The Guardian: l’Occident a laissé l’Irak une terre à conquérir à l’Iran


Khamenaï-Hors-de-Syrie-2

Le journal britannique Guardian s’est attaqué à l’Occident, en particulier aux Etats-Unis et à l’Angleterre, affirmant qu’ils avaient laissé l’Irak une terre à conquérir à l’Iran, qui contrôle désormais les vies en Irak, en particulier après le départ de la plupart des troupes américaines en 2011.

Elle a ajouté que l’Occident manifestait une indifférence vis-à-vis des manifestations en Irak, qui exigent des réformes politiques et luttent contre la corruption et la démocratie, malgré l’assassinat de plus de 250 personnes et des milliers d’autres blessés.

La détermination de l’Iran à soutenir le gouvernement impopulaire irakien ne présage rien de bon pour la démocratie au Moyen-Orient.

Elle a ajouté que, bien que les responsables iraniens aient affirmé ne pas avoir l’ambition de restaurer l’empire persan au Moyen-Orient et que contrairement aux États-Unis, il n’est pas une puissance impériale, cela ne semble pas être le cas pour de nombreux observateurs.

Au Liban, l’Iran entretient des liens financiers et militaires étroits avec le Hezbollah, qui a été au centre des manifestations de rue en colère la semaine dernière.

Il n’est pas facile non plus de croire que l’Iran soit un pays ami travaillant pour aider ses voisins, avec son soutien à l’insurrection houthie au Yémen, où le bilan des morts en quatre ans atteint 100 000 personnes.

Le contrôle des Gardes de la révolution sur les institutions de l’Etat iranien et ses relations étroites avec le guide suprême Ali Khamenei et les principaux dirigeants du brigadier général des gardiens de la révolution Qasem Soleimani, qui dirige la corps Al-Qods, la main exécutante de la garde hors d’Iran.

(…)
La responsabilité de l’Occident
Aux États-Unis et en Grande-Bretagne, nombreux sont ceux qui pensent que la page de l’Irak a été tournée, mais ce n’est pas le cas. Les pays occidentaux qui ont agi cruellement et illégalement d’imposer un changement de régime à l’Irak, et donc de contrôler et de gérer ses affaires, ont la responsabilité constante de contribuer à son intégrité démocratique et sa libération du terrorisme et sa viabilité économique et sociale.

Cette responsabilité concerne principalement le peuple irakien, qui réclame avec force un nouveau départ. Quelque 250 personnes ont été tuées et des milliers d’autres blessées, les manifestants insistant sur la démocratie juste promise en 2003.
Le Guardian a déclaré qu’un tel massacre, s’il se produisait à Hong Kong ou à Barcelone, les cris auraient assourdi les oreilles, et s’est demandé: Où est cette revendication d’un grand intérêt pour l’Irak?

Non-à-lingérence-iranienne-dans-le-monde-arabe

الغارديان: الغرب ترك العراق لقمة سائغة لإيران

متظاهرون في بغداد يغلقون الطرق ويشعلون إطارات السيارات (رويترز)
متظاهرون في بغداد يغلقون الطرق ويشعلون إطارات السيارات (رويترز)

هاجمت صحيفة الغارديان البريطانية الغرب، وتحديدا الولايات المتحدة وبريطانيا، وقالت إنهم تركوا العراق لقمة سائغة لإيران، التي باتت تسيطر بشكل كبير على مفاصل الأمور في العراق، خاصة بعد خروج معظم القوات الأميركية منه عام 2011.

وأضافت أن الغرب أبدى عدم مبالاة للاحتجاجات في العراق، التي تطالب بإصلاحات سياسية ومحاربة الفساد وتحقيق الديمقراطية، رغم مقتل أكثر من 250 شخصا وإصابة آلاف آخرين.

وتقول الصحيفة إن تصميم إيران على دعم حكومة العراق غير الشعبية لا يبشر بالخير للديمقراطية في الشرق الأوسط.

وأضافت أنه رغم تأكيد المسؤولين الإيرانيين أنه ليست لهم مطامع لإعادة الإمبراطورية الفارسية في الشرق الأوسط، وإنها عكس الولايات المتحدة ليست قوة إمبريالية، فإن الأمر لا يبدو كذلك بالنسبة للعديد من المراقبين.

ففي لبنان -حسب الصحيفة- لإيران صلات مالية وعسكرية وثيقة بحزب الله، الذي كان محور الاحتجاجات الغاضبة في الشارع الأسبوع الماضي.

وأضافت الصحيفة أنه ليس من السهل أيضا تصديق كون إيران دولة صديقة تعمل من أجل مساعدة الجيران، مع دعمها حركة التمرد الحوثي في اليمن، حيث بلغ عدد القتلى في أربع سنوات في الحرب مئة ألف شخص.

وأكدت سيطرة الحرس الثوري على مؤسسات الدولة الإيرانية، وعلاقته الوطيدة بالقائد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وأن من أبرز قادة الحرس الثوري اللواء قاسم سليماني الذي يقود فيلق القدس؛ يد الحرس خارج إيران.

سليماني في بغداد
وترى الصحيفة أن ظهور سليماني في بغداد الأسبوع الماضي لم يكن غريبا، بعد أن طالبت مظاهرات حاشدة في بغداد ومدن عراقية أخرى بالإطاحة بالحكومة التي يرأسها عادل عبد المهدي، والتي تعزو الفضل لطهران في وصوله للمنصب.

وكان التفسير الرسمي الإيراني لزيارة سليماني لبغداد، هو أن أمن العراق مهم بالنسبة لإيران، وقال مسؤول إيراني (طلب عدم الكشف عن هويته) “إن سليماني يزور العراق ودولا إقليمية أخرى بانتظام، خاصة عندما يطلب حلفاؤنا المساعدة”.

وقالت الصحيفة إن سليماني في الواقع جاء للتقريع في أعقاب تهديدات زعماء الشيعة الرئيسيين بالتخلي عن عبد المهدي.

وبدا للصحيفة أن سليماني نجح في إصلاح بعض الأمور، مستدلة على ذلك بتراجع طرح استقالة عبد المهدي، وهو ما رأت أنه لا يبشر بالخير، حيث خرجت بعد يومين من تدخله في بغداد أكبر مظاهرة مناهضة للحكومة حتى الآن.

النخبة الحاكمة
وقالت الصحيفة إن المتظاهرين طالبوا هذه المرة بالتخلص بصورة جذرية من النخبة الحاكمة في العراق، بغض النظر عن الولاءات الطائفية والعرقية، وبوضع حد للتأثير الإيراني.

وهذا التحدي الذي تطرحه المظاهرات لم يسبق له مثيل في مرحلة ما بعد سقوط الرئيس الراحل صدام حسين، وأنه لا يطرح مشكلة لطهران فحسب، بل هو مشكلة وجودية لنظام تقاسم السلطة الثلاثي (شيعة وسنة وأكراد) الهش في العراق، الذي تم تأليفه بعد الغزو الأميركي عام 2003، كما ترى الصحيفة.

ويأتي هذا التحدي –حسب الصحيفة- بعد أن فشل قادة العراق في توفير الضروريات الأساسية، مثل المياه النظيفة والكهرباء، وفي وقت يفتقر فيه شباب العراق إلى الفرص والوظائف، وأصبح السياسيون، سواء كانوا من العرب السنة أو الشيعة أو الأكراد ينظر إليهم على نطاق واسع باعتبارهم فاسدين وغير أكفاء.

وعلقت الصحيفة بأن مثل هذه الإخفاقات المستمرة يصعب تبريرها في بلد يمثل ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، ولديه 12% من احتياطي النفط العالمي، وإن كان العراق ما زال في مرحلة التعافي من الاحتلال الأميركي ومحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

مسؤولية الغرب
ومع أن كثيرين في الولايات المتحدة وبريطانيا يرون أن صفحة العراق قد طويت، فإن الأمر ليس كذلك، إذ إن الدول الغربية التي تصرفت بقسوة وبشكل غير قانوني لفرض تغيير النظام على العراق، ومن ثم السيطرة على شؤونه وإدارتها، تتحمل مسؤولية مستمرة للمساعدة في ضمان سلامته الديمقراطية، وتحريره من الإرهاب، وقابليته الاقتصادية والاجتماعية للحياة.

وقالت الصحيفة إن هذه المسؤولية تمتد في المقام الأول إلى الشعب العراقي الذي يطالب بصوت عال ببداية جديدة، حيث قتل نحو 250 شخصا وجرح الآلاف بسبب إصرار المتظاهرين على نيل الديمقراطية العادلة التي وعدوا بها عام 2003.

وعلقت غارديان بأن مثل هذه المذبحة لو حدثت في هونغ كونغ أو برشلونة لأصمت الضجة الآذان، وتساءلت: أين هذا الادعاء بالاهتمام الكبير من العراق؟

المصدر : غارديان

Khamenei accuse des manifestants Irakiens et Libanais et menace


 

Non-à-lingérence-iranienne-dans-le-monde-arabe

Khamenai accuse des manifestants Irakiens et Libanais et menace

Téhéran (Reuters) – Le guide suprême iranien, l’ayatollah Ali Khamenei, a accusé mercredi les Etats-Unis et l’Arabie saoudite d’alimenter les troubles au Liban et en Irak, affirmant que Téhéran était au courant de la situation dans ces pays, car il devait contrecarrer une ingérence étrangère similaire dans son pays.

Il a été transcrit sur son site internet : “Les services de renseignement américains et occidentaux provoquent des troubles, avec le soutien financier de pays réactionnaires de la région”, son intervention devant des diplômés des collèges militaires.

خامنئي يتهم متظاهري العراق ولبنان ويهدد

اتهم الزعيم الأعلى الإيراني أية الله علي خامنئي يوم الأربعاء الولايات المتحدة والسعودية بإذكاء الاضطرابات في لبنان والعراق قائلا إن طهران تدرك الوضع في هاتين الدولتين لأنها اضطرت لإحباط تدخلات أجنبية مشابهة في الداخل.

ونقل عنه موقعه الالكتروني قوله لخريجين من الكليات العسكرية ”أجهزة المخابرات الأمريكية والغربية، تثير الاضطرابات، بدعم مالي من دول رجعية في المنطقة“.

لهذه الأسباب لن يستقر الشرق الأوسط


Vendeurs-d'Armes

فورين أفيرز: لهذه الأسباب لن يستقر الشرق الأوسط

Foreign Affairs – مجلة سياسية

https://midan.aljazeera.net/

 

إنَّ نُذُر الحرب التي تلوح على نحو كبير في منطقة الشرق الأوسط تبدو أنها حرب لا يريدها أحد؛ فقد ندَّد دونالد ترمب خلال حملته الانتخابية بمسألة تورّط الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط، ولم تتغيّر لهجته حول الأمر حتى بعد تولّيه منصبَ الرئاسة. أمّا إيران، من جهتها، فليس لديها مصلحة في اندلاع نزاع واسع النطاق لا تستطيع الانتصار فيه. في حين أنَّ إسرائيل، رغم رضاها عن تنفيذ عمليات محسوبة في العراق ولبنان وسوريا وغزة، تبدو متخوّفة من اندلاع مواجهات أكبر تُعرِّضها لاستقبال الآلاف من الصواريخ. والسعودية بدورها مُصمِّمة على التصدي لإيران لكن دون أنْ تضطر إلى مواجهتها عسكريا. وعلى الرغم من هذه المواقف، يمكن القول إنَّ اندلاع حرب شاملة في الشرق الأوسط ما زال مستوفيا لشروطه أكثر من أي وقت آخر في التاريخ الحديث.   

إنَّ النزاع في أيِّ واحدة من المناطق المذكورة يمكن أنْ يقع لأي سبب من الأسباب، فلو نظرنا في هجوم  14[1]سبتمبر/أيلول على المنشآت النفطيّة السعودية يمكن القول نظريا إنه هجوم نفَّذه الحوثيون، الجماعة اليمنية المتمردة، في سياق حربهم مع المملكة. وربما تكون إيران هي التي قامت بالهجوم ردا على العقوبات الأميركية المرهقة، أو قامت به ميليشيّات شيعيّة في العراق مدعومة من إيران. بناء عليه، لو أرادت واشنطن القيام بعمل عسكري ضد إيران فإنه سيؤدي بدوره إلى انتقام إيران من حلفاء الولايات المتحدة الخليجيين، وقد يتسبّب في هجوم حزب الله ضد إسرائيل أو قيام الميليشيات الشيعية بعمليات[2]ضد موظفي الولايات المتحدة في العراق.وبالقدر نفسه، فإنَّ عمليات إسرائيل ضد حلفاء إيران، في أيِّ مكان في الشرق الأوسط، من شأنه أن يُفجِّر سلسلة ردود على مستوى الإقليم بأكمله. ولهذا السبب فإنّ أيَّ نزاع في أيٍّ من بلدان المنطقة سيمتد أثره على كل المنطقة، الشيء الذي يجعل مسألة احتوائه في نطاق ضيّق عملية عديمة الجدوى.   

الحرب التي يخوضها الحوثيون أصبحت في الآونة الأخيرة ساحة للتنافس الإيراني السعودي، وباتت سببا إضافيا لتعميق التدخل العسكري الأميركي

 

عندما يتعلَّق الأمر بمنطقة الشرق الأوسط فإنَّ تب أونايل، السياسي الديمقراطي الشهير، يرى أنَّ مقاربة الأوضاع في بلدان هذه المنطقة يجب أن تُفهم على عكس المنطق السائد؛ بمعنى أنَّ كل سياسات المنطقة، وبخاصّة السياسة على المستوى المحلي، تُمارس بمنطق السياسات الدولية. في اليمن، نجد أنَّ الحرب التي يخوضها الحوثيون مَثَّلت إلى وقت قريب نزاعا داخليا لم يستأثر باهتمام العالم، على اعتبار أنه نزاع تخوضه جماعة متمردة عادية ضد حكومة ضعيفة في واحدة من أفقر دول المنطقة. إلّا أنَّ هذه الحرب -ذاتها- أصبحت في الآونة الأخيرة ساحة للتنافس الإيراني السعودي، وباتت سببا إضافيا لتعميق التدخل العسكري الأميركي. قمع النظام السوري للانتفاضة الشعبيّة الذي اتسم بوحشية تفوق عمليات القمع التي شهدتها البلاد في وقت سابق، ليس الأول من نوعه لا في المنطقة ولا حتى في تاريخ سوريا الحديث، فقد تحوّل هذا القمع مؤخرا إلى ساحة مواجهة دولية استقطبت عددا من الدول، وأسفرت عن وقوع أكبر عدد من القتلى الروس على يد الولايات المتحدة، كما دفع دولا كتركيا وروسيا وإيران وإسرائيل إلى شفا الحرب. والأمر نفسه بالنسبة للصراع الداخلي في ليبيا[3]، حيث لم يقتصر على مصر وقطر والسعودية وتركيا والإمارات فحسب، وإنما سحب إلى دائرته كلًّا من روسيا والولايات المتحدة.

  

هناك تفسير رئيسي لفهم مثل هذه المخاطر، فقد أصبح الشرق الأوسط المنطقة الأكثر استقطابا في العالم، وللمفارقة، أكثرها تكاملا. فهذه المزاوجة، إلى جانب وجود هياكل دولة هشة تنشط فيها أطراف فاعلة من خارجها، وفي ظلِّ حدوث تحولات عديدة في الوقت نفسه، جعلت الشرق الأوسط أكثر منطقة مضطربة في العالم. وهو يعني أيضا أنه ما دام موقف الولايات المتحدة الإقليمي باقيا على حاله، فإنها لن تتعدى كونها ضربة درون حوثيّة سيئة التوقيت خطيرة الهدف، أو عملية إسرائيلية فعّالة على نحو خاص ضد ميليشيا شيعية، بعيدا عن تورّطها الإقليمي القريب المُكلِّف. في المحصّلة، السؤال الأساسي هنا لا يتعلَّق بضرورة انسحاب الولايات المتحدة من عدمه من المنطقة، وإنما يتعلَّق بالكيفية التي ينبغي أن تنخرط بها، فهل يكون تدخُّلا دبلوماسيا أم عسكريا؟ أو هل يكون من خلال مضاعفة الانقسامات أم عبر التخفيف من حدّتها؟ أو هل يكون من خلال التأييد المطلق لطرف أم من خلال السعي إلى تحقيق قدر من التوازن بين الأطراف؟

تصرَّف على المستوى المحلي وفكِّر على مستوى الإقليم

تَتَكشّف في التاريخ الحديث للشرق الأوسط سلسلة من النزاعات المتعاقبة، فكل نزاع جديد يتبوّأ مكان سلفه، وبعضه يحظى بأهمية مؤقتة على حساب النزاعات الأخرى، لكن المشترك بينها جميعا هو أنَّ كل هذه النزاعات لم يتم حلّها على نحو حقيقي وكامل. في الوقت الراهن، يظهر من النزاعات الثلاثة الرئيسية في الشرق الأوسط التي تجري بين إسرائيل وخصومها، وبين إيران والسعودية، وبين الكُتل السنيّة المتنافسة، أنها تتشابك بصورة خطرة تُنذر بالانفجار.

الصراع بين إيران و السعودية ليس مذهبيا، بل هو صراع مدفوع بسياسات القوة والمنافسة على النفوذ الإقليمي

   

فخصوم إسرائيل -فيما يُعرف بمحور المقاومة- يتمثّلون حاليا في إيران وحزب الله وحماس وسوريا. والمعارك تُدور في الميادين التقليدية للحرب في الضفة الغربية وغزة، وفي سوريا حيث تشنُّ إسرائيل غارات روتينية تستهدف القوات الإيرانية والقوات الموالية لها. إلى جانب ذلك، هناك معارك في الفضاء الإلكتروني ومعارك في لبنان، حيث تُواجه إسرائيل قوات حزب الله المسلّحة تسليحا ثقيلا والمدعومة من إيران. وحتى في العراق تُواصل إسرائيل ملاحقة خصومها هناك، بل قيل إنها بدأت باستهداف القوات الموالية لإيران. إنَّ غياب السواد الأعظم من الدول العربية من خطوط المواجهة جعل من هذه المعارك أقل بروزا في المشهد وإن كانت ليست الأقل خطورة.  

وقد جرى تهميش الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في هذه الدول العربية بسبب انشغالها بمعاركها الأخرى؛ فالسعودية تُعطي الأولوية لمسألة ندّيّتها مع إيران، الطرف الآخر من الصراع الشيعي-السني الذي يستغلِّه البلدان، ويُحشد له الأتباع في ميدان المنافسة القائمة بينهما. وفي الحقيقة فإنَّ الصراع بين البلدين ليس مذهبيا، بل هو صراع مدفوع بسياسات القوة والمنافسة على النفوذ الإقليمي الذي ظلّت تتكشّف فصوله في العراق وليبيا وسوريا واليمن ودول الخليج.  

وهناك أخيرا الصراع السنِّي-السنِّي، الذي تتبارى فيه كلٌّ من مصر والسعودية والإمارات مع قطر وتركيا. وكما أوضحنا -شخصي وحسين آغا- في مقال نُشر في صحيفة النيويوركا،[4] في شهر مارس/آذار، أن هذا الصراع يُعَدُّ أخطر انقسام تشهده المنطقة، فهو صراع يجري فيه الرهان على من يفرض سيادته على العالم السني، ويُحدِّد دور الإسلام السياسي في المنطقة. وسواء تعلّق الأمر بالمنافسة في مصر وليبيا وسوريا وتونس أو ببلدان بعيدة مثل السودان، فمن شأن هذا الصراع أنْ يُحدِّد مستقبل المنطقة بشكل كبير.

تفتقر المنطقة -إضافة إلى قضية الاستقطاب- إلى سُبُل تواصل فعّالة بين الخصوم، وهو الأمر الذي بات يُعقِّد الأوضاع أكثر. فلا وجود لقنوات تواصل بين إيران وإسرائيل، وتنعدم قنوات التواصل الرسمي بين إيران والسعودية، وحتى جهود التواصل القائمة بين الكُتل السنية المتصارعة لا تعدو أن تكون مجرد تباهٍ خطابي أكثر منها تواصلا دبلوماسيا حقيقيا.

إلى جانب هذه الانقسامات، التي تتفاعل فيما بينها بصورة مُعقَّدة، تنزع المجموعات في بعض الأحيان إلى توحيد جهودها حول القضايا وفي أوقات أخرى تلجأ للمنافسة. على سبيل المثال، عندما تعلق الأمر بقضية الإطاحة بالرئيس السوري، بشّار الأسد، اتخذت السعودية والإمارات موقف قطر وتركيا نفسه من قضية دعم الثوار السوريين، في حين أنَّ كل طرف منهما دعم مجموعات مختلفة تُبيِّن اختلاف توجّهاته من الدور المنوط بالإسلاميين في الثورة. ولهذا السبب اتخذت هذه الدول نفسها مواقف متعارضة حيال المسألة المصرية، فدفعت قطر وتركيا بقوة في اتجاه دعم حكومة يقودها الإخوان المسلمون، في الوقت الذي كانت الرياض وأبوظبي تحاولان فيه الإطاحة بها (سقطت الحكومة في 2013، ليحلّ محلها الحكم الاستبدادي لعبد الفتاح السيسي). إنَّ قطر وتركيا تهابان إيران بالطبع ولكنهما تهابان السعودية أكثر. والشيء نفسه بالنسبة إلى حماس، فهي تقف مع سوريا ضد إسرائيل، لكنها مع ذلك ساندت المعارضة السورية والإسلاميين ضد نظام الأسد. وبطبيعة الحال، فإنَّ الانقسامات الداخلية في الشرق الأوسط يمكن أن تتغيَّر لكن مع ذلك يصعب أن يجد المرء منطقة أخرى في العالم تجري فيها مثل هذه الانقسامات بصورة دقيقة وشاملة كما هو الحال في الشرق الأوسط.

إضافة إلى ما سبق، يصعب على المرء أن يجد منطقة متكاملة كالشرق الأوسط، وهذا هو في الحقيقة العامل الثاني وراء وضعها غير المستقر؛ وهي الخلاصة التي ستفاجئ العديد من الناس باعتبارها خلاصة غريبة. فالشرق الأوسط من الناحية الاقتصادية يُعَدُّ من بين أقل المناطق تكاملا في العالم، أما من الناحية المؤسسية فالجامعة العربية تُعتَبر أقل تماسكا من الاتحاد الأوروبي وأقل فعالية من الاتحاد الأفريقي وأكثر اختلالا من منظمة الدول الأميركية، بل لا وجود لأي كيان إقليمي يجمع الدول العربية مع الجهات غير العربية الأكثر نشاطا في المنطقة مثل إيران وإسرائيل وتركيا. 

لكن في مجالات أخرى عديدة ينفرد الشرق الأوسط بوصفه فضاء موحّدا، فالأيدولوجيات والحركات منتشرة عبر حدوده. في الماضي شاعت فيه العروبة والناصرية، واليوم ينتشر فيه الإسلام السياسي والحركات الجهادية. إذ تمتلك حركة الإخوان المسلمين فروعا نشطة في مصر والعراق والأردن والأراضي الفلسطينية وسوريا وتركيا وفي دول الخليج وفي شمال أفريقيا. والشيء نفسه بالنسبة إلى الحركات الجهادية مثل القاعدة والدولة الإسلامية أو داعش، فهي الأخرى تتبنّى أجندات عابرة للحدود تنبذ فكرة الدولة القُطرية والحدود القائمة عليها بالكامل.

أما أتباع المذهب الشيعي الإيراني فيتوفّرون بأعداد مختلفة في بلاد الشام والخليج، وغالبا ما يكونون في هيئة ميليشيات مسلحة تتطلّع نحو إيران من أجل استلهام التجربة والحصول على الدعم. والسعودية بدورها سعت إلى تصدير الوهابية، المذهب الإسلامي المتشدد، وإلى تمويل السياسيين والحركات السياسية في جميع أنحاء العالم. ينطبق الأمر ذاته على المنابر الإعلامية المدعومة من أحد أطراف النزاع السني-السني، مثل الجزيرة القطرية وقناة العربية السعودية؛ فهذه المنابر لها قدرة على الوصول إلى جميع الناس على مستوى المنطقة. ولا تزال أصداء القضية الفلسطينية -وإن بدت أنها تراجعت- تتردّد في جميع المنطقة، بل يمكن القول إنّ لها القدرة على تعبئة الناس بطريقة ليس لها ما يُعادلها في جميع أنحاء العالم. وحتى الحركات شبه القومية، مثل الحركة القومية الكردية التي يمتد تأثيرها في أربعة بلدان، تُشجِّع الأجندات التي تتخطّى الحدود القُطرية.

تبعا لذلك، فإنَّ الصراعات المحلية في الشرق الأوسط سرعان ما تتخذ أبعادا إقليمية، وبالتالي تجتذب الأسلحة والأموال والدعم السياسي من الخارج. فالحوثيون قد يرون معركتهم باعتبارها بالأساس معركة من أجل اليمن، وحزب الله يرى معركته تتمحور حول السلطة والسياسة في لبنان، وحماس قد تكون حركة فلسطينية تسعى من أجل تعزيز القضية الفلسطينية، والفصائل المعارضة السورية تسعى لتحقيق أهداف وطنية. ولمّا كان هذا النضال المحلي يجري في منطقة شديدة الاستقطاب والتشابك فإن القادة المحليين سرعان ما يقعون تحت سيطرة القوى الخارجية الكبرى.

الدول الضعيفة التي تنشط فيها الجهات الفاعلة غير الحكومية تهيئ الظروف المثالية للتدخُّل الأجنبي. في حالة إيران مثلا، بات من شبه المؤكّد أنها تساعد الحوثيين والميليشيات الحوثية.
   

يبدو هذا التدخُّل الخارجي بوضوح في مآلات الانتفاضات العربية التي بدأت في أواخر عام 2011. يُستثنى من ذلك تونس، التي مَثَّلت شرارة تلك الثورات، فقد جرت فيها عملية الإطاحة بالرئيس بسرعة شديدة وبشكل مفاجئ في هذا البلد الذي كان يُعَدُّ على هامش السياسة الإقليمية، وبالتالي لم تتح الفرصة للدول الأخرى لتتجاوب مع ذلك التحوّل في الوقت المناسب. غير أن التدخُّل الخارجي سرعان ما عثر على موطئ قدم في الثورات التي جرت في وقت لاحق في المنطقة، فأصبحت تحظى بأهمية إقليمية ودولية. وقد تجلّى هذا التدخُّل في تجربة مصر، عندما وضعت الثورة مصير الإخوان المسلمين والإسلام السياسي على المحك، الشيء الذي سمح بتدخل قطر والسعودية وتركيا والإمارات. وحصل الشيء نفسه في ليبيا، حيث انخرطت مصر في المعارك الدائرة هناك بعد أن سادت الغلبة للسيسي وتخلّص من الإخوان المسلمين.  وفي سوريا أيضا، اجتذبت الحرب الأهلية هناك النزاعات الإقليمية الثلاثة: النزاع الإسرائيلي مع محور المقاومة، والنزاع الإيراني-السعودي، والنزاع السني الداخلي. وجرى -كذلك- تنفيذ سيناريو مماثل في اليمن.

الفوضى الضاربة

إضافة إلى عاملَيْ الاستقطاب والتكامل، يُعاني الشرق الأوسط من حالة اختلال في هياكل الدولة، حيث نجد هياكل بعض دوله أشبه ما تكون بهياكل الجهات الفاعلة غير الحكومية. ولهذا نجد الحكومات المركزية في ليبيا وسوريا واليمن تعوزها السيطرة على مساحات شاسعة من أراضيها. وبالنتيجة، تقوم الجهات الفاعلة غير الحكومية، مثل حماس والحركة الحوثية والأكراد والدولة الإسلامية (قبل الإطاحة بها)، بتولّي مهام الدولة الافتراضية. وفي المقابل، يتعيّن على هذه الجهات نفسها أن تتعايش مع مُخرّبين فاعلين من نوع خاص؛ فحماس تتصارع في غزة مع المجموعات الجهادية التي تتصرّف أحيانا بصورة تضر سلطتها أو تتعارض مع أهدافها. وحتى في الدول التي تمتلك هياكل وظيفية فاعلة، ليس من الواضح دائما معرفة الجهة المسؤولة عن وضع سياساتها، فالميليشيات الشيعيّة في العراق وحزب الله في لبنان يقومان بأنشطة لا تستطيع الجهات السيادية في البلدين السيطرة عليها، ناهيك بأن يكون بمقدورها غضّ الطرف عن أنشطتها.

فضلا عما سبق، فإن الدول الضعيفة التي تنشط فيها الجهات الفاعلة غير الحكومية تهيئ الظروف المثالية للتدخُّل الأجنبي. ومع أن عملية التدخُّل هذه تعمل وفقا لمسارين، مسار تسعى فيه الدول الأجنبية إلى استغلال المجموعات المسلحة [من الجهات الفاعلة غير الحكومية] من أجل تعزيز مصالحها، ومسار آخر تلجأ فيه المجموعات المسلحة إلى الدول الأجنبية من أجل تقوية وضعها، إلا أنها في المجمل علاقة لا تخلو من سوء تفسير. في حالة إيران مثلا، بات من شبه المؤكّد أنها تساعد الحوثيين والميليشيات الحوثية، لكن هل يعني ذلك أنها تتحكّم فيهم؟ الشيء نفسه بالنسبة لوحدات حماية الشعب، حركة المقاتلين الأكراد في سوريا، فهي الأخرى مرتبطة بحزب العمال الكردستاني في تركيا، لكن هل تتلقّى منها التوجيهات؟  

ومما يُفاقم من سوء التفسير لطبيعة هذه العلاقة أن الجهات الفاعلة غير الحكومية تعمل كجهات مستقلة، وفي الوقت نفسه تعمل بالوكالة عن أطراف خارجية؛ ما يجعل من مسألة التثبُّت من مسؤولية ارتكابها للعنف أو ردعها من البداية أمرا صعبا. ولهذا السبب تفترض إيران بالخطأ أنها لن تكون مسؤولة عن هجوم الحوثيين بالطائرات المسيّرة على السعودية، أو عن هجوم حركة الجهاد الفلسطينية على إسرائيل، أو هجوم الميليشيّات الشيعيّة في العراق على أهداف أميركية. والسعودية من جهتها قد تلجأ إلى إلقاء اللوم على إيران عند أي هجوم حوثي تتعرّض له، شأنها في ذلك شأن إيران التي قد تلوم السعودية عند أي حادثة عنف ترتكبها المجموعات المعارضة على أراضيها. أما الولايات المتحدة فهي بدورها تكاد تكون مقتنعة بأن كل الميليشيّات الشيعيّة ما هي إلا ميليشيّات تُنفِّذ عمليات بالوكالة عن طهران. إسرائيل من جانبها قد تُحمِّل حماس مسؤولية أي هجوم يصدر من غزة، أو تُلقي اللوم على إيران في أي هجوم يصدر من سوريا، أو تَعتَبِر لبنان مسؤولا عن شنّ حزب الله لأي هجوم عليها. وفي كل الأحوال، سيكون سوء التفسير لأي حالة من الحالات السالفة أمرا باهظ الثمن.

إنَّ هذا الذي نُقرِّره ليس مجرد تمرين فكري، فقد أعلن الحوثيون مباشرة بعد الهجوم على المنشآت النفطيّة السعودية في سبتمبر/أيلول عن مسؤوليتهم عن الهجوم، ربما أملا في تعزيز موقفهم؛ في حين أنكرت إيران أيَّ دور لها في الهجوم، سعيا منها ربما لتفادي أي رد فعل أميركي تجاهها. في المحصلة، فإن أي جهة تُنفِّذ الهجوم ويتم عقابها -أيًّا كانت هذه الجهة- سيُفضي عقابها إلى تداعيات واسعة النطاق.

وفي الدول التي تمتلك هياكل وظيفية جيدة للدولة باتت مراكز صناعة القرار غير معروفة؛ ففي إيران -على سبيل المثال- تبدو الحكومة والحرس الثوري الإسلامي، الذي يتلقّى التوجيهات مباشرة من المرشد الأعلى، في بعض الأحيان وكأنهما يعملان بصورة منفصلة ومستقلّة عن بعضهما بعضا. فهل تُعتَبر هذه الاستقلالية قرارا واعيا لتقسيم العمل بينهما أم أنها تعكس صراعا حقيقيا؟ الإجابة عن هذا السؤال قابلة للنقاش بالطبع، شأنها شأن السؤال المُتعلِّق بمَن منهما يتحكّم في السلطة.

العوامل المضاعفة للخطر

في الواقع، هناك جملة تحوّلات دوليّة وإقليميّة ومحليّة ساهمت في تعقيد التفاعلات آنفة الذكر، لا سيما التحوّلات الدوليّة المُتمثِّلة في بروز الصين واستعادة روسيا لنفوذها تزامنا مع تراجع نسبي لمكانة الولايات المتحدة على المسرح الدولي. أما على مستوى التحوّلات الإقليمية، فهناك تأثير الانتفاضات العربية، خصوصا التأثيرات المتصلة بتفكّك النظام الإقليمي وتفشي ظاهرة الدول الفاشلة. كما ساهمت التغيّرات المحلية أيضا في تفاقم الأوضاع، خصوصا بعد وصول قيادة جديدة حازمة على غير العادة في السعودية، بالتوازي مع وصول قيادة جديدة استثنائية في الولايات المتحدة. كل هذه التطوّرات أجّجت المنطقة وساد فيها الشعور بأنَّ كل شيء صار متاحا، وأن الفرصة التي لا تُنتهز في ظلِّ هذه الظروف ستضيع إلى الأبد. 

لقد دفعت هذه التحوّلات حلفاء الولايات المتحدة للشعور بالقلق حيال قدرة البلاد في المحافظة على مكانتها وباتوا يحسون في الوقت نفسه بالسرور إزاء سياسات إدارة ترمب، لا سيّما بعد أن جعل من أولوياته إصلاح العلاقة مع مصر وإسرائيل والسعودية والإمارات التي كان قد اعتراها الضعف في فترة سلفه. وبالمثل فقد كان ترمب واضحا في إحجامه عن استخدام القوة شأنه في ذلك شأن تخليه عن حلفاء أميركا القدامى في أنحاء أخرى من العالم.      

هذا المزيج من الغبطة والتوجس يساعدنا في الحقيقة في فهم جملة متغيّرات على الساحة المحليّة، مثل سلوك المغامرة غير المعهودة التي انتهجتها السعودية تحت قيادة ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان، المعروف اختصارا بـ “مبس”. وقد شملت تلك المغامرة الاستمرار في حرب اليمن، وحصار دولة قطر، واختطاف رئيس الوزراء اللبناني، وقتل المعارض جمال خاشقجي[5]. فمن وجهة نظر الأمير محمد بن سلمان يُمثِّل التوافق الحاصل الآن مع واشنطن فرصة لن تتكرر؛ إذ لا ضمان لفوز ترمب بإعادة الانتخاب، ولا ضمان لترمب نفسه، فقد يُغيِّر فجأة توجّهه ويتخذ سياسة يتوصل بها إلى صفقة مع إيران، إضافة إلى أن الولايات المتحدة لديها رغبة قديمة للتخلُّص من أعباء الشرق الأوسط. وفي إسرائيل يسود شعور مماثل، في حين يسعى بقية شركاء الولايات المتحدة في المنطقة إلى الاستفادة من حكم ترمب ويحتاطون من احتمال انتهاء حكمه بفترة رئاسية واحدة.

في غضون ذلك، منح بروز روسيا والصين شيئا من الشجاعة لإيران لكنه لم يرقَ إلى الثقة الكاملة. والحال كذلك، هل ستقف موسكو إلى جانب إيران في حالة تزايد التوتر بين طهران وواشنطن، أم أنها ستبقى على الحياد أملا في الاستفادة من الاضطراب الإقليمي؟ وهل تتجاهل الصين تهديد أميركا بالعقوبات وتشتري النفط الإيراني، أم أنها قد تمتثل لمطالب واشنطن على أمل إبرام صفقة تجارية معها؟ والأكثر خطورة في الأمر هو عدم تأكّد الأطراف من نيّات أميركا، فإيران تشعر بنفور ترمب من الحرب ولذلك تحاول تجاوز القواعد وتضغط على واشنطن على أمل الحصول على قدر من المكاسب التي من شأنها أن تُخفِّف عنها العقوبات. غير أن جهل إيران بقواعد اللعبة الأميركية يجعلها تتمادى في المخاطرة إلى أقصى درجة مُمكنة وإن قادها ذلك إلى دفع الثمن.  

حكايتان.. لتوخّي الحذر

لعله من المفيد لفهم كيفية تفاعل هذه التحوّلات في المستقبل أن ننظر في الكيفية التي جرت بها تفاعلات مماثلة في الماضي القريب في سوريا. نتذكّر في هذا السياق أن السعودية والدول الأخرى في المنطقة انتهزت فرصة أحداث الانتفاضة السورية المحلية الرامية إلى الإطاحة بنظام الأسد، فاعتمدت على المعارضة من أجل إحداث تغيير في توازن القوى الإقليمي وإنهاء تحالف دمشق منذ أمد طويل مع طهران. وتحسُّبا لمغبة هذه النتائج، سعت كلٌّ من إيران وحزب الله إلى ضخ مواردهما في خوض حرب بالوكالة عن النظام في سوريا أفضت إلى كلفة بشرية فادحة[6].    

منذ أن أصبحت سوريا ساحة توتر إقليمي، بات خطر إمكانية أن تتحوّل المناوشات هناك -حتى وإن كانت غير مقصودة- إلى بؤر توتر لمواجهات أكبر يتعاظم مع الوقت
   

كما تدخَّلت إسرائيل بدورها في هذه الحرب تحت ذريعة دحر الوجود الإيراني المتنامي على مشارف حدودها. أما قطر وتركيا فقد دعمتا مجموعات معارضة ذات ميول إسلامية، في حين دعمت السعودية وحلفاؤها مجموعات أخرى. ورأت روسيا من جانبها في تحوّلات النظام السوري فرصة للتدخُّل تستعيد من خلاله مكانتها خصوصا بعد أن شعرت بتردّد أميركا، وهو الأمر الذي أدّى في النهاية إلى اصطدامها مباشرة مع الولايات المتحدة ومع تركيا لبعض الوقت. أما تركيا نفسها فشعرت بالانزعاج من احتمالات حصول الفصائل الكردية المدعومة من الولايات المتحدة على ملاذات آمنة في شمال سوريا، وبالتالي انخرطت في الحرب ودعمت في الوقت نفسه مجموعات المعارضة السورية العربية لمحاربة الأكراد[7].  

ومنذ أن أصبحت سوريا ساحة توتر إقليمي، بات خطر إمكانية أن تتحوّل المناوشات هناك -حتى وإن كانت غير مقصودة- إلى بؤر توتر لمواجهات أكبر يتعاظم مع الوقت. فتركيا على سبيل المثال، أسقطت طائرة روسية مقاتلة (واتهمت موسكو إسرائيل بإسقاط طائرة أخرى)، والقوات الأميركية قتلت المئات من أفراد مجموعة روسية خاصة شبه عسكرية في شرق سوريا. إضافة إلى ذلك، هاجمت تركيا الأكراد المدعومين من الولايات المتحدة، وكاد أن يؤدّي ذلك إلى وقوع مواجهة عسكرية أميركية-تركية. الشيء نفسه بالنسبة إلى إسرائيل، فقد قامت بشن ضربات على إيران، أو العناصر الموالية لها في سوريا، لمئات المرات.  

بالإضافة إلى ما سبق، تكشف التجربة السورية عن الصعوبة البالغة التي تكتنف خيار تقييد مشاركة الولايات المتحدة في صراعات الشرق الأوسط؛ ففي ظل إدارة أوباما دعمت واشنطن الفصائل الثورية التي حاربت نظامَيْ الأسد وداعش، ولكنها ادَّعت أنها لا تسعى إلى تغيير النظام (على الرغم من دعمها لقوات تسعى لتحقيق هذا الأمر تحديدا)، وأنها لا تسعى إلى إعادة التوازن الإقليمي (رغم وضوح تأثير سقوط الأسد على نفوذ إيران)، وأنها لا تسعى إلى تقوية خصوم تركيا (رغم دعمها لحركة كردية مرتبطة بأعداء تركيا)، وأنها لا تسعى إلى إضعاف روسيا (مع علمها بالمودة التي تبديها موسكو تجاه الأسد). وبالطبع، لا يمكن للولايات المتحدة أن تدعم الفصائل المعارضة في الوقت الذي تنأى فيه بنفسها عن أهدافهم، أو تزعم أنها مجرد مطالب محليّة في حين أنَّ كل الأطراف التي شاركت رأت الأزمة في سياق أوسع من المحلي. هكذا أصبحت الولايات المتحدة لاعبا رئيسيا في منافسة إقليمية ودولية تدَّعي أنها لا تريد أن يكون لها أي علاقة بها.  

في اليمن جرت أحداث مماثلة لتلك التي حدثت في سوريا، فمنذ عام 2004 تحوّل الجزء الشمالي من البلاد إلى ساحة نزاع مسلّح متكرر بين الحوثيين والحكومة المركزية. كما اتُّهمت إيران في مرحلة مبكرة من هذا النزاع بالمسؤولية عن دعم المتمردين الحوثيين ماليا وعسكريا، في حين اتَّهم الحوثيون بدورهم السعودية بالتدخل في النزاع. وعندما استولى الحوثيون على العاصمة وتوجّهوا نحو الجزء الجنوبي من البلاد، في الفترة 2014-2015، جاء ردّ السعودية عليهم تحسبا من مغبة سيطرة ميليشيات مسنودة من إيران على جارتها الجنوبية. ومما زاد من حدة ردّ فعل السعودية أنّ الأحداث جاءت متزامنة مع بروز الأمير محمد بن سلمان “مبس”، ليس لأنه لم يَرْتَبْ من موقف الولايات المتحدة المساند له فحسب، بل أراد أيضا أن يُظهِر لإيران انتهاء العهد القديم بالإضافة إلى وضع بصمته في الداخل السعودي.      

ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” (الصحافة السعودية)

في مواجهة هذا الضغط السعودي المُكثَّف، تزايد توجّه الحوثيين إلى إيران بصورة متكررة طلبا للدعم العسكري. إيران من جهتها، تلقّفت الدعوة ووجدتها فرصة مناسبة لتُعزِّز نفوذها في المنطقة وإغراق السعودية [في مستنقع الحرب]. أما الولايات المتحدة التي كانت في وقتها لا تزال في خضم مفاوضات الملف النووي مع إيران -ندّ السعودية الألد-فقد شعرت بأنها في غنى عن إضافة أزمة جديدة إلى ملف علاقاتها الهشة مع حلفائها الخليجيين. وعلى الرغم من مخاوف واشنطن من الحرب فإنها وضعت ثقلها خلف التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، فشاركتها في عملية تبادل المعلومات الاستخباراتية وزوّدت التحالف بالأسلحة والدعم الدبلوماسي.

وبسيناريو شبيه بما حصل في سوريا، عندما عملت إدارة أوباما على تحجيم مستوى المشاركة الأميركية في الحرب، اكتفت أميركا بمساعدة السعودية في الدفاع عن سيادة أراضيها لكن دون مشاركتها في الحرب على الحوثيين أو التورّط في الصراع الإيراني-السعودي. ومثل ما حدث في سوريا، فقد ذهب هذا المجهود سدى، إذ ليس بمقدور الولايات المتحدة أن تختار جانب أحد طرفي الحرب، فلو وقفت مع السعودية فهذا يعني أنها ضد الحوثيين وبالتالي ضد إيران.   

واشنطن تسير بلا هدى

إنَّ جهود الرئيس باراك أوباما الرامية إلى تحجيم مشاركة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لم تكن غير مثمرة فحسب، بل إنها -في الواقع- تكشف عن ناحية أخرى، تكشف عن العروة الوثيقة التي تربط مختلف صراعات الشرق الأوسط بعضها ببعض، وعن الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة [في هذه المنطقة]. فالرئيس أوباما (الذي عملت ضمن إدارته) كان يُفكِّر في تخليص الولايات المتحدة مما كان يُطلق عليه “مأزق الشرق الأوسط الكبير”، وبناء على هذا التوجُّه سحب القوات الأميركية من العراق، وحاول تسوية النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعبَّر عن تعاطفه مع الانتفاضات العربية الشعبية، كما نأى بنفسه -لبعض الوقت- عن الحُكَّام المستبدِّين، وتجنَّب خيار التدخُّل العسكري المباشر في سوريا، وتوصَّل إلى اتفاق مع إيران يمنع برنامجها النووي من إشعال فتيل الحرب في المنطقة.   

وهذا الموقف ذاته التزمه في تجربة ليبيا، التي لم تتماشَ مع هذا التوجّه، حيث عمل أوباما وفقا لقناعة مفادها أن تدخل الناتو في عام 2011 سيكون تدخُّلا محدودا وصارما. وحينما تبيّن له عدم صواب هذا التصور، جدَّد رغبته في خيار الابتعاد عن صراعات الشرق الأوسط. وقد كان الهدف النهائي من وراء هذا التوجّه هو مساعدة المنطقة على تحقيق توازن أكثر ديمومة يجعلها أقل اعتمادا على تدخُّل أميركا المباشر أو طلب حمايتها. ولهذا، كان أوباما يتحدَّث حول ضرورة توصّل طهران والرياض إلى صيغة تفاهم “لتقاسم” المنطقة، الشيء الذي ظلَّ يُثير سخط السعوديين.  

إلى جانب ما سبق، كان أوباما يتّبع أسلوبا متدرِّجا في سياساته انطلاقا من إيمانه بأنَّ الولايات المتحدة لا يمكن أن تُغيِّر مسار سياساتها بصورة مفاجئة أو راديكالية، فمن شأن ذلك الإضرار بعلاقاتها الإقليمية التي بُنيت على مرِّ العقود. وقد قال لنا مرة في المجموعة التي كنّا نعمل فيها معه في البيت الأبيض إنَّ إدارة السياسة الأميركية يُشبه إدارة مركبة ضخمة، وأن تغيير المرء لمسار سير مثل هذه المركبة لبضع درجات قد لا يظهر لحظتها إلا أنه سيُؤثِّر بشكل كبير على الوجهة النهائية للمركبة. لهذا السبب، اتَّسمت كل السياسات التي سلكها بالاعتدال، بل حتى عندما سعى إلى إقناع السعودية لفتح قنوات حوار مع طهران، فعل ذلك بلطف وبدافع الحرص على تحقيق الاستمرارية والتغيير في سياسات الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط. ورغم سعيه هذا، لتجنُّب التورط في التدخل العسكري في شؤون المنطقة، فإن فترة رئاسته شهدت عدة تدخُّلات عسكرية مُكلِّفة، شملت تدخُّلا عسكريا مباشرا في ليبيا وتدخُّلا غير مباشر في سوريا واليمن.

يُعَدُّ مشروع إدارة أوباما، بمعنى من المعاني، مشروعا تجريبيا توقَّف في منتصف الطريق، فقد كانت مقاربته للشرق الأوسط تقوم على قناعة مفادها بأن شخصا ما سيأتي بعده يُكمل عمله من حيث توقَّف، شخصا مثل هيلاري كلينتون مثلا، ولكن بالتأكيد ليس شخصا مثل دونالد ترمب.

على النقيض، عندما وصل ترمب إلى السلطة اتّخذ مسارا مغايرا تماما لتلك السياسات (مدفوعا في الغالب برغبة اتّباع مسلك يُخالف ما قام به سلفه في السلطة). فبدلا من السعي إلى تحقيق شيء من التوازن في علاقاته بالأطراف المختلفة، انحاز ترمب تماما لطرف في النزاع؛ فضاعف الدعم لإسرائيل، ومنح تأييده الكامل لـ “مبس”، والسيسي، والزعماء الآخرين الذين كانوا يشعرون بازدراء أوباما لهم، وانسحب من الاتفاق النووي مع إيران، والتحق بحماسة شديدة للمحور المعادي لإيران في المنطقة. إضافة إلى ذلك، اختارت واشنطن المواجهة مع إيران وإضعافها على كل الجبهات وبكل السُّبُل، بما في ذلك جبهة الاتفاق النووي والاقتصاد، وجبهة سوريا حيث برَّر المسؤولون الأميركيون وجودهم هناك صراحة بمسألة التصدي لإيران، وجبهة العراق حيث طلبت الولايات المتحدة من الحكومة الهشّة التي يعتمد بقاؤها على علاقاتها الوثيقة مع إيران قطع تلك العلاقات، وفي جبهة اليمن حيث ضاعفت إدارة ترمب هناك دعمها للتحالف الذي تقوده السعودية ولم تلتزم بموجِّهات الكونغرس، وفي جبهة لبنان حيث زادت الإدارة الأميركية العقوبات المفروضة على حزب الله.    

الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” والرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” (وكالة الأنباء الأوروبية)

 

إيران من جهتها، اختارت أن تتعامل مع المنطقة كساحة خاصّة بها، فإلى جانب تحرُّرها من التزاماتها الخاصة بصفقة النووي، فإنها احتجزت شاحنات نقل في الخليج وأسقطت طائرة درون أميركية. وإذا صحّت المزاعم الأميركية، فإنها استخدمت الميليشيات الشيعيّة لتهديد الأميركيين في العراق، وهاجمت السفن التجارية في مضيق هرمز، وضربت حقول النفط السعودية. وعندما فكَّر ترمب في يونيو/حزيران من هذا العام[9]في احتمال الرد العسكري، سارعت إيران إلى تحذير قطر والسعودية والإمارات بأن المعركة ستطولهم في حال لعبت أي واحدة منها دورا في تمكين الهجوم الأميركي عليها (وبالطبع، ليس هناك ما يجعلنا نعتقد أنَّ تداعيات الحرب ستقتصر على تلك الدول، وإنما ستشمل دولا كالعراق وإسرائيل ولبنان وسوريا).

أما في اليمن، فقد كثَّف الحوثيون هجومهم على المناطق السعودية، وقد يكون ذلك بتحريض من إيران وقد لا يكون، لكن من المؤكَّد أنها لا تعترض عليه. غير أن القيادات الحوثيّة التي تحدّثت إليها مؤخرا في العاصمة صنعاء أنكروا أن يكونوا يعملون بأوامر من إيران، لكنهم أشاروا إلى أنهم سينضمّون بلا شك إلى جانب إيران في الحرب مع السعودية في حالة استمرار حربهم معها. خلاصة القول، إنَّ سياسات إدارة ترمب التي ادَّعت واشنطن أنها ستؤدي إلى تهذيب سلوك إيران وتعمل على تحقيق اتفاق نووي أكثر توازنا، دفعت طهران إلى تكثيف أنشطتها الإقليمية وجعلتها تتجاهل قيود الاتفاق النووي القائمة حاليا. إنَّ هذه التطورات في الحقيقة تضرب في صميم سياسات الرئيس ترمب تجاه الشرق الأوسط وتُضاعف من إمكانية حدوث المواجهة العسكرية التي يُصِرُّ على تفاديها.

ما يهم الآن..

إنَّ اشتعال حريق في المنطقة ليس أمرا حتميا، فليس هناك طرف في النزاع يريد الحرب، بل سعت معظم الأطراف حتى الآن إلى ضبط النفس لتفادي التصعيد. لكن بالنظر إلى التفاعلات الجارية في المنطقة، يمكن أن يترتَّب على الأفعال التي يحرص الناس على ضبطها عواقب وخيمة غير مقصودة. على سبيل المثال، تخيّلوا لو حصل هجوم إيراني آخر في الخليج[10]، أو حصلت ضربة إسرائيلية في العراق تتجاوز الخطوط الحمراء الإيرانية، أو تخيّلوا صواريخ حوثية تقتل أعدادا كبيرة من السعوديين والأميركيين، أو الرد الذي قد يستهدف مصدر تلك الصواريخ في إيران، أو قتل الميليشيّات الشيعيّة لعساكر أميركيين في العراق، أو أن يتجاوز برنامج إيران النووي -بعد تحرر من قيود الاتفاق- النطاق الذي تتسامح فيه إسرائيل وأميركا. من السهولة أن يتخيّل المرء كيف يمكن لأيٍّ من هذه الأحداث أن تتّسع عبر الحدود، وكيف سيتصرّف كل طرف لتأمين مساحة بمزايا تنافسية أكبر لصالحه.

والحال هذه، فإنَّ النقاش حول إمكانية أن تنأى الولايات المتحدة بنفسها من المنطقة، بخفض مستوى وجودها العسكري، يبقى نقاشا مهما ولكنه خارج سياق منطق أحداث المنطقة؛ لأنه في حالة حدوث أي واحد من السيناريوهات السالفة، ستجد الولايات المتحدة نفسها بكل تأكيد داخل هذه الحرب، سواء اتخذت قرار الانسحاب الإستراتيجي من الشرق الأوسط أو لم تتخذه.  

تبعا لذلك، فالسؤال الأكثر أهمية في هذا النقاش يتصل بنوع الشرق الأوسط الذي تريد الولايات المتحدة أن تبقى مشاركة فيه أو تنسحب عنه. هل تريد منطقة مستقطبة بالصراعات المتداخلة وتأخذ فيها النزاعات المحلية دائما دلالة أوسع من نطاقها؟ أم هل تريد منطقة تعيش في ظل خطر دائم قابل للاشتعال وبالتالي تتورّط معها الولايات المتحدة في نزاعاتها بصورة مُنهِكة عديمة الجدوى؟ بالطبع، إنَّ قضية تخفيض التصعيد ليس أمرا يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة لوحدها، لكن على الأقل يمكن أن تتوقَّف عن مفاقمته بدون أن تضطر إلى التخلي عن دورها في فض هذه النزاعات أو تجنُّب التدخُّل فيها. والسبيل إلى ذلك يكون من خلال تجنُّب منح شركائها تفويضا مطلقا أو تمكينهم لممارسة أعمالهم العدوانية. وإن حصل ذلك، فهو يعني وقف دعمها للحرب في اليمن والضغط على حلفائها لوضع نهاية للنزاع هناك. كما يعني تعليق جهودها الرامية إلى تدمير اقتصاد إيران والانضمام مجددا إلى الاتفاق النووي ومن ثم التفاوض بشأن إبرام اتفاق شامل.  

كما يعني من جانب آخر إيقاف حملاتها العقابية بحق الفلسطينيين والبحث عن سُبُل جديدة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. وفي حالة العراق، يعنى أن تكفَّ الولايات عن إجبار بغداد لاختيار أحد الطرفين إما طهران أو واشنطن. أما فيما يتعلَّق بالتنافس الإيراني-السعودي، فإنه يجب على الولايات المتحدة أن تُشجِّع الطرفين للعمل في تدابير بناء ثقة أولية كالتعاون في مجال الأمن البحري وحماية البيئة والأمان النووي والشفافية في التدريبات العسكرية، قبل الانتقال إلى مهمة أكثر طموحا مثل تأسيس كيان إقليمي يكون شاملا للجميع، كيان من شأنه التعاطي مع المخاوف الأمنية للبلدين.  

في الحقيقة، فإن الإدارة الأميركية التي تعتزم اتّباع هذا النهج لن تبدأ من الصفر، فهناك بعض الدول الخليجية -على رأسها الإمارات- بدأت باتخاذ الخطوات الأولية في التواصل مع إيران في محاولة لخفض التصعيد. فقد توصّلوا إلى أنَّ المخاطر المتزايدة لأزمة المنطقة قد تخرج عن السيطرة، مما يترتَّب عليها تبعات مُكلِّفة. الشيء نفسه بالنسبة إلى الولايات المتحدة، عليها أن تعترف بهذه المخاطر قبل فوات الأوان.

Drapeau brulé…Iran dehors… en Syrie et en Iraq -إحراق العلم الإيراني في العراق وسوريا


 

Deir-Ez-Zor-Iran-dehors-spt-2019

Drapeau Iranien brulé lors des manifestation en Irak 2019

Mort à l'Iran - الموت لإيران- Deir Ezzor 20 sept 2019

Les-tantacules-des-milices-iraniennes-au-Moyen-Orient

طهران تقر بدور «الحرس» في دعم الحوثيين


طهران تقر بدور «الحرس» في دعم الحوثيين

الأربعاء – 02 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [ 14918]
لندن: «الشرق الأوسط»

أقر رئيس الأركان الإيراني محمد باقري أمس، بأن «الحرس الثوري» يقدم الدعم للميليشيات الحوثية في اليمن.

وحسب وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» فإن باقري قال في حوار مع قناة «فونيكس» الصينية خلال زيارته الأخيرة لبكين، إن بلاده تقدم الدعم «الاستشاري والفكري» للحوثيين. وأضاف أن «المسؤول عن ذلك هو الحرس الثوري». وتابع: «سنبقى حتى اللحظة الأخيرة» إلى جانب الحوثيين.

Comment l’Iran contrôle t-il la région ? – كيف تتحكّم إيران بالمنطقة؟


Pouvons-nous considérer les citoyens arabes qui combattent sous la bannière iranienne, dans les rangs des milices pro-iraniennes
pour le compte des mollahs
comme traîtres à leur patrie et à leur identité arabe ?

Non-à-l'ingérence-iranienne-dans-les-pays-arabes

Non-à-l’ingérence-iranienne-dans-les-pays-arabes

Comment l’Iran contrôle t-il la région ?

كيف تتحكّم إيران بالمنطقة؟

غازي دحمان  – 28 سبتمبر 2019

باتت إيران المتحكّم الفعل بالمسارات في الشرق الأوسط. هذه الحقيقة، وإن يصعب الإقرار بها، إلا أن فائدتها تكمن بوصفها معطىً يجب الانطلاق منه لمعرفة كيفية التعامل مع هذا الأمر الواقع، والذي بات أحد مهدّدات الأمن العربي في المرحلة المقبلة. 

تتحكم إيران بمخرجات السياسة في المنطقة، سواء بالنسبة إلى العواصم التي تسيطر عليها، أو حتى بالنسبة إلى خصومها، وحتى سياسات القوى الدولية الكبرى، فجميع سياسات هذه الأطراف تصدّر كرد فعل على السياسات الإيرانية، وهي في الغالب ذات طابع دفاعي، فقد فرضت إيران نمطاً سياسياً، بات يسري على مستوى الإقليم، في التعامل مع بؤر الصراع، سورية والعراق ولبنان واليمن، يقوم على مبدأ المحاصصة الجغرافية والمناطقية، وحتى على صعيد الكتل الاجتماعية، هذه لكم وتلك لي، وبذلك استطاعت شرعنة وجودها من جهة، ودفعت الآخرين إلى الانخراط في لعبةٍ قامت هي بتفصيل مقاساتها، والدليل ما هو حاصل في سورية ولبنان.
ولعل المفارقة في الأمر أن طاقة إيران على اللعب والمناورة، بالإضافة إلى حجم النفوذ الذي باتت تستحوذ عليه، لا يتناسبان مع قدراتها التكنولوجية والعسكرية، ولا حتى الاقتصادية، مقارنة باللاعبين الآخرين، إقليميين ودوليين. لذا لن يفيد الركون لقياس قوّة التأثير الإيراني حسب المعيار الكلاسيكي الذي يعطي العناصر السابقة، التكنولوجيا والقوة العسكرية والاقتصادية، القيمة الأكبر في احتساب قوّة الدولة، لن يفيد كثيراً في تحليل قوّة إيران، وفهم أبعاد تأثيراتها الحقيقية في المنطقة٠

وثمّة عوامل مختلفة ساهمت في صناعة التأثير الإيراني الذي تحوّل مع الزمن إلى مشكلة، ليس فقط بالنسبة للأطراف الإقليمية، بل من الواضح أن القوى الكبرى أيضا لم تعد تملك خيارات سهلة لمواجهة هذا التأثير. أولا، الاستفادة من الفراغ: بنت إيران نفوذها في بيئاتٍ تعاني من فراغ سياسي، نتيجة أزمات عصفت بها، وقد عرفت كيف تستفيد من هذه الأوضاع وتوظفها لصالحها. ولطالما طرحت إيران نفسها ضمن هذه البيئات بوصفها قوّة استقرار، هدفها الأساسي الحفاظ على كيان الدولة، ولكن بطريقتها الخاصة، وعبر هندساتٍ عسكرية واجتماعية، استطاعت من خلالها تفكيك البنى القديمة، وإعادة تركيبها بمنهجية جديدة.
ثانيا، استثمار الحروب الهجينة: تميزت القوّة الصلبة لإيران بمرونتها وقدرتها على التكيف، بل إنها فرضت نمطا من القوّة، على مساحة الإقليم، صار من الصعب كسره في إطار الحروب الكلاسيكية وركائزها العسكرية. وقد دمجت إيران في قوتها العنصر المليشياوي “الوكيل” سهل الحركة ومنخفض التكاليف، بالإضافة إلى استخدام التقنيات الحديثة، وكان جديدها الطائرات المسيّرة التي يبدو أنها ستكون العنصر الأكثر فعالية في الجيل الحديث من الحروب٠

ثالثا، الاستفادة من طاقة الصراع الهوياتي في المنطقة: حيث تركز إيران على البيئات الشيعية، والتي طالما اعتبرت نفسها ضحية مظالم منذ مئات السنوات، وأنها تواجه فرصة تاريخية لتغيير معادلات السلطة والحكم في المنطقة، لذا هي على استعداد لتحمل تبعات هذا الأمر ودفع أثمانه، في مواجهة بيئاتٍ مستنزفة، بفعل صراعات سلطوية داخلية، أو بفعل تراجع تأثير البعد الهوياتي في اجتماعها، أو حتى نتيجة نكوصها إلى هويات صغرى متعدّدة.
رابعا، اللعب على الصراعات الدولية: تعرف إيران كيف تجعل بعض الأطراف الدولية تقف في صفها في مواجهة خصومها، وقد نجحت سياساتها في جعل روسيا والصين حلفاء لها في مواجهة عداء أميركا، وتموضعت ضمن هذه العلاقة بوصفها قوّة ممانعة دولية في مواجهة التفرد الأميركي٠

ويحسب لصانع القرار الإيراني قدرته على التقاط توجهات البيئة الدولية ودراسة مواضع الضعف والقوّة فيها، فقد اكتشفت إيران باكراً أن إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، تلهث وراء الحصول على اتفاق نووي، ولو بتأجيل المشروع النووي الإيراني بضع سنوات، في مقابل غض الطرف عن سياسات إيران الإقليمية. كما التقطت نقطة الضعف الأساسية في سياسات إدارة دونالد ترامب الخارجية، وهي مكافحة الانجرار إلى حروبٍ خارجية، وتراجع أهمية الشرق الأوسط بالنسبة لهذه الإدارة، ما أتاح لها الفرصة لتوسيع رقعة نفوذها وتثبيتها٠

تعاملت إيران في صراعاتها مع أميركا، الطرف الأكثر فعالية في المنطقة، عبر أسلوبين: العمل من خلال وكلائها في المنطقة، فلا تتبنى أي عمل بشكل مباشر، ما يضعف الخيارات العسكرية للأطراف الأخرى، والأمثلة كثيرة، منها الهجوم أخيرا على منشآت لشركة أرامكو في السعودية، والذي تبنّاه الحوثيون، وضرب المنطقة الخضراء في بغداد، والطائرات المسيّرة التي يطلقها حزب الله باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة. اللسع هو الأسلوب الثاني في تكتيكات الصراع الإيراني، حيث تعمد طهران إلى القيام بعملياتٍ يجري، في الغالب، تصنيفها في إطار السلوك الاستفزازي الذي لا يستدعي الرد بإشعال نزاع واسع، في وقتٍ ترفع هذه العمليات من قوّة الردع الإيرانية وتكسبها زخماً معنوياً هائلاً٠

كيف يمكن احتواء تأثيرات القوّة الإيرانية؟ لا بد من الاعتراف بأن العرب يواجهون مأزقاً مركباً في المواجهة مع إيران، فبالإضافة إلى السيطرة المطلقة لإيران على الجناح الشرقي للعالم العربي (العراق وسورية)، فإن العرب أنفسهم يفتقرون لموقف واضح وموحد للتعامل مع الخطر الإيراني، في وقتٍ تقوم به إيران بتغيير الوقائع والمعطيات لصالحها بشكل يومي وسريع. ولا يبدو أن ثمة رهانا ممكنا للخروج من المأزق الحالي، في ظل الذهنية السلطوية العربية الراهنة، كما أن الرهان على القوة الخارجية لردع إيران يثبت، يوماً بعد آخر، أنه ليس سوى وصفة ناجعة لتحقيق خسائر متزايدة لصالح إيران٠

Deir-Ez-Zor-Iran-dehors-spt-2019

« Pas d’immunité pour l’Iran » contre « pas de sécurité pour l’Israël » ? – “لا حصانة لإيران” مقابل “لا أمان لإسرائيل”؟


Pas-d'immunité---Israël---Iran

« Pas d’immunité pour l’Iran » contre « pas de sécurité pour l’Israël » ?

Abdel Wahhab Badrakhan – 29 août 2019

Partout où une volonté internationale se développera, il doit y avoir un instrument d’action. Est-ce le cas pour Israël (l’instrument), comme c’est le cas aujourd’hui, dans les arènes syrienne, irakienne et libanaise, ainsi que pour Gaza et peut-être bientôt au Yémen? Sans les accords russes et l’entente américano-russes, Israël n’aurait pas pu frapper en Syrie à tout moment. Sans la couverture américaine, il n’aurait pas frappé le Hachd Chaabi/Mobilisation populaire en Irak, il n’aurait pas violé la trêve au Liban, et n’aurait pas mené trois guerres à Gaza, mettant toujours la guerre à son ordre du jour. Si les informations sont vraies, il mènerait des frappes au Yémen. Le but dans tous ces endroits est l’Iran et ses milices. C’est un objectif déclaré par les Américains et les Israéliens, par la Russie de manière non tacite en Syrie et semi-déclarée en Irak. concerté sur le Liban et Gaza. Il n’y a pas encore d’accord sur le Yémen, c’est-à-dire s’il a déjà un « mandat » ou il agit comme s’il était « mandaté ».

Au cours des deux dernières semaines, le Premier ministre israélien a réitéré l’expression « aucune immunité pour l’Iran » nul part, et après une série d’attaques impliquant la chute de deux drones, dont l’un a explosé sur la forteresse du (Hezbollah /parti de dieu) dans la banlieue sud de Beyrouth, la position du secrétaire général Hassan Nasrallah a été réduite à « aucune sécurité pour Israël », car le « parti » va riposter et peut-être rendre l’appareille en envoyant des drones de reconnaissance sur le nord d’Israël, comme ceux qui ont été abattus à l’époque, mais on suppose que l’Iran a développé ces armes afin de les rendre offensives… Cette équation « immunité » versus « sécurité » est mise en avant par l’Iran et tente d’en créer un cadre institutionnel. L’idée d’une réunion des gouvernements irakien, syrien, libanais avec ses « factions de la résistance » est en cours de discussion afin de discuter d’un mécanisme commun limitant les excès israéliens. A part Damas qui n’a pas de choix et se noie dans son implication iranienne, il n’est pas certain que Bagdad et Beyrouth soient vraiment intéressés par une telle réunion. L’Iran vise premièrement à contrôler les réponses à Israël afin de ne pas nuire à l’administration de la crise avec les États-Unis, ensuite à traiter le problème des attaques israéliennes comme si cela n’avait rien à voir avec la crise américano-iranienne, et enfin à montrer qu’il gérait ses sphères d’influence comme s’il était atténué de toute pression.

La seule différence entre ces sites est la Syrie, où l’Iran renforce son influence avec des forces qui ne sont pas du même tissu social ou sectaire, mais proviennent de diverses régions du pays où ils sont plantées, naturalisées et installés dans les propriétés des « propriétaires » expulsés de force de leurs maisons et dans les propriétés des « absents » qui sont devenus des réfugiés partout dans le monde, tout cela en alliance avec un régime qui sait que la Russie l’a « sauvé », mais c’est Israël qui a garanti jusqu’à présent sa survie et l’utilise comme les autres. L’Iran ne mesure pas le niveau de son enracinement dont il l’espère en Syrie avec la force des frappes israéliennes sur ses camps, mais avec les structures qu’il a établies pour s’implanter dans le pays, notamment : (et) en premier lieu, la pénétration de ses services militaires et de renseignement dans les structures officielles du pays, ainsi que la nécessité du régime dans la « formule Astana » pour influencer le consensus militaire et politique. Deuxièmement, le degré de sa pénétration dans la société civile, (sociale et religieux) au sein de la souche sociale profonde de la Syrie, profitant de la misère et de l’exacerbation de la population par la guerre. Troisièmement, il faut parier que le jeu international, aussi hostile soit-il, doit faire face aux « réalités » qui ont émergé sur le terrain.

Ce qui soutien ce pari du jeu international l’Iran le partage maintenant avec d’autres joueurs – la Russie, la Turquie, les États-Unis et Israël. Tout le monde prétend travailler pour le rétablissement de la paix et de la stabilité, mais ils ont contribué à des degrés divers au déclenchement de la guerre et à son embrasement. L’Iran dispose d’une monnaie d’échange unique dans les scénarios de cessation de ces guerres, à condition de négocier avec lui et de reconnaître ses intérêts, il a arrangé sa situation de manière qu’il serait difficile de le dépasser dans aucun des quatre pays (Syrie, Irak, Yémen et Liban), où il a confisqué « l’État », infiltré ses forces militaires et de sécurité et établi ses milices en tant qu’armées parallèles, ou abolir complètement « l’Etat » comme au Yémen. Au minimum, l’Iran en Irak a officiellement accepté le « partage du pouvoir » avec les États-Unis et a profité de la période de retrait des États-Unis pour s’emparer des éléments constitutifs de l’État et favoriser toutes les milices du Hachd Chaabi. Cette formule est pratiquement appliquée au Liban, où le Hezbollah adhère au programme iranien en marginalisant l’État et son armée, ainsi que le gouvernement auquel il participe. Au minimum, l’Iran a réservé une participation à toute solution politique par l’intermédiaire des Houthis au Yémen et aspire au minimum à dominer le nord du fait de la tendance des Sudistes à faire sécession, et était non loin des séparatistes sous l’ancien régime.

En Syrie, les calculs sont devenus plus compliqués pour l’Iran en raison de la présence russe et de la pression américaine, ainsi que de l’entrée d’Israël sur la ligne. Téhéran a estimé qu’un changement dans la nature de la guerre au profit du régime lui permettrait de consacrer une partie de ses capacités militaires et logistiques à menacer Israël, non dans le but de « libérer la Palestine » comme le dit la propagande, mais plutôt de reconnaître l’influence iranienne sur les conditions de négociation ou, au pire, d’accepter un fait iranien en Syrie. Bien que l’évolution de la situation ait été dans la direction attendue par l’Iran, les premiers accords de coordination entre la Russie et l’Israël ont bloqué les plans iraniens concernant le front du Golan. Au fil du temps, les rôles ont changé et les positions iraniennes ont été menacées par l’Israël. La Russie s’est engagée alors à conduire les Iraniens à une quarantaine de kilomètres de la frontière. Selon des accords qui incluaient également la partie américaine, l’Iran est tenu de retirer ses milices de Syrie comme condition préalable à la participation des pays occidentaux à l’activation des formules proposées par la Russie pour mettre fin à la guerre et activer la solution politique et les plans de reconstruction.

S’il n’est pas possible d’obliger l’Iran à retirer ses milices d’Irak, du Liban ou même du Yémen, parce que ses dirigeants et ses membres font partie de la société locale et lui sont loyaux et non envers leur pays, le statu quo ne peut être maintenu, y compris la domination ou l’abolition de l’État et la marginalisation des armées nationales et d’autres institutions. Même si un changement de cette réalité est nécessaire de toute urgence, il ne va certainement pas se produire avec ces attaques israéliennes, il vise à faire pression sur l’Iran et, le territoire iranien n’étant pas attaqué dans un avenir prévisible, Téhéran n’envisage pas de modifier son approche ou son comportement, mais encourage ses milices à préserver ses acquis quoi qu’il arrive, et les milices dans l’intérêt du militantisme à l’appui de l’Iran dans son projet d’atteindre ses objectifs, ils assureront, au moins, leur avenir politique.

(…)

“لا حصانة لإيران” مقابل “لا أمان لإسرائيل”؟

عبدالوهاب بدرخان | منذ يوم في 29 أغسطس 2019

حيثما تتبلور إرادة دولية لا بدّ من أداة عمل لها. هل هذه حال إسرائيل الأداة، كما تتمثّل اليوم بالتحرك في الساحات السورية والعراقية واللبنانية، فضلاً عن غزة، وربما قريباً في اليمن؟ لولا موافقة روسية وتوافق أميركي – روسي لما استطاعت أن تضرب في سورية حين تشاء وأين تشاء. ولولا الغطاء الأميركي لما أقدمت على ضرب معسكرات الحشد الشعبي في العراق، ولما خرقت الهدنة في لبنان، ولما شنّت ثلاثة حروب على غزّة واضعةً الحرب دائماً على جدول أعمالها. وإذا صحّت المعلومات فإنها قد تقوم بضربات نوعية في اليمن. ذاك أن الهدف في كل هذه المواقع هو إيران وميليشياتها. وهو هدف أميركي – إسرائيلي معلن، وروسي غير معلن، في سورية. شبه معلن في العراق. مُتّفق عليه بالنسبة الى لبنان وغزّة. وغير مُتّفق عليه بعد في ما يخصّ اليمن. أي أن ثمة “تكليفاً” لإسرائيل أو أنها تتصرّف كأنها مكلّفة.

في الأسبوعين الأخيرين كرّر رئيس الوزراء الإسرائيلي عبارة “لا حصانة لإيران” في أي مكان، وبعد سلسلة هجمات تخللها سقوط طائرتين مسيرتين إحداهما انفجرت فوق معقل “حزب الله” في الضاحية الجنوبية لبيروت أمكن اختزال موقف الأمين العام حسن نصرالله بـ “لا أمان لإسرائيل” لأن “الحزب” سيردّ، وربما يردّ بالمثل إذ سبق له أنه أرسل طائرات مسيّرة استطلاعية فوق شمال إسرائيل وقد أُسقطَت في حينه، لكن يُفترض أن إيران طوّرت هذا السلاح ليصبح أيضاً هجومياً. هذه المعادلة، “الحصانة” مقابل “الأمان” أو الأمن تطرحها إيران وتحاول إيجاد إطار مؤسسي لها، إذ يجري تداول فكرة اجتماع لحكومات العراق وسورية ولبنان و”فصائل المقاومة” فيها للبحث في آلية مشتركة تحدّ من التجاوزات الإسرائيلية. وعدا دمشق غير المخيّرة والغارقة في تورّطها الإيراني، ليس مؤكّداً أن بغداد وبيروت مهتمتان فعلاً باجتماع كهذا. إذ تهدف إيران أولاً الى ضبط الردود على اسرائيل لئلّا تؤثّر سلباً على ادارتها أزمتها مع الولايات المتحدة، وثانياً الى معالجة مسألة الهجمات الإسرائيلية كأن لا علاقة لها بالتأزم الأميركي – الإيراني، وثالثاً الى إظهار أنها تدير مناطق نفوذها كما لو أنها متخفّفة من أي ضغوط.

الفارق الوحيد بين هذه المواقع هو سورية حيث تبني إيران نفوذها بقوى ليست من النسيج الاجتماعي أو الطائفي، بل تأتي بها من أصقاع شتّى وتزرعها وتجنّسها وتملّكها أملاك “الحاضرين” الذين يُطردون عنوةً من بيوتهم وأملاك “الغائبين” الذين صاروا لاجئين في أصقاع شتّى، وتستند في كل ذلك الى تحالف مع نظام يعرف أن روسيا “أنقذته” لكن إسرائيل هي التي ضمنت بقاءه حتى الآن وتستخدمه إسوة بالآخرين. ولا تقيس إيران مستوى تجذّرها الذي تأمله في سورية بقوّة الضربات الإسرائيلية لمعسكراتها بل بما أسسته من بنى لوجودها، ومنها: أولاً، تغلغلها العسكري والاستخباراتي وحاجة النظام إليها في “صيغة استانا” للتأثير في التوافقات العسكرية والسياسية. ثانياً، اختراقها المدني والاجتماعي والتشييعي للعمق السوري، مستغلّةً حالات العوز والبؤس التي فاقمتها الحرب. وثالثاً، مراهنتها على أن اللعبة الدولية، مهما كانت معادية لها، لا بدّ أن تتعامل مع “الحقائق” التي استجدّت على الأرض.

ما يدعم هذه المراهنة على اللعبة الدولية أن إيران باتت تتشاركها مع اللاعبين الآخرين، روسيا وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل. الجميع يدّعي العمل على استعادة السلام والاستقرار لكنهم ساهموا بدرجات متفاوتة في اشعال الحروب وتسعيرها، وتنفرد ايران بكونها تملك أوراقاً للمساومة في سيناريوات إنهاء تلك الحروب شرط التفاوض معها والاعتراف بمصالحها، وقد رتّبت أوضاعها بحيث يصعب تجاوزها في أيٍّ من البلدان الأربعة (سورية والعراق واليمن ولبنان) حيث صادرت “الدولة” واخترقت قواها العسكرية والأمنية وأنشأت ميليشيات كجيوش موازية، أو عمدت الى إلغاء “الدولة” كلياً كما في اليمن. في الحدّ الأدنى أظهرت إيران في العراق قبولاً شكلياً لـ “تقاسم” النفوذ مع الولايات المتحدة، واستغلّت فترة الانسحاب الاميركي للاستحواذ على مفاصل الدولة وترجيح كفّة ميليشيات “الحشد الشعبي”. هذه المعادلة تُطبّق عملياً في لبنان حيث يلتزم “حزب الله” الأجندة الإيرانية، مهمّشاً الدولة وجيشها، فضلاً عن الحكومة التي يشارك فيها. في الحدّ الأدنى أيضاً حجزت إيران حصّةً لها في أي حلّ سياسي عبر الحوثيين في اليمن، وفي الحدّ الأدنى تطمح الى هيمنة على الشمال في ضوء توجّه الجنوبيين الى الانفصال، وهي لم تكن بعيدة عن الانفصاليين خلال عهد النظام السابق.

أما في سورية فصارت الحسابات أكثر تعقيداً بالنسبة الى إيران، بسبب الوجود الروسي والضغوط الأميركية، كذلك مع دخول إسرائيل على الخط. كانت طهران تعتبر أن التغيير في طبيعة الحرب لمصلحة النظام سيتيح لها تخصيص جانب من إمكاناتها العسكرية واللوجستية لتهديد إسرائيل، ليس بهدف “تحرير فلسطين” كما تقول الدعاية، بل لاستدراج اميركا وإسرائيل الى الاعتراف بالنفوذ الإيراني وفقاً لشروط تفاوضية أو في أسوأ الأحوال القبول بأمر واقع إيراني في سورية. وعلى رغم أن التطوّرات ذهبت في الاتجاه الذي توقعته إيران إلا أن تفاهمات تنسيق مبكرة بين روسيا وإسرائيل قطعت الطريق على الخطط الإيرانية في شأن جبهة الجولان. ومع الوقت انقلبت الأدوار فأصبحت المواقع الإيرانية تحت التهديد الإسرائيلي، بل التزمت روسيا إبعاد الإيرانيين الى أربعين كيلومتراً أو أكثر عن الحدود. وبحسب تفاهمات شملت الجانب الأميركي أيضاً صار مطلوباً أن تُقدِم إيران على سحب ميليشياتها من سورية كشرط لا بدّ منه لمشاركة الدول الغربية في تفعيل الصيغ التي تطرحها روسيا لإنهاء الحرب وتحريك الحل السياسي وخطط إعادة الإعمار.

إذا لم يكن ممكناً إلزام إيران بسحب ميليشياتها من العراق ولبنان أو حتى اليمن، لأن قادتها وأفرادها من أبناء المجتمع وموالون لها لا لبلدهم، فإن الوضع القائم لا يمكن أن يستمر، بما فيه من هيمنة على الدولة أو إلغاءٍ لها، ومن تهميش للجيوش الوطنية ولسائر المؤسسات، ومن تعميم لسياسة الترهيب وتجاوز القوانين… ومع أن تغيير هذا الواقع مطلوبٌ بإلحاح إلا أنه بالتأكيد لن يتمّ بهذه الهجمات الإسرائيلية فهي موجّهة للضغط على إيران، وبما أن الأراضي الإيرانية نفسها غير معرّضة لهجمات في المدى المنظور فإن طهران لا تفكّر بتغيير نهجها أو سلوكها، بل تشجّع ميليشياتها على التمسك بمكتسباتها مهما كلّفها ذلك، وللميليشيات مصلحة في التشدّد دعماً لإيران في مشروعها فإذا استطاعت تحقيق أهدافها يضمن أتباعها على الأقل مستقبلهم السياسي.

لكن هذا المستقبل السياسي مع بقاء السلاح في أيديهم لا يعني أنهم سينخرطون في مشاريع استعادة الاستقرار. فقبل الهجمات الإسرائيلية، وبمعزل عنها، كان ولا يزال واضحاً أن المجتمع العراقي يحمّل الميليشيات مسؤولية شيوع عقلية الفساد في السياسة والأمن وادارة الدولة وعدم التقدّم في تعزيزها، وتبعات عدم توفير الخدمات والشروع في تنمية باتت لازمة وضرورية في كل القطاعات. كان لافتاً في بيان اجتماع الرؤساء الثلاثة مع قادة “الحشد” أنه ندّد بالاعتداءات على المعسكرات ودعا الى “احترام مرجعية الدولة”، فهذا هو مفتاح كل الحلول… ثمة تشابه بين الحالين في العراق ولبنان، مع فارق الوجود الأميركي وأمر حكومي لـ “الحشد” بالتحاق فصائله بالقوات المسلحة التي تنامت مكانتها. أما في لبنان فيستند نفوذ “حزب الله” الى ترسانته العسكرية التي يجيّرها لمقاومة العدو الإسرائيلي، لكنه يستخدمها كوطأة دائمة على الوضع الداخلي ترهيباً لخصومه السياسيين وتعطيلاً للدولة والحكومة، وبما أن العقوبات على ايران أنقصت موارده فإنه يعيش عقلية اقتصاد العقوبات ولا ينسجم مع سعي الحكومة الى اجراء إصلاحات اقتصادية ومالية تسهيلاً للاستثمارات الخارجية في المشروع التنموي المسمّى “سيدر”. ومع أن الدول لا تزال تؤكّد تعهداتها إلا أن تحكّم “حزب الله” بقرار السلم والحرب يعني أن الاستثمارات قد لا تأتي أو تأتي بصعوبة شديدة.

%d bloggers like this: