في المدى المنظور ولا الحملة البرّية تبدو أكثر فاعلية في المدى البعيد. قد يساهم كلاهما في ضرب «داعش» وإخراجه من المدن، لكن ما يرافقهما من ممارسات يأتي بنتائج عكسية، ويكفي التفكير في اتجاهات ثلاثة لتقدير الموقف: أولاً بالجيل الذي ينطبع وعيه بالمهانة التي يتعرّض لها مع أهله وبـ «لعبة العنف» الوحيدة المتاحة أمامه. وثانياً بالصراعات المذهبية (سنّة – شيعة) أو القومية (عرب – كرد) التي باتت محاربة الإرهاب منفذها لتحديد المنتصر والمهزوم بغضّ النظر عن مدى إرهابية هذا الطرف ووحشية ذاك. وثالثاً بالنتائج السياسية الآخذة في الارتسام، وفقاً لأجندات القوى الدولية وأهوائها، سواء بالظروف التي يوفّرها الأميركيون والروس لإيران كي تقطف ثمار سياساتها العدوانية والتخريبية في العالم العربي وحتى بمكافأتها بمحاربة إرهاب صنعته ورعته، أو بالتغييرات الجغرافية التي يستعدون لبنائها على إحباطات تاريخية عربية إضافية لمعالجة إجحاف تاريخي عومل به الأكراد قبل مئة عام وجعلهم اليوم أول المطالبين بتقسيم العراق وسورية.

Les bourreaux du peuple syrien


*

20160505-Les-bourreaux-du-peuple-syrien

*

 

الحقيقة العارية الأخرى هي أن الأسد وخامنئي وبوتين واوباما لا يبحثون حقّاً عن حل تفاوضي أو عملية سياسية. إنهم يديرون الأزمة لإنهاك المعارضة وتبدو واشنطن كأنها كُلّفت استدراجها الى الاستسلام. وأي استئناف للمفاوضات بالضغط أو من دونه سيطلق عليه النظام وايران النار، لأنهما ضد الحل المقترح حتى بصيغه المخففة، فالمحبّذ عندهما ولا تمانعه روسيا هو أن يبقى الأسد كما كان وكأن شيئاً لم يكن. ثمة استنتاجان أبرزتهما جريمة حلب: الأول، أن درجة الوحشية أعادت تثبيت استحالة التعايش بين المكوّنات وجدّدت اندفاع النظام وايران نحو التقسيم. والثاني أن الحرب ستطول بعد، خلافاً للانطباعات التي تشيعها التفاهمات الاميركية – الروسية، الى حدّ أن السوريين باتوا يشيرون الى أن الصراع ستحسمه «الموجة الثانية من الثورة»!… أبناء القتلى والمصابين والمفقودين والمعتقلين الذين خسروا خلال خمسة أعوام كل ما لديهم، الأهل والبيت والمكان، الطفولة والصبا والحاضر والمستقبل. لم يعد لديهم ما يخسرونه، وإذا كان العالم كلّه تضافر لظلمهم فإنهم سيطالبون بدم آبائهم وإخوتهم ولن يكترثوا لاحقاً إذا وُصفوا بـ «الإرهابيين» أو بـ «الداعشيين» أو بـ «ما بعد» هؤلاء وأولئك٠

http://www.alhayat.com/Opinion/Abdulwahaab-badrakhan/15432174/سيحرقون-حلب-ثانيةً-ولن-يرضَوْا-إلا-بحلٍّ-عسكري


Révolution-continue

Révolution-continue

كيف تنجح أي مفاوضات مع طرح «التقسيم» وعداً أو وعيداً؟

في سورية كما في العراق، كما في ليبيا واليمن، كان الديكتاتوريون بوجهين، واحدٌ مزيّف يظهرهم رموزاً لوحدة البلد والشعب ولو بالقمع والبطش وسفك الدماء، وآخر حقيقي أظهر بعد سقوطهم (بمن فيهم بشار الاسد) أنهم كانوا يحكمون بانقسامات قديمة حافظوا عليها وبأخرى افتعلوها واحتضنوها وقد فعلت فعلها في شرذمة الشعوب وتقاتلها طوائفَ ومذاهبَ واثنياتٍ وأعراقاً ومناطقً وهوياتٍ. كان للديكتاتوريين رعاة وسماسرة وزبائن، من دول عظمى أو أقل عظمة، دعموهم وصنعوا أيام عزّهم وقدّموا أنفسهم ضامنين للأمن والاستقرار، ثم انقلبوا عليهم يوم اهتزّت أنظمتهم ليتبين أنهم لا يضمنون أمناً ولا استقراراً بل انهم لم يعرفوا عن هذه البلدان والشعوب سوى أنها كانت ويريدونها أن تستمرّ أدواتٍ وملاعبَ لسياساتهم، ولا سبيل الى ذلك إلا بتقسيم البلدان لتوزّع النفوذ والمصالح فيها بين القوى الخارجية. فالحروب الأهلية تسببت بتشظّيات سياسية واجتماعية لا يستوعبها قطب دولي واحد أو اثنان، ما استوجب نمطاً من التفدرل بين هذه القوى لتقسيم المقسَّم وتقاسمه٠

اذا سألتَ عن العراق يقول المجيبون أن ايران و «داعش» و «الحشد الشعبي» أسباب موجبة للتقسيم. قد لا يختلف الأمر بالنسبة الى اليمن بسبب ايران والحوثيين، اذا طُرح التقسيم. وفي ليبيا ازداد وسواس الأقاليم الثلاثة حضوراً مع وجود ثلاث حكومات وصعوبة الحل السياسي على رغم تصاعد الخطر «الداعشي» وتنامي ظروف التدخّل الدولي. أما في سورية فيتوعّد «الراعيان» الاميركي والروسي ويتظاهران بالضغط والرهان على مفاوضات تبقى الآمال في نجاحها ضئيلة جداً. وكيف تنجح بعدما تبرّع «الراعيان» بالإشارة الى نتيجتها (تقسيم أو فيديرالية)، قبل أن تدخل فعلاً صلب الموضوع. صحيح أن فكرة التقسيم، وما شابه ذلك، كانت دائماً في خلفية المشهد، منذ ترويج نظام حافظ الأسد فضائل حكم الأقلية للغالبية و «تثقيف» طائفته على مبدأ «نَحكُم ولا نُحكَم»، وخصوصاً منذ تشجيعه الوحشية الأمنية والمعاملة الرعاعية لأبناء الشعب، وهي سلوكيات زادت همجية خلال عهد الأسد الابن… إلا أن سيناريوات التقسيم ومعادلاته وخرائطه اصطدمت دائماً بواقع جغرافي – اجتماعي غير مواتٍ، ولم يبقَ لبوتين وأوباما سوى الإقرار بأن مجازر الأسد والايرانيين، بعد مجازر صدّام ومَن خلفوه، وبعد مجازر الإسرائيليين، هي التي مهّدت لـ «عهد الدويلات» في الشرق الأوسط الجديد٠

http://www.alhayat.com/Opinion/Abdulwahaab-badrakhan/14501274/كيف-تنجح-أي-مفاوضات-مع-طرح-«التقسيم»-وعداً-أو-وعيداً؟

أميركا إذ تسـلَّم سورية للروس والإيرانيين


Assassins-du-peuple-syrien

Assassins du peuple syrien

الخميس، ١٨ فبراير/ شباط ٢٠١٦

جاء يوم، خلال الأسبوع الماضي، كان الوضع الميداني في مناطق ريف حلب الشمالي كالآتي: الطائرات الروسية تقصف مواقع المعارضة على مدار الساعة، متجنِّبة مواقع مجاورة لتنظيم «داعش»، فيما كان هذا الأخير يهاجم أيضاً المعارضة بالتزامن مع هجمات من قوات «وحدات حماية الشعب» الكردية ترفدها أعداد من مقاتلي ما تسمّى «قوات سورية الديموقراطية»، ومن جانب آخر كانت بعثة رمزية تابعة للنظام تواكب ضباطاً وجنوداً من «الحرس الثوري» الإيراني ومقاتلين من ميليشيا «حزب الله» اللبناني وميليشيات عراقية وأفغانية في هجوم ضخم ضد فصائل المعارضة٠٠٠

سبعة أطراف، بما فيها روسيا و «داعش»، تلتقي ضد هدف واحد: تصفية المعارضة وإنهاء ثورتها على نظام بشار الأسد. ولا يحرّكها التقاء المصالح فحسب، بل ارتباطها جميعاً بمحرّك أرضي واحد: إيران. لكن ما جعل هجماتها وتقدّمها ممكنين، هو عنصر حاسم واحد: طائرات روسيا. وقد تمتّعت هذه الطائرات وتلك الهجمات بغطاء ديبلوماسي قوامه القبول الأميركي بـ «سحق» المعارضة عسكرياً كي يمكن سحقها سياسياً. فباراك أوباما، مثل فلاديمير بوتين، لم يقتنع يوماً بأن هناك شعباً ثار للتخلّص من الظلم والاستبداد، بل انشغلا معاً في إدارة الصراع واستكشاف إمكانات استغلاله، أوباما لتسهيل التوصل الى اتفاق نووي وقد حصل عليه، وبوتين للبحث عن مساومة يخرج منها رابحاً في… أوكرانيا ولم يحصل عليها بعد٠

وفي هذه المساومة يعرض بوتين رأس الأسد لكنه يطالب بثمنه، مدفوعاً مسبقاً. «ثمن الأسد» ليس في سورية بل خارجها، ووفقاً لمسؤول أوروبي بارز فإن لبوتين أربعة مطالب: الاعتراف بضمّ شبه جزيرة القرم الى روسيا، تسوية غربية – روسية لتقاسم أوكرانيا، اتفاق حصري على تزوّد أوروبا بالغاز الروسي، ورفع العقوبات الأميركية والأوروبية. ويمكن إضافة مطلب خامس يتعلّق باستجابة شروط روسيا على مشروع «الناتو» نشر درع صاروخية في أوروبا… لم تستجب أميركا وأوروبا لمطالب بوتين، ولو كانت الحرب متاحة في أوروبا لكان سارع إليها بلا تردد، بالنظر الى أهمية أوكرانيا استراتيجياً لروسيا٠

قبل أن تصبح العقوبات أكثر إيلاماً، رأى بوتين الالتفاف على مأزقه بالذهاب الى حرب في سورية واستخدامها للضغط والتصعيد استدراجاً للمساومة. لكنه لمس أن ليس لدى الغربيين في سورية ما يقايضون به في أوكرانيا، حتى أنهم وافقوا على بقاء الأسد، بل لم يهتموا لتهديده بالإجهاز على المعارضة. قال للروس أنه ذاهب الى ضربة استباقية لإرهاب «داعش» قبل استفحاله ووصوله الى موسكو، لكنه استهدف المعارضة، ثم راح يستفز تركيا ليتحرّش بـ «الناتو»، ارتكب جرائم تطهير عرقي، ضاعف أعداد اللاجئين لإقلاق الأوروبيين، نسف مفاوضات جنيف ومزّق القرار 2254، مؤكّداً توجّهه الى حل عسكري، ثم أرسل وزيره الى ميونيخ حاملاً عرضاً لـ «وقف إطلاق النار» علَّه يسمع من نظيره الأميركي ولو تلميحاً بصفقة ما في شأن أوكرانيا والعقوبات. وبعد تفاوض ماراتوني، ظهر جون كيري وسيرغي لافروف ليلاً ليقولا أن لديهما «اتفاقاً»، وليعاودا الظهور نهاراً فيقولا أنه «اتفاق» غير قابل للتطبيق٠

على رغم هول المأساة الإنسانية، والقتل العلني المباشر والدمار غير المسبوق، ليست هناك اليوم أي مرجعية دولية يمكن أن تُستحثّ للنظر في جرائم الاحتلال الروسي لسورية. أصبح بوتين شريك الأسد في جرائمه بل تجاوزه. وكما سكتت واشنطن على جرائم النظام وإيران، فإنها لا تضيق الآن بارتكابات روسيا. هكذا كان منطق/ لا منطق النظام الدولي دائماً، ولطالما اعتبرت روسيا خلال الأعوام الخمسة الماضية أنها في صدد «إصلاح» هذا النظام، وأسهبت في انتقاد السياسات الأميركية وتجريمها، إلا أنها في تجربتها السورية بدأت من أسفل المستنقع الأميركي٠

هذه مرحلة تفجّر التناقضات والمصالح والأكاذيب في أكثر لحظات المحنة السورية خطورةً، فالأوراق والأدوار اختلطت الى حدّ تساوي نظامين مارقين في سورية وإيران مع دولتين كبريين في دفع الأزمة الى الفوضى والانسداد… بل الى أجواء «حرب عالمية» أو «حرب باردة جديدة». وإذ تبقى المسؤولية أولاً على عاتق واشنطن وموسكو، فإن الوضع السوري بات صادماً في إظهار تواطؤهما أو «تفاهمهما» على الأهداف، ثم في توظيف هذا التواطؤ لمصلحة نظامَي الأسد والملالي، لتكون المحصلة استعداداً لتفكيك سورية ولقتل شعبها وتبديد قضيته. هذه ليست مجرد لعبة مصالح، بل هي جريمة العصر بتوقيع دولتين عُظميين لم تتعلّما شيئاً من تبعات أخطائهما في أفغانستان، ولا من دروس العراق وليبيا والصومال. والمؤكّد أن الأخطاء التي ترتكبانها، في ما تسمّيانه بحثاً عن نهاية للصراع في سورية، تمهّد لتصدير الصراع الى مجمل الإقليم، في انقياد أعمى وراء «التحالف الشيطاني» بين الشحن المذهبي الإيراني والإرهاب «الداعشي»٠

لم يعد سرّاً أن الأميركيين سلّموا بفكرة استبقاء بشار الأسد، تأسيساً على أن تدخّل الروس جاء لحسم الموقف الميداني لمصلحته، والحجة المعلنة من الجانبين هي الحفاظ على الدولة ومؤسسات الجيش والأمن. لكن هذه كانت الكذبة التي استند إليها الروس والأسد والإيرانيون، وقد غذّتها أميركا ولمّعتها لتعترف في نهاية المطاف، وبسذاجة مصطنعة، بأن الخيار ضاق جداً: فإمّا الأسد وإمّا «أبو بكر البغدادي». لم تسأل مَن صنع «البغدادي» لأنها تعرف، ولا مصلحة لها في كشف الحقيقة. كانت تقول وتكرّر أن الاسد هو الإرهابي الأول، ثم تبنّت النتيجة التي قالها الأسد وكرّرها: هذا شعب من الإرهابيين. وهكذا سلّمت أميركا أيضاً بضرب المعارضة، معتدلة أو غير معتدلة، مدنية أو مقاتلة، على أيدي الروس أو سواهم. غضّت النظر عن وجود إيرانيين وعراقيين ولبنانيين وأفغان وباكستانيين، ولم تستسغ وجود مقاتلين سوريين على أرضهم في «جيش الإسلام» أو «أحرار الشام». اتّضح الآن أن أوباما وإدارته وجنرالاته لم ينزعجوا من جرائم الأسد وشبّيحته، ولا من مجازره وبراميله واستخدامه السلاح الكيماوي، ولا من اقتلاع السكان وإفراغ المدن والبلدات، ولا من تدخلات إيران وميليشياتها… بل كان شعب سورية مصدر الإزعاج الوحيد لهم٠

عملياً، كانت واشنطن حسمت أمرها بتسليم سورية الى نظامَي روسيا وإيران، المشابهَين لنظام الأسد، وتوقّعت من حلفائها، لا سيما السعودية وتركيا، أن يستسلموا لهذا الواقع، وأن يتفرّجوا على الأسد والإيرانيين وهم يحاربون «داعش» بعدما صنعوه واستخدموه الى أن انتهت صلاحيته، بل توقّعت أن يقبل حلفاؤها بإخراجهم من المعادلة السورية. لم تلتفت أميركا الى التداعيات السيئة لخيارها، لم تعِ أنها تساعد إيران على تصدير الاضطراب الى عموم المنطقة. فسلوكها في ما سمّته حرباً على الإرهاب، أو على «داعش»، يُظهر أنها كانت تقيّد حلفاءها الإقليميين وتضلّلهم، الى أن ينجح الروس في إيصال قوات النظام والميليشيات الإيرانية لمؤازرة أكراد «وحدات الحماية» ومقاتلي «قوات سورية الديموقراطية» في دخول الرقّة. وعلى رغم استعداد السعودية والإمارات وتركيا لإرسال قوات برّية لمقاتلة «داعش»، واصلت واشنطن التلكؤ في دعم هذه المبادرة، فهي لا تمانع في سورية ما تستبعده في العراق، حيث رفضت دخول ميليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية الى مناطق السنّة٠

يخفي صمت واشنطن فيما التوتر الإقليمي يتصاعد على نحو خطير، أن التواطؤ مع روسيا وإيران بلغ حدّاً من التهوّر يتخطّى تجاهل مصالح السعودية وتركيا الى التآمر الفجّ على هذين الحليفين ودورَيهما. أكثر من ذلك، هناك مبالغة فادحة في السعي الى إلغاء الشعب السوري، خصوصاً بعد انكشاف أن القوة البرّية (الأكراد والملتحقين بهم) التي سلّحتها واشنطن وعوّلت عليها ضد «داعش» إنما هي نقطة التقاء الأميركيين والروس والأسد والإيرانيين. فاللافت في أحداث الأيام الأخيرة، أن هذه القوّة تركت الجبهة مع «داعش» لتدعم الهجوم الروسي – الأسدي – الإيراني على فصائل المعارضة٠

* كاتب وصحافي لبناني

http://www.alhayat.com/Opinion/Abdulwahaab-badrakhan/14023076/أميركا-إذ-تسـلَّم-سورية-للروس-والإيرانيين

اقتراح إيران لـ «الحوار» مع الخليج مشروع لمأسسة نفوذها


Non-à-l'ingérence-iranienne-dans-les-pays-arabes

Non-à-l’ingérence-iranienne-dans-les-pays-arabes

(…)

لكن ظريف بدا كأنه «وزير خارجية السويد»، كما وصفه البعض، فانطلق من الاتفاق النووي ليقول إنه أنهى التوتر و «حان الوقت للتفرغ الى أعمال أهمّ» بحثاً عن «آليات» تساعد بلدان المنطقة على «اجتثاث جذور التوتر وعوامل غياب الثقة فيها». أي أن طهران أصبحت متعجّلة لبلوغ الوضع الطبيعي (تعاون اقتصادي مع العرب، بالأحرى الخليجيين، وشراكة ضد التطرّف والإرهاب)، وبالتالي للقفز الى «أعمال أهمّ»، فيما تواصل أنشطتها السوداء في خمسة بلدان عربية على الأقل. وفي هذا التعجّل دعوة «أخلاقية» إلى الجار، لكن في دوافع «لاأخلاقية» أيضاً تحضّ في أسوأ الأحوال على تجاوز الحاصل في سورية والعراق ولبنان وفلسطين لقاء مصالح اقتصادية مرتقبة، أو تطرح في أفضل الأحوال تقاسماً للنفوذ في البلدان المنكوبة بهيمنة إيران والميليشيات التابعة لها٠

لا شك في أن أهم ما تسعى إيران الى تجاوزه هو أعمال التخريب العميق التي ساهمت فيها على نحو مباشر أو غير مباشر، وكان أخطرها ولا يزال إحلال ميليشياتها محل الجيوش الوطنية، وقد ظهر ذلك في استتباع جيوش العراق وسورية واليمن تلك الميليشيات كما في استضعاف «حزب الله» للجيش اللبناني. وكان أتباع إيران العراقيون هم الذين أصرّوا غداة الغزو الأميركي على ضرورة حل الدولة وإلغاء الجيش ليتمكّنوا من إقامة «نظامهم الديموقراطي» الجديد، وقد وجدوا في واشنطن من استحسن الفكرة واشتراها وضغط لتنفيذها. وفي الحالات الأربع هذه ضعفت الدولة أو عطّلت بذرائع شتّى ورُبطت إراداتها وقراراتها بمشيئة طهران وممثليها، بل إن أزمات هذه الدول وضعتها في مهب التسويات الإقليمية والدولية حتى أصبح تفككها أو تقسيمها الثمن المحتل والمرجّح لوقف الاقتتال بين أبنائها٠

بديهي أن جيران إيران مهتمون بإخماد التوتر وبالمصالح التي بدأت تلوح في المنطقة بعد الاتفاق النووي، لكن يصعب الاعتقاد بأنهم معنيّون بتقاسم النفوذ مع إيران أو بتجاوز كل ما فعلته كأنه لم يكن، أو حتى بتجاوز ٠٠٠

(…)

http://alhayat.com/Opinion/Abdulwahaab-badrakhan/10544320/اقتراح-إيران-لـ-«الحوار»-مع-الخليج-مشروع-لمأسسة-نفوذها

%d bloggers like this: