Le “Printemps” populaire arabe et le “jeu des nations” – «الربيع» الشعبى العربى و«لعبة الأمم»


Terrorisme-d'Etat-Monture-idéale-2019

Le “printemps” populaire arabe et le “jeu des nations”

Samir Aïta – 21 avril 2019

(…)
Les pays qui subissent des chocs majeurs dans leur contrat social sont soumis à des ingérences extérieures qui jouent de leurs contradictions internes et transforment leurs « révolutions » en « conspirations ». Ces interventions prennent la forme médiatique, financière, sécuritaire et « diplomatique ». Dans les luttes des intérêts sous l’ombre du «jeu des nations», il peut pousser les identités secondaires sectaires ou doctrinales à lever le plafond de leurs revendications, loin du consensus social capable de conserver l’unité de l’entité. Des ingérences qui testent la conscience sociale, la culture populaire et les organisations politiques, leurs incrustation, solidité et l’adhésion de tous afin de préserver l’entité unifiée et de la présenter comme étant prioritaires à leurs propres intérêts, quelle que soit leur raison. Il est clair que l’immunité de l’entité restera plus grande tant que les revendications et manifestations restent pacifiques sans diffusion de sang, qui pourrait transformer le trajectoire en vengeance tribale.

D’autre part, les expériences récentes de l’Algérie et du Soudan ont montré que le changement, même s’il est l’expression d’un désir populaire écrasant, ne peut avoir lieu que par la mise en place d’institutions majeures dans l’État, en particulier l’armée, avec ce changement. Le grand défi dans les affrontements entre les soulèvements populaires, l’autorité politique et l’armée est qu’ils ne sont pas menés de manière isolée par les ingérences extérieures et le «jeu des nations». Quelles que soient la légitimité et la validité des revendications populaires, les forces extérieures en quête d’influence manipuleront leurs orientations médiatiques et par le biais des médias sociaux. Mais va essayer de le pousser vers les armes et la guerre civile, comme cela s’est passé en Syrie, au Yémen et en Libye. Ces interventions visent également à pénétrer dans l’armée militaire et à y trouver de solides alliés, pour mener à bien leurs projets loin de ce qui peut être accepté par le peuple. Cela était évident dans les années cinquante du siècle dernier à travers la série de coups d’État dans les pays arabes.
Par conséquent, toute tentative de changement populaire contre la tyrannie est menacée par une répression sanglante, ainsi que par l’exclusivité de l’armée sur le pouvoir politique ou même par la mise en place d’un système démocratique, dont l’essence est la corruption de l’argent politique, interne à travers le contrôle des ressources ou externe. C’est également un bon test pour la conscience sociale, la culture populaire et les organisations politiques concernant l’étendue, la substance et la profondeur de leur engagement envers les institutions de l’État et leur impact sur celles-ci.

En fait, il n’y a pas de solution magique pour relever ces défis avec l’éclosion d’un « tsunami de jeunes » dans les pays arabes et le caractère unique des pouvoirs politiques qui gouvernent depuis des décennies sans se préoccuper ni de créer une entité ni d’établir une profondeur et une flexibilité pour les institutions étatiques et qui ne pousse pas le pays vers un développement économique à la hauteur des aspirations de sa population. Les voies du « jeu des nations » sont bien conscientes des faiblesses qui constituent une opportunité d’imposer une « colonisation » de type moderne. Les défis résident dans le fait que la revendication de liberté et de dignité va approfondir les différences internes et arabes, de diviser les pays, de fragmenter la région et liquider la cause palestinienne, probablement sous une nouvelle tyrannie.
(…)

«الربيع» الشعبى العربى و«لعبة الأمم»

نشر فى : الأحد 21 أبريل 2019- سمير العيطة

(…)

فالدول التى تشهد هزّات كبرى فى عقدها الاجتماعيّ تضحى عُرضةً لتدخّلاتٍ خارجيّة تلعب على تناقضاتها الداخليّة، وتحوّل «ثوراتها» إلى «مؤامرات». تأتى هذه التدخّلات بحلّة إعلاميّة وماليّة وأمنيّة و«دبلوماسيّة». ويُمكن لها، ولتصارع المصالح فى ظلّ «لعبة الأمم»، أن تدفع بهويّات فرعيّة، مذهبيّة أو عقائديّة، إلى رفع سقف مطالباتها بعيدا عن توافقٍ اجتماعيّ يُبقى على وحدة الكيان. تدخّلات تمتحن الوعى الاجتماعيّ والثقافة الشعبيّة والتنظيمات السياسيّة فى مدى عمق صلابة تمسّك الجميع بالحفاظ على الكيان الموحّد وتقديمه على المصالح أو المظالم الفئويّة مهما كانت محقّة. وواضحٌ أنّ مناعة الكيان تبقى أكبر طالما ظّلت المطالبات والتظاهرات سلميّة لم تُرَق فى سبيلها وحولها دماء تتحوّل إلى موضوع ثأرٍ قبليّ موروث.

من ناحية أخرى، تشهد تجربتا الجزائر والسودان الأخيرتان أنّ التغيير، حتّى لو كان تعبيرا عن رغبة شعبيّة جارفة، لا يُمكن أن يحدث سوى من خلال وقوف مؤسّسات رئيسيّة فى الدولة، وخاصّة الجيش، مع هذا التغيير. والتحدّى الكبير فى المواجهات بين الانتفاضات الشعبيّة والسلطة السياسيّة ومؤسسّة الجيش أنّها لا تجرى بمعزل عن التدخّلات الخارجيّة و«لعبة الأمم». إذ مهما كانت مشروعيّة وصدق المطالبات الشعبيّة فإنّ القوى الخارجيّة التى تبحث عن النفوذ ستقوم بالتلاعب فى توجهاتها إعلاميّا وعبر وسائل التواصل الاجتماعيّ. بل ستحاول دفعها نحو السلاح والحرب الأهليّة، كما حدث فى سوريا واليمن وليبيا. كما أنّ هذه التدخّلات تسعى دوما لاختراق المؤسسة العسكريّة، وإيجاد حلفاء أقوياء لها ضمنها، لتمرير مشاريعها البعيدة عموما عمّا يُمكن أن تقبله الشعوب. كان ذلك جليّا فى خمسينيات القرن الماضى من خلال مسلسلات الانقلابات التى شهدتها البلدان العربيّة.
بالتالى تواجه أيّة محاولة تغيير شعبيّة ضدّ الاستبداد مخاطر القمع الدمويّ كما مخاطر تفرّد الجيش بالسلطة السياسيّة أو حتّى الدفع نحو نمط نظام غلافه ديمقراطيّ وجوهره فساد المال السياسيّ، الداخليّ عبر السيطرة على الموارد أو الخارجيّ. هذا أيضا امتحانٌ كبير للوعى الاجتماعيّ والثقافة الشعبيّة والتنظيمات السياسيّة فيما يخصّ مدى وجوهر وعمق صلابة تمسّكهم بمؤسسات الدولة وتأثيرهم عليها.

وفى الحقيقة، لا يوجد حلّ سحريّ لمواجهة هذه التحديات مع تفجّر «التسونامى الشبابى» فى البلدان العربيّة وتفرّد سلطات سياسيّة بالحكم لعقودٍ طويلة دون أن تأبه لا بخلق منعة للكيان ولا بتأسيس عمق ومرونة لمؤسسّات الدولة ولا بدفع بلادها نحو تنمية اقتصادية تلبّى طموحات أهلها. إنّ القائمين على مسارات «لعبة الأمم» يعرفون جيدّا مواطن الضعف التى تشكّل فرصةً لفرض «استعمارٍ» من نوعٍ حديث. تحديات تكمُن فى أن تذهب المطالبة بالحريّة والكرامة إلى تعميق الخلافات الداخليّة والعربيّة وتقسيم الدول وشرذمة المنطقة وتصفية القضية الفلسطينيّة، على الأغلب فى ظلّ استبدادٍ جديد.

المقال كاملا

 

Advertisements

عن السؤال الأخلاقي للثورات العربيّة


Révolution-2

عن السؤال الأخلاقي للثورات العربيّة

عبدالله البياري  – 10 أبريل 2019

عندما أنتج الحراك الشعبي الجاري حاليًّا في السودان شعاره الفذّ: “يسقط بس”، قدّم لنا، نحن الشعوب العربية، من ضمن ما قدمه، ولا يزال، الحراك الثوري العربي من إضاءات، إجابةً على سؤال مثقفي المؤسسة/ السلطة، في ادعائهم أن الحراك الثوري العربي لم يقدم عتبة قيميةً يمكن البناء عليها، وكأن القصة هي هذا الاختزال المخلّ في عمومه، فما بالنا بالنسبة للمثقف؟ ولنا هنا أن نفصل في ذلك الأمر الكثير٠

وإذ يتناول أكاديميون ومثقفون عرب ونخب في صالوناتهم، المتعالية، أمر “الخطاب” الثوري العربي منذ 2011، ونتاجه، فإنهم يدّعون أن غياب تلك العتبة هو السبب في غياب أي برنامج سياسي وثقافي، يكفل للشعوب العربية الانتقال الديموقراطي المنشود، وهم، بهذا القول، يغفلون عن أمور بنيوية في سيرورة الثورات عمومًا، والعربية منها خصوصًا. فمثلًا، عندما طرحت الثورة المصرية شعارها “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”، كانت تقدّم عتبة قيمية أساسية، لبناء أي حراك، أو رؤى، أو مبادرات، أو حتى مشاركة تداوليّة مقبلة للثورة، كحدث وممارسة. وعليه، عندما سعت بعض النخب السياسية والفكرية إلى الالتحاق متأخرةً بركب الثورة، بعد أن مالت الكفة إليه بعد المواجهات التي عُرفت حينها، بـ «معركة الجمل»، والتي تواطآت فيها مؤسسات الدولة (العسكرية منها، طبعاً!) كانت تلك العتبة القيميّة كفيلة بتحديد ما إذا كان هذا المثقف، أو السياسي، أو هذا الحزب، أو غيره مقبولًا في زخم/ جسد الثورة، حتى أن بعضهم طُرد من ميدان التحرير، والمقام هاهنا ليس مناسبًا لذكرهم وطردهم ثانيةً٠

قد يرى بعضهم في “الطرد” أمرًا متطرّفًا، ولكن الثورة ما هي إلا فعل رفضوي حاسم متطرفٌ في أساسه، يؤسّس لقطيعة كاملة مع المنظومة السابقة عليه، وبالتالي فهي ليست ثورة إن دخلت في حالة تبادل/ تداول مع ما سبق عليها، وبالذات إذا كان هذا السابق يتضاد قيميًا وسياسيًا مع عتبة تلك الثورة، وبالذات أن كثيرين من هؤلاء الملتحقين بركب الثورة لم يفعلوا ذلك إلا بدافع حساباتٍ براغماتية، وليس دافعًا أخلاقيًا لنصرة سؤال العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وسؤال الثورة بالأساس ليس سؤالًا سياسيًا، حتى وإن تقاطع معه، فالثورة سؤال أخلاقي رمزي، قبل أن يتحوّل إلى سياسي يومي٠

قدمت هذه العتبة الأخلاقيّة الخطابيّة أساسًا لبناء فضاء قيمي متجاوز للأيديولوجيا والمأسسة، في ما يتعلق بالخطاب الثوري ومضامينه، وحتى مفاعليه التالية عليه، بل إن تلك العتبة كانت متقدّمة على مؤسسات المجتمع والثقافة، والدولة، وقادرة على احتواء التعدّد الفكري والسياسي والمجتمعي، فكان الحوار الثقافي والسياسي والممارسة الاجتماعية في فضاء/ حيز الميدان، بشكله المادي/ المكاني والرمزي/ الثوري، متقدمًا زمنيًا على الدولة والمجتمع، فلم تُر في الميدان أمراض الاجتماع السياسي والاقتصادي التي أصابت مؤسسات الدولة والمجتمع والثقافة بالتراكم في عصر الدولة المعسكر والرئيس الأب؛ فلم يكن هناك، مثلًا، تحرّش، ولم تكن ثمّة تابوهات في نقاش الخطاب الديني، ولم نر المثقف الأبوي بعباءته الوعظية، ولا أمراض التثاقف والطائفية وغيرها في الميدان، وحتى على مستوى الفنون والثقافة، فقد أنتج الميدان أدبياته وتبصراته التي جاوزت الثقافة الرسمية وديناصوراتها٠

وهنا كان على الدولة ومؤسساتها التابعة (الثقافة والمجتمع) التلاعب على هذا الأمر، ودسّ شكل ممأسس ورأسي في هذا الفضاء المتقدم عليها، بطرح منظورٍ براغماتي لتلك التعدّدية وذاك التنوع، ومفاعلي الخطاب والفاعلية الثورية، فطُرحت فكرة التعديلات الدستورية في مارس/ آذار من العام نفسه. وهنا كانت الخديعة؛ فالثورة التي انبنت أفقيًا بشكلٍ تشاركي/ تجاوري متجاوز للثنائيّات وحاوٍ لها في آن، وكانت أكثر مرونة/ سيولة في مواجهة الأيديولوجيا والمؤسساتيّة الحزبية، أصيبت بأمراض المأسسة، لتفتك بجسد الثورة، وبالتواطؤ مع أحزابٍ لا يمكن أن تعرّف ذاتها وآخرها إلا من خلال الأيديولوجيا، وفي هذا يتساوى اليسار واليمين٠

ولكن ثمة خلط أساسي هنا بين سؤالين: هل على “الثورة” أن تطرح برامج سياسيّة لتحقيق الانتقال الديموقراطي؟ وهل هي بذلك برنامج سياسي أو مؤسسة حزبية؟ أم يكفي للثورة أن تكون عتبة قيمية ومفاهيمية للفصل بين ما يبقى عليها وما سيتلوها؟ ليس الخلط وحده هو المشكل هنا، بل فضاءات الطرح أيضًا، فهذا الفضاء الثقافي والاجتماعي العربي هو الذي قامت الثورة عليه بالأساس، ولا يزال فضاءً أبويًا ومركزيًا ومتواشجًا مع الدولة (العميقة)، بل وأكثر من ذلك، هي رافده الأساسي ومطبخ متثاقفيه. لذا يغدو السؤال هنا في ذلك الفضاء، متحيزًا بالأساس، حتى لو تلبس لبوس الثقافة والنقد، فكل ديناميات النقد والطرح لديه لا تتوجه إلى المؤسسة والسلطة والدولة، ولكنها تفعل ذلك باتجاه الثورة، وكأن على الثورة إصلاح كل هذا الخراب المعرفي والثقافي والسياسي، الذي أنتج، ولا يزال ينتج، هذا المثقف وهذا الشكل المتثاقف، المهموم بالمحافظة على دونية ما يعيد إنتاج عليائه من خلالها، فيقال مثلًا، وإن بنفسٍ ثقافوي ونقدي، وهو ليس بكذلك: “ماذا قدمت الثورات العربيّة للشعوب إلا الخراب والدمار والطائفيّة والتخلف والرجعية؟ هل هؤلاء الذين نراهم على الساحة هم السياسيون الذين سيعبرون بنا إلى الديموقراطيّة؟ ألم تكن النخب السياسية الرسميّة على حق حين قالت إن شعوبنا لا تعرف الديموقراطية بعد، وأنها كنخب أخبر بها من تلك الشعوب”؟. ولا يختلف هذا الخطاب كثيرًا عن مقولة رجل المخابرات الأسبق ونائب الرئيس المخلوع مبارك في أزمته، حين قال: شعوبنا العربيّة لا تملك ثقافة الديموقراطية”، أو كما قال عبد الفتاح السيسي مرة لضيوفه من الرؤساء الأوروبيين: “لكم إنسانيتكم ولنا إنسانيتنا”٠

ليس من السهل على مثقف المؤسسة الرسمية التابعة لدولة ما بعد الاستعمار العربيّة، أو ما سميت دولة قومية/ قُطرية، أن يتفهم ما معنى “عيش، حرية وعدالة اجتماعية”، وهو لا يزال متقوقعًا داخل جسد وبنية وخطاب الدولة والنظام الذي ما لبث أن فشل في سؤال الحرية والعيش والكرامة الإنسانية. ليس على الثورات أن تقدم إجاباتٍ على أسئلة دولٍ وأنظمة ومركزيّات فشلت في السؤال السياسي اليومي، كما فشلت في السؤال الخطابي الرمزي وأخلاقيته. على هذه الأنظمة أن “تسقط بس”، بكل ما في هذا الأمر من رفضٍ وحسم، ومن ثم علينا أن نبني على تلك القطيعة الأخلاقية معها عيشا وحرية وعدالة اجتماعيّة. ونرى أن إعادة الزخم إلى الحراك الثوري العربي لا تكون بموضعة السياسي ثوريًا، إنما الأخلاقي والفكري/ النقدي ثوريًا، بكل ما يعنيه ذلك من تعالٍ على أيديولوجيا المعارضة، وثنائيات الممارسة السياسيّة، والمثقف الأب، تلك التي تستفيد منها الثورات المضادّة، ومتثاقفوها، خطابيًا. فلنخلق تداولًا ثوريًا لهذا الرفض وتلك القطيعة، يقبل التعدّد ويتداوله بل وينتجه أفقيًا، بناءً على تلك العتبة القيمية/ الأخلاقيّة، حينها سيصبح السياسي تحصيل حاصل، وإن طال الزمن، بالذات في ظل ذاكرةٍ حيةٍ للشعوب وثوراتها، دفعت أثمانها شهداء ومعتقلين ومخفيين قسريًا، وفسادًا وتطبيعًا وتطبيلًا.

القبيلة تحت الدولة أم فوقها؟


 

القبيلة تحت الدولة أم فوقها؟

ياسر أبو هلالة = 31 يناير 2019

انتعشت قوة القبيلة في العالم العربي، في ظل هشاشة الدولة وانهيار المؤسسات المدنية الجامعة. أدرك المستبدّون أنهم بحاجةٍ إلى قوة بديلة للأحزاب والنقابات، وأحيانا للدولة، تقوم بوظائفها في الرعاية الاجتماعية، وصولا إلى الحماية العسكرية. الصورة الأكثر فجاجةً كانت في السودان، عندما جند نظام عمر البشير القبائل العربية البدوية ضد القبائل الأفريقية الريفية في إقليم دارفور. قوة الجنجويد قامت بواجب الدولة بحماية الدولة من تمرّد عسكري، ولكنها لم تلتزم بدستورها وقوانينها، فأعملت السلب والنهب والاغتصاب والإحراق، في سلوك همجي أوصل حاكم البلاد إلى محكمة الجنايات الدولية.
في الأزمة الخليجية، حاولت دول الحصار العبث بورقة القبيلة، مستفيدةً من وجود امتدادٍ قبليٍّ، وتداخل ديمغرافي، بين دول الخليج. وحشدت قبائل في لقاءات عامة هدّدت وتوعدت، ويبدو أنها كانت جزءا من عمل عسكري ضد قطر، وظهرت فيديوهات توحي بذلك، مثل مسلحٍ يقول لشيخ قبلي: أعطني أمرا ولا أتوقف إلا في الدوحة. .. وسبق في المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 1995 أن جُنّد أبناء قبائل لهذا الغرض.
المفارقة أن الدول الاستعمارية كانت أذكى من المستبدّين في فهم منطق الدولة. في الأردن، مثالا لا حصراً، كان من أول التشريعات التي أصدرتها إمارة شرق الأردن في العشرينيات “قانون الإشراف على البدو”. وهو قانون عسكري يخوّل قائد الجيش (كان بريطانيا)، أو من ينيبُه، مصادرة الأموال والممتلكات، وتعيين الشيوخ وعزلهم.. وكان الهدف منه منع الغزو، وتم تحديد القبائل البدوية الغازية، ولا تزال هي أساس تعريف البدو في قوانين الانتخابات الأردنية. وإضافةً إلى القانون، تشكلت قوة البادية وحرس الحدود، وجنّد فيها أبناء القبائل، وبذلك حضرت الدولة بصفتها القوة التي تحتكر القوة المنظمة. مع ذلك، لم ينته الغزو في الأردن إلا في العام 1935. لم يكن القانون الأردني فريدا، كان ثمرة خبرة استعمارية امتدت في أرجاء العالم.
توجد مصلحة لدى المستبد في إضعاف الدولة، تحللا من القيود التي يفرضها القانون. ولذا شهدنا إحياءً للقبلية السياسية في معظم العالم العربي، وأخرجت القبيلة من فضائها الاجتماعي إطارا للتواصل والتراحم إلى فضاءٍ سياسيٍّ قائم على الاستقطاب والتناحر. على القوى الحديثة أن تخوض معركتها مع الاستبداد بذكاء، فالتصدّي للاستخدام السياسي للقبيلة، ليس استهدافا للمجتمع وأواصره وعاداته وتقاليده، بقدر ما هو حماية لها، فالدولة فوق القبيلة، وإلا تحولت كل قبيلة دولةً، ومن المهم أن تشارك القبيلة الدولة في بعض مسؤولياتها، مثل التحكيم وفض المنازعات، والتكافل الاجتماعي في الأحزان والأفراح وغير ذلك. لقد وصلنا في دولٍ عربيةٍ كثيرة إلى مرحلة الانتخابات الفرعية داخل القبيلة قبل الانتخابات العامة! وبات ذلك شائعا ومقبولا، لكنه في الواقع لم يحقق إلا مزيدا من تفكيك القبيلة الواحدة، ونقل المعارك السياسية إلى داخل الأسرة.
تجري المبالغة في تقدير قوة القبيلة، لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وكأننا في مرحلة اقتصاد الغزو، ولعل اليمن المثال الأكثر بؤسا، فالقبيلة لم تصمد أمام استبداد علي عبدالله صالح، ولم تمنع غزو الحوثي، وشهدنا كيف دمروا بيت الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر الذي كان شيخ “حاشد”، أكبر قبائل اليمن، وما أقاموا وزنا لقبيلةٍ ولا لحزب. كان من المفروض أن يحمي اليمن جيش الدولة، لا قبيلة حاشد ولا غيرها. في النهاية، نجح صالح في تحويل اليمن إلى مليشيات قبلية، ونمَى النزعات الطائفية والجهوية. واليوم يستمر التحالف السعودي الإماراتي بالنهج نفسه، وبشكل أسوأ. يشتري ولاءات قبائل، ويكون مليشيات قبلية ومناطقية على حساب الجيش الوطني.
لا مخرج للعالم العربي من المأزق التاريخي الذي يعيش فيه إلا بالعودة إلى منطق الدولة، قوة فوق الجميع على أساس الدستور والقانون والعدالة والمساواة. استخدام القبيلة سياسيا هو عودة إلى مرحلة ما قبل الإسلام، وليس ما قبل الاستعمار. عندما قامت الثورة العربية الكبرى، وحاول بعض رجال العشائر نهب دمشق، قتل منهم، كما يروي صبحي العمري، في مذكراته، أكثر من أربعين، مع أنهم كانوا من أعمدة جيش الثورة. كان العمري ضابطا عثمانيا يفهم منطق الدولة، وقتل “الثوار” حفاظا على الدولة. بعد قرنٍ، لا يبدو أن منطق العمري هزم لصالح النهب باسم القبيلة أو المذهب وما دون ذلك.

2019: لا حلّ للنزاعات وسط صراعات الكبار


2019: لا حلّ للنزاعات وسط صراعات الكبار

الجمعة، 04 يناير 2019

مع نهاية عام 2018 كثرت التساؤلات عما تحمله سنة 2019. لو اقتصر هذا التنقيب في الغيب على العرب لظلّ الأمر مفهوماً، إذ أصبحوا راسخين في كونهم ينتظرون ويتلقّون وليسوا فاعلين أو مبادرين في ما يؤثر في مستقبلهم. لكن ظاهرة التبصير والبحث عن إجابات كانت عالمية وشاملة. ثمّة عوامل عدّة جعلت تقويم العام الماضي سلبياً، منها أولاً أن التوتر هيمن على علاقات الدول الكبرى بفعل سياسات الرئيس الأميركي الذي يوزّع العقوبات في كل الاتجاهات ويدشّن أنماطاً من الحروب كان يُظَنّ أنها انضبطت وانطوت. وثانياً أن النزاعات القائمة استمرّت بل أضيفت إليها أزمات جديدة، ومردّ ذلك إلى انقسام دولي لا ينفكّ يتجذّر. وثالثاً أن تدهور الأوضاع الاقتصادية صار معضلة عامة، وراح ينعكس على الخرائط السياسية هنا وهناك، مرجّحاً ازدياد الهجرة واللجوء من الجنوب والشرق، في مقابل صعود اليمين المتعصّب في العالم الغربي.
إلى الأزمات والحروب التي علّقت عملياً الوجود الطبيعي لدول مثل سوريا، وليبيا، واليمن، وحتى العراق، وشكّلت جروحاً وسرطانات في العالم العربي، كان العام الماضي أطلّ على العرب، وهم تحت صدمة العبث بوضع القدس، كما أقدم عليه دونالد ترمب ليرضي مموّليه وناخبيه، وليسجّل في ذاكرة العرب جريمة أميركية تاريخية لا تُغتفر، ستبقى في العقول والقلوب، سواء ردّ عليها العرب أو لم يردّوا، والمؤكّد أنهم لن يفعلوا. لن ينسى أحد أن جرائم أخرى تلت هذا الحدث مع إصرار إدارة ترمب على تجويع الفلسطينيين، وتقويض مقوّماتهم المعيشية، وضرب القليل المتوفّر لديهم للطبابة والتعليم، عبر “الأونروا” وغيرها. يصحّ التساؤل هل اختلفت أهداف القرارات الأميركية كثيراً عن الصواريخ الروسية التي استهدفت مستشفيات، ومدارس، ومخابز، ومحطات كهرباء، وحتى المسعفين في مناطق عدّة من سوريا؟
للمتفائلين أن يشيروا إلى بدايات حلول في البلدان المنكوبة (لجنة دستورية لسوريا، اتفاق ستوكهولم لليمن، مؤتمر وطني وانتخابات لليبيا…) غير أن كل الحلول تتوقّف على إرادات الخارج، وعلى صراعات القوى الدولية والإقليمية. ليس واضحاً أن ثمّة فرصة إيجابية يوفّرها الانسحاب الأميركي المزمع من سوريا لإنهاء الصراع وتسهيل الحل السياسي. المؤكّد أن إيران أُدخلت في نفق طويل، وأن قدراتها مع قدرات أنصارها ستمكّنها من صمود عسكري يطيل أزمتها، ويفاقم تراجعها الاقتصادي، لكن استهدافها يمنعها من المساهمة الإيجابية في حل أي نزاع. أما تركيا التي تعرضت لاستهداف أميركي، وروسي قبل ذلك، فبات يصعب عليها الوثوق بأي “حليف”، ما يعني أيضاً أن مساهمتها في الحلول ستبقى محفوفة بالمخاطر والشروط.
لا يتفرّد العالم العربي بكونه مأزوماً وآملاً في أن تكون 2018 محطة مضت بصعوباتها. فالعالم موعود بمزيد من القرارات الترمبية، وفاءً لتعهداته الانتخابية التي ينطوي كلٌّ منها على تعدّيات وتحدّيات لا تميّز بين حليف أو صديق أو عدو. أوروبا تترقّب تطورات قضية “بريكست” وتداعياتها الاقتصادية المعروفة مسبقاً بأنها سيئة في مختلف السيناريوات سواء بالنسبة إلى بريطانيا أو الاتحاد الأوروبي. الحرب التجارية بين أميركا والصين قد تتخطّى إطار السلع والبضائع لتتحوّل إلى نمط من الحروب بالوكالة. أزمة أوكرانيا شهدت أخيراً هزّة هدّدت بتصعيد خطير، وبدا أن روسيا تتململ من مراوحة الصراع في مكانه، وتريد حسماً له بشكل أو بآخر. هذه عينة من ملفات 2019 الساخنة عدا ما يمكن أن يستجد في ظل صراع الدول الكبرى.;

مافيا الحكام العرب والوحش السوري


la-mafia-des-despotes-arabes

 

*

تحوّلات عراقية بين إفشال إيراني ومحدودية أميركية


Non-à-lingérence-iranienne-dans-le-monde-arabe

Non à l’ingérence de l’Iran dans les pays Arabes : en Irak, en Syrie, au Liban et au Yémen

يصعب على طهران أن تعترف بتغييرَين في العراق في آنٍ: من الجانب الأميركي، لكن أيضاً من الجانب العراقي. ويصعب الاعتقاد بأنها فوجئت بهما، فالمؤشّرات كانت واضحة ومبكرة، إلا أن امتلاءها بفائض الثقة بما حقّقته هيمنتها واستحواذاتها جعلها تستبسط البديهيات، وأهمها أن الأميركيين اشتغلوا على تظهير الدولة بتعزيز قواها المسلّحة، وأن المجتمع العراقي صبر طويلاً على القوى السياسية آملاً بأن تجد طموحاته ومطالبه فسحة ولو ضيّقة من اهتماماتها.

تأخّر الإيرانيون في قراءة توجّهات إدارة دونالد ترامب، بل ظنّوا أنها لن تحيد في العراق على الأقلّ عن نهجَي الإدارتَين السابقتين وركونهما إلى توافقات ضمنية وموضوعية وغير مباشرة مع طهران، أما الآن وقد أصبحت المواجهة واضحة على وقع العقوبات الأشدّ فلم يعد بإمكان الإيرانيين تجاهل الانقلاب الحاصل وبات تجنيد ميليشياتها لمحاربته، وهو ممكنٌ طبعاً، يجازف أيضاً بإفساد «مكاسب» تلك الميليشيات.

لم يكن لطهران أن تتأخّر في ملاحظة تحوّلات عراقية، ولو بطيئة، فمنذ اشتعل الغضب الشعبي في الشارع صيف 2015 كان بعضه موجّهاً صراحة ضدّها باعتبارها العرّاب الخفيّ للحُكم، لكنها استهزأت به وتجاهلته تماماً على رغم أنه/ بل ربما لأنه أنطلق من البيئة الشيعية، التي تعتبر أنه يمكن دائماً استعادتها تحت السيطرة، لا بهيبة الدولة والقانون، فإيران غير معنية بهما، بل بسطوة الدولة الموازية الممثّلة بالميليشيات.

رفض الإيرانيون عام 2014 الاعتراف بأن رجلهم نوري المالكي أخطأ بل تسبّب بكارثة لعموم العراق، إذ كانوا يعلمون أنه تصرّف طوال ولايتَيه وفقاً لنزعته الطائفية ولتعليمات قاسم سليماني، وبالتالي لا يمكن لومه على توفير كل الظروف السياسية والعسكرية لظهور تنظيم «داعش» وانتشاره. وعندما فُتح لاحقاً ملف «تسليم الموصل» إلى «داعش» قاوم الإيرانيون بشدّة اتهام المالكي وإدانته وأي تلويحٍ بمحاسبته، ذاك أنهم لم ينظروا إلى «داعش» كخطر عليهم بل كفرصة عملوا بكل الوسائل مع أتباعهم للحصول عليها، وكان الإيعاز للمالكي بطلب مساعدة الولايات المتحدة بداية استثمارهم في تلك «الفرصة» التي ستجعلهم، بفضل ميليشيات «الحشد الشعبي»، جزءاً حيوياً من المجتمع الدولي الذي يحارب الارهاب.

عندما وافقت واشنطن على التدخّل اشترطت أولاً تنحية المالكي، وثانياً إعادة تأهيل الجيش وقوى الأمن، وثالثاً إصلاح العملية السياسية وتهيئة الظروف لمصالحة وطنية. ضحّت طهران برجلها طالما أن بديله حيدر العبادي هو أيضاً من «حزب الدعوة»، وأقلقتها «اعادة التأهيل» لكنها عوّلت على اختراقاتها للقوات المسلحة ثم أنها ضغطت لجعل «الحشد» جزءاً منها بتشريع برلماني. أما «المصالحة» فلم تعدم طهران الوسائل لمواصلة تأجيلها في عهدَي المالكي والعبادي، وكانت ذرائعها تستند خصوصاً الى ضلوعها في شرذمة السنّة والأكراد، علماً بأن المصالحة ليست همّاً كردياً رئيسياً.

التدخّلان الأميركي والإيراني أصبحا بمثابة قَدَر أو حقيقة أولى للعراق، بل صار مجرّد تمنّي العراقيين الإمساك بزمام الأمور في بلدهم أشبه بـ «تدخّل» غريبٍ ومُستهجَن. كان بالإمكان دائماً أن يُهاجَم الأميركيون على خلفية الغزو والاحتلال، وأن يُتبَع ذلك بهجوم على العرب متدخّلين أو غير متدخّلين، وكان من الصعب دائماً بل من النادر انتقاد إيران على رغم أن النتائج الكارثية لتدخّلاتها تصفع الأبصار بصورٍ متعمّد نشرها لسليماني وأركان حربه العراقيين الممثَّلين في «الدولة» والمتحدّين شرعيتها والمستفزّين أبناء «وطنهم» من سائر المكوّنات.

هل تصحّ المفاضلة؟ هناك فارق بالطبع، فالإيرانيون تجاوزوا التدخّل إلى الاحتلال وجعلوا من أتباعهم قوات «احتلال ذاتي» يعملون في خدمة قوة خارجية ويساهمون في سلب دولتهم وبلدهم طموح استعادة السيادة والاستقلال، ما يمكّنهم بالتالي من إجهاض أي استنهاض للوطنية العراقية. أما الأميركيون فغدوا متدخّلين بطلب من الحكومة العراقية ولم يعودوا محتلّين بل الأهم أنهم لا يريدون ذلك، وعندما لاحت الضرورة وتوفّرت لديهم الارادة، استطاعوا أن يمدّوا الدولة العراقية بأحد المقوّمات الأساسية التي تحتاج إليها، فلولا تطويرهم قطاعات في الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية لما أمكن اقتلاع «داعش» من معاقله. وفيما بقي الدور القتالي لـ «الحشد» ثانوياً، انحصرت «بطولاته» في المناطق «المحرّرة» بالتنكيل بالمدنيين وتصفية مئات منهم بعد خطفهم. لكن هذا الدعم الأميركي يبقى محدوداً ما لم تكن هناك مواكبة عراقية حيوية لإعادة الاعتبار الى الدولة ومؤسساتها.

ولا شك في أن الشروط السياسية التي فرضها الأميركيون لمواكبة الحرب على الارهاب هي التي انعكست على خطاب حيدر العبادي وسلوكه، متّبعاً لغة رجل الدولة ومنفتحاً على الجميع وساعياً قدر الإمكان إلى رسم مسافة بين الدولة والميليشيات. كما أنه وبتشجيع من الأميركيين فتح صفحة في الانفتاح على الجوار العربي، وعلى الخط نفسه تحرّك أيضاً مقتدى الصدر وعمار الحكيم وآخرون. وبناء على هذه السياسة أمكن لبغداد أن تضع استحقاقات إعادة إعمار المناطق المنكوبة على الأجندة الدولية في المؤتمر الذي نظّمته الكويت. ومع كل خطوة كانت التساؤلات تستكشف منسوب الاستياء في طهران، فمن الواضح أنها تعادي أي انفتاح لا يكون بهندستها وبمعاييرها، كما أنها وأتباعها غير معنيين بإعادة أعمار مناطق رغبوا في رؤيتها مدمّرة، بل يعتبرون الدمار في العراق وسورية واليمن من الأدلة الدامغة لـ «انتصاراتهم».

في المقابل، فرض التدخّل الإيراني على العراق تقوقعاً وانكفاءً على ذاته، على الميليشيات التي يفرّخها «الحرس الثوري» ولا هدف لها سوى تهميش الدولة والالتفاف على سلطة القانون والتشكيك بفاعلية القوات المسلحة الشرعية في حماية نظام الحكم وأمن المجتمع، وبالتالي ترهيب المكوّنات العراقية كافةً. كانت مصالح إيران ولا تزال الهدف الأول والوحيد، كذلك تطويع العراق كلّه في خدمتها. فالميليشيات هي الذراع المنفّذة لسياسة «فرِّق تسُد» ضد السنّة والأكراد، بل ضد الشيعة أيضاً، حتى أن ولاء الميليشيات للولي الفقيه لم يشكّل لدى إيران حافزاً لمراعاة مصالح العراق. لعل المذهل كيف أن قادة الميليشيات أظهروا تعامياً مفزعاً عن مصالح بلدهم وشعبهم وحتى أبناء طائفتهم. لذا لم يكن مفاجئاً ولا صادماً أن يضرم الغضب البصراوي النار في مقار أحزابهم ثم في مبنى قنصلية الدولة التي يدينون لها بالطاعة العمياء.

ليس مضموناً أن تكون إيران وميليشياتها تلقت رسالة الشارع، إذ كانت احتجاجات 2015 الانذار الأول، والعزوف عن التصويت في انتخابات أيار (مايو) الماضي إنذاراً ثانياً، والتظاهرات منذ مطلع تموز (يوليو) الماضي إنذاراً شبه نهائي. إيران منشغلة حالياً بأزمتها الداخلية والخارجية وبكيفية استخدام أتباعها لمواجهة الضغوط الأميركية، لذلك فإن احتجاجات البصرة ومدنٍ اخرى لا تعنيها بأسبابها وتطوّراتها طالما أنها لا تنعكس على مكانة أتباعها وسطوتهم في بغداد ولا تستثير نقمة المكوّن السنّي في مناطقه والمنكوبة أو تشجّع الأكراد على التحرّك لتغيير الوقائع التي نجمت عن استفتاء الاستقلال. ومع أن قادة الميليشيات المهووسون باستمداد القوة من الرضا الإيراني يكتشفون مع كل موجة احتجاج أن لا قوى سياسية وراء الحراك في الشارع وأن ثمة في المجتمع قوّةً لم يحسبوا لها حساباً، إلا أنهم بدورهم لا يبدون استعداداً لتغيير الأولويات في البلد. فالعراقيون على اختلاف انتماءاته يفقدون إمكانات العيش نفسه بعدما فقدوا مقوّمات من العيش الكريم، أما الأحزاب والميليشيات فتتكالب على مقدّرات البلاد لأن وجودها واستمرارها ارتبط بنهش الموارد ونهبها.

البصرة العائمة على الماء والنفط، المتاخمة للأراضي الإيرانية والمتشاركة معها شط العرب، تعاني العطش والظلمة والقيظ وخطر الموت بالسموم وتدهور الإمكانات الطبّية، إضافة إلى الفقر وبطالة شبابها. إنها نموذج المنطقة المنكوبة التي لم تدمّرها الحروب بل دمّرها الإهمال وجشع السياسيين وميليشياتهم والتضخّم الاسطوري لفسادهم وأنانياتهم. لم يكن مستغرباً أن تلقي إيران بنفاياتها في شط العرب ولا أن تحوّل مجرى نهر الكارون أو تقطع الكهرباء لاستعجال دفع الفواتير، فهي تعامل المناطق العراقية المجاورة كمستعمرة عاجزة عن المطالبة بحقوقها… وقياساً إلى البصرة يمكن تقدير مدى تردّي الأوضاع في المحافظات الأخرى المنكوبة التي تنتظر جهود إعادة إعمارها، لكن مصير الأموال يتوقّف الآن على حسم الصراع الأميركي- الإيراني على الحكومة المقبلة شكلاً وموضوعاً.

Le-trio-brio-2

Le-trio-brio : Iran, Assad, Daech

!قومية زائدة… هوية ناقصة


Non-au-sectarisme

Non-au-sectarisme

قومية زائدة… هوية ناقصة

By | 18 April 2018-عن موقع صالون سورية

امـتاز الـمجتمـع السّـوري علـى امــتداد الـقرون الطّـويلة المــــــاضية بأنّـــه جمع في تركـيبته، بين عدد غير قليل من الأقليّات القومية، التي أقامت و تفاعلت مع هذا المجتمع، و حصلت على كل مكتسبات المواطن السوري، و احتفظت أيضاً إلى حدّ بعيد  بمعـظم مُميّــزات شخصيّـتها الـثّـقافيّة، رغــــم محاولات الظّهور بمظهر الثّـقافات المنصهرة و المتفاعلة بشكل كامل و منسجم مع الهويّة العربيّة الغالبة والمسيطرة على المنطقة ككلّ، و التي نحن بصدد الحديث عنها بشكل عام كونها عـاملاً مكوّناً حاضراً وأساسياً في تشكيل الهويّة السّوريّة، مـوضوع حديثنا الـيوم عـلى وجـه الخصوص .

في بداية الأمر، لا بد لنا من المرور بشـكل أوليٍّ وسريع على بعض الاصطلاحات الـمفتاحيّة، والتي سنأتي على ذكرها تكرارا فيما بعـد استذكاراً لها وصيانةً، عن أيّ لـغط أو لَـبس في المعنى قد يذهب بـنا إلى مـفهوم خاطئ، لما في ذلك من أهمّــية قُصوى في تبـيـين الهدف المراد من العبارة.

ولا أظــنّ أنّـنا نخـتلف على أنّ اصطلاح الهويّـة المُـميزة لأُمّــة دون غيرها، ينطوي على عدّة عوامل ومكوّنات مُؤسِّسة لها: كالنّسب، والدّم، والجغرافيا، واللغة، والعرق، والثّـقافة. والــمُراد بالثَّـقـافــة هنا، معنى مُغاير تماماً لما درج عليه استعـمالها. حيث أن الغالـبـيــة يُـطـلقونها اصطــلاحاً للدّلالة عـلى مــستوىً تعلــيميٍّ عالٍ، أو بحثي علميّ. بينمـا نشير إليها بصفتها مجموعة من الأعراف والـتّــقالـيـد، والأنماط السّلوكيّة، والدّلالات اللغويّة، والخبرات التراكميّة المتوارثة لمجموعة بعينها من الــتّجمعات الــبشريّة، تُــفضي إلى رسم مـلامح شخصيّة هذه الجماعة، المُميزة لها. ولا نُغفل هنا، تداخل وتقاطـع مفهوم الثقافة مع مفاهيم أخرى، كالانتماء والمواطنة الذين يمكن أن يكونا أصـيلين في الفرد أو في الأقـليّة، أو يمكن أن يكونا مُـكتسبَــين بحكم إقــامة واستقـرار الـفرد أو الأقـليّة بين الجمــاعة الأصليّـــــة، لتُـشكِّل هـذه الإصطحلات جــميعها – إضـافة إلى ما ذكرناه سابقا – مفهوم الهويّة. مع ملاحظة نقاط التّـقاطع ونقاط الافتراق فيما بينها.

وأعتقد أنّنا لا نفشي سرَّاً، إذا أشرنا إلى أزمة هوية حقيقيّـة تُــعاني منها منظومة الدّول العربيّة. فـبينما لم تنقطع أبداً الأصـوات التي تـتـغـنّى بـفرعونيّة مصر، وأمـازيغيّة بلاد المغرب، وفيـنيقيّة بلاد الشّام، نجد أن دول هذه المنظومة تقبع تحت مفهوم مسيطر يُــزاوج بين الدّين واللغة، كمكونين وحيدين للهويّة، منذ قرون طويلة.

قال د. نصر حامد أبو زيد في كتابه (النص. السلطة. الحقيقة):

لقد تحول التّراث – الذي تم اختزاله في الإسلام – إلى هويّة.

وهذا هو تماماً، مـا أود الـولوج منه إلى موضوعنا، لأعود فأنتهي إليه كـسبب هـامٍّ وأساسيّ في ضبابيّـة هويّة وانتماء شعــوب هذه المنطقة.

دعونا نتّفق أولاً، أنّه لو استقام لنا اعتماد الدّين كعامل وحيد لتحديد هويّـة شعــب ما، لـوجب عـلينا تقسيم العالم إلى عدد من الدول لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، بحسب الدّيانات الكبرى في العالم. ولـتوجّب عـلينا رفــع القبّـعة للكيان الصهيــونيّ، لأنّه كان سبّاقــــا في عنصريّته بسعيه لإقامة دولته على أساسٍ ديني!

ولو اخترنا عامل اللغة دون غيره، وجدنا أنفسنا محكومين باعتبار الدّول النّاطقة بالفرنسية في افريقيا: فرنسيّة، والـنّاطقة بالإنكليزيّة في آسيا: بريطانيّة. ولكانت الولايات المتّحدة الأمريكية مستعمرة بريطانيّة بامتياز، لاجتماع العاملين السابقين!

الإشكاليّة إذا، تكمن في ترتيب أولويّات الهويّة، وتراتب الانتماءات في الـوعي الــجمعيّ لـــدى عامّـة شعوب هذه المنطقة من العالم وخاصتها.  

فقد كـرّس الخطـاب الـدينيّ المُــتواتر لــدى هذه الـــمجتمعات رؤية مُـشوشّة غـلّبت العامل الدينيّ على كل العوامل الأخرى التي تساهم في تشكيل هويّتهم، وجعلها تفاصيل ثانويّة، تضمر أو تبرز بحسب حاجة العامل الرئيس وضروراته.

وهكذا أنتجت هذه الثّقافة صورة ناقصة عن الإنتماء، تجعل المسلم السُّنيّ أينما حلّ في العالم أقرب إلى أصحاب مذهبه، من مواطنيهم التاريخيّـين من غير المسلمين، أو حـتى المسلمين الـذين يـخالفونهم في المذهب. ولا أتكلم هـنا عن السُّـنة دون غيرهم، فقد فعلت كـل الفرق الإسلاميّة الكبرى ذلك أيضا. وصار من الطبيعيّ أن نـرى أفواج الشّـباب المسلم مُهاجراً للـجهاد والـموت على أرض غريبة لاهيَ تـعـرفـه، ولا نضاله على أراضيها سيعود بالخير عــلى وطنه ومواطنيه!

وليس ما سُّـمي بالـ (الأفغان العرب) إلا نتاجاً طبيعيّاً لـمثل هذا النمط من الفكر الدينيّ، رغم أن انتماءات هؤلاء المحليّة تعود إلى مجتمعات أحوج ما تكون إلى أبسط قواعد الديموقـراطية وحقوق الإنســان، وبالـتّالي فـإنّ دولـهم أَوْلـى بـنضالهم لـتحقيق الــعدالة الاجتماعيّة المَرجوّة.

وفي المُقام الثّـاني مباشرة، تمّ الـتّركيز على عامل اللغة، بصفتها الدّينيّة الـرّفيعة كلغةٍ للـقرآن الكــريم، والـتي تـكلّم بـها الــــسّلف الصّالح.  قد اكـتست هـذه اللـغة بثـوبٍ مـن الـقداسة والـتـنــزيه

حتى في عـلومها الـوضعيّـة، نظراً لعودة واضعيها للقياس عـلى الـقرآن الكريم باعـتباره المرجع الأول مـن مراجعها، كـما وأنها لغة أهل الجنّة في النّهاية. ولـسنا هنـا بصدد مـناقشة أحقّـيّـة هذه

اللغة وآدابها وجمالياتها، لكننا نتسـاءل عـن كـفايتها مـع عــامل الـدين في الـجّمع بين كلّ هـذه الشّعوب في أمّــة واحدة؟ وعلى الرّغم من أنّ بعض الـقبائل الـعربية قـد وصلت قـبل الإسلام إلى الجزيرة السّورية واستوطنتها، إلا أنّـنا نـجزم أن سـكّان المنطقة الأصليّين كانت لـديهم لغتهم الخاصة، ودَوّنوا تاريخهم وآدابهم بلغتهم، أو لغاتهم التي كانوا ينطقون بها.

وكان من الطّـبيعيّ بعــد ذلك كلّـه، انـتـقال المواطنة والانتمـاء إلى صفوف متأخرة فـي وعـي هـذه الــفئة الـتي تُـشكّل الشّـريحة العُـظمى من مــواطني هــذه الدول. واستـقرتا مـع غـيرهما من عوامل تأسيس الهوية – الدم والنسب والتاريخ – خلف العامِلَيْن الرئيسين في ثقافة عموم هذه الشعوب.

وفي سـوريا عـلى وجه الخصوص، تـبلورت كل أوجـه هــــذه الإشكاليّة الــوطنيّة وعلى كافة مستوياتها، في ظـلِّ واحـدة من أطـول الـحروب الـبشعة التي شهدتها الإنسانية على الإطلاق. فـظهرت واضحـة للعيان، هشاشة فـكرة القومية العربية عندما ارتفعت الأصوات مطالبة بالإنسلاخ عن المجموعة العربية، والاستعاضة عنها بتحالفات إقليمية بعد تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، وثبوت ضلـوع بعض الأنـظمة الـعربية مباشرة فيما يدور على الأرض السورية. وفي الجانب الآخر برزت النزعات التقسيمية إما على أساس ديني سلفي، يتمثل في اقتطاع مساحات من الجغرافيا السورية لإقامة دولة على أسـاس ديني، أو على أساس إقليمي قومي، كـما فـعلت بـعض الـــفئات الانفصالية الكــردية. أو بتوظيف مـباشر مــن قـــوى دولـــية وإقليمية، إنما تسعى لتحقيق مكاسب ومصالح استراتيجية لها في المنطقة. وما كان كل ذلك ليحدث، لو لم يسبقه كل هذا الإبهام والالتباس في مسألة الهوية والمواطنة والانتماء. جذر المشكلة إذا موجود وكامن لدى السوريين، وكل ما فعلته هذه الحرب أنها حرضته ودفعته إلى السطح بوضوح.

وما من دليل يشهد بصحة ما أسلفنا، أوضح من اتخاذ المساجد كنقطة لانطلاق هذه الأزمة منذ سنين خلت. مما ألبسها ثوباً دينياً، جهادياً، وصبغها بصبغة طائفية ضمن الدين الواحد، وجعلها بفضل الإعلام الداعم لها، تبدو وكأنها اقتتال بين أقلية حاكمة ظالمة، وأكثرية محكومة مظلومة! مما استقدم أصحاب هذا الفكر من كل أصقاع الأرض للدفاع عن حقوق إخوتهم في الدين (مواطنيهم الدينيين).

وخبت بسرعة، كل الأصوات التي كانت تمتلك خطاباً مدنياً علمانياً، التي كانت تغرد خارج سرب السلطة، وتراجعت لصالح الخطابات الدينية الأقوى والأغنى.

وإذا كنا لا نناقش هنا مسائل دينية أو سياسية، إلا أننا نتوخى الوضوح في تداخل هذا الفكر مع الهوية وغلبته عليها.

سوف تنتهي هذه الحرب الدائرة على الأراضي السورية بالمعنى العسكري، طال أمدها أو قصر، ولكن هل سيتمكن السوريون فيما بعد، أن يتخلصوا من آثارها على المستوى الاجتماعي والنفسي؟ هذا مرهون بسعيهم نحو إعادة ترتيب أوراقهم بشكل منطقي، لتتبلور في أذهانهم مفاهيم المواطنة والانتماء والهوية بصورة أوضح.

 

Combattant-au-nom-de-dieu-

Combattant au nom de dieu

%d bloggers like this: