لماذا تخلف المسلمون ؟


 عُظم نَسَق العلوم الشرعية وأُغلقت نسق العلوم العقلية واعتبرت علوم غير نافعة. والسبب في هذا الإغلاق هو أن الفكر الإسلامي الفقهي أقام للأسف فكرته عن العقل على أساس أن العقل بما أنه نسبي فلا بد أن يكون تابعا للنص الذي هو مُطلق. واعتبار أن العقل محدود بحدود الشرع وأن مهمة العقل هي فقط تطبيق النصوص الدينية، جعل العقل في المجال الثقافي الإسلامي محدود القيمة ومحدود الجهد كذلك لأنه لم يستطع أن يغامر بالبحث عن المعرفة خارج الإطار الديني، بما أن العقل محدود بحدود الشرع، وبما أن مهمة العقل فقط أن يدرك ما يقوله الشرع ويفسر النصوص ويسعى إلى تطبيقها، فالعقل لا يمكنه إذا أن يكتشف خارج الإطار الذي يؤطره الفكر الديني. وهكذا تخلف المسلمون على المستوي العلمي والعقلي منذ القرن الرابع. آخر رجل نادى إلى ضرورة أن ينتبه المسلمون إلى خطأئهم هو ابن رُشد قبل ثمانمئة عام، عندما قال : إن القرآن والدين يدعوان إلى إعمال العقل، بالمعنى البرهاني واستعمال العلوم العقلية. للأسف تم قمع ابن رُشد وتم إحراق كتبه وتم الانتقام منه، لأن منظومة الفكر الفقهية هي التي كانت مستحكمة  كما أن الدولة الموحدية كانت دولة تشدد ديني كبير، فطُمس صوت هذا الفيلسوف والفقيه الكبير، ولم يعرف الناس قيمته إلا في القرن العشرين٠٠٠          

 

٠«داعش» وليد حلقات التجهيل الديني


سلام الكواكبي

ربما كان هذا الفكر يحبو في اوساط ضيقة، وربما كان صداه ضعيفاً، وربما آثر التقيّة حيناً، وربما تنكّر في لبوس الوسطية أيضاً ليعبر مرحلة تاريخية، ولكنه ليس وليد الأمس القريب. ومن أسباب النشوء، يبدو جليّاً أن كل محاولات تحميل النص الديني ما ليس فيه أو اختزال القراءة الفقهية في حدود المعنى المباشر دون إعمال العقل أو المنطق أو القراءة اللغوية والتاريخية، وتحييد العلوم الانسانية والفلسفة عن فضاء القراءة والتفسير، أفضت منفردة أو مجتمعة إلى انتشار الفكر الظلامي الذي ترعرع في كنف أنظمة استبدادية ادّعت وصلا بالعلمانية. وقد ساهمت الدكتاتوريات العسكرية او المدنية، الرجعية أو التقدمية، في نموّ هذا العشب الطفيلي على سطح بحيرة العقل، وصولاً إلى حجب العقل٠

وفي مواجهة هذا «اللا» فكر، عجزت النخب الدينية والثقافية المتنوّرة عن التعبير بحرية طوال قرون. فهي مقموعة من طرف هذا أو ذاك. فعملية تطويع النص الديني لتوافق سلطة المستبد والدفاع عن مصالحه ودرء الخطر عنه وإزاحة منافسيه، كانت الشغل الشاغل لعلماء السلطان. ومن خلال هذا المسار، تم الدفع باتجاه الخضوع والخنوع المحملان في النص الديني لمن أراد أن يجدهما بعيداً عن المعايير الانسانية والاخلاقية الموجودة أيضاً٠

في كثير من الدول العربية «العلمانية»، وفي وقت قريب جداً، تم منع مفكرين، من قامة المرحومين محمد أركون ونصر حامد أبو زيد، من التعبير أمام العامة. فكرهما واترابهما كان، وما يزال، يشكل خطراً على سلطة المستبد. بالمقابل، انتشرت حلقات التجهيل الديني التي تم التشجيع عليها ظنّاً بأنها ستُشغل الناس عن طلب الأساس الذي يُخيف المستبد دائماً، وهو الحرية والحقوق٠

«داعش» والاتصالات الحديثة

لقد استفاد الفكر الداعشي في طور نموه وانتشاره من وسائل التواصل الحديثة التي اخترعها «الكفار». وطوّر أدواته التبشيرية عبر الفضائيات والانترنت. فضائيات موّلت بأموال مؤمنين، ربما صادقين، عمت قلوبهم بدع المتعممين المزيفين. وانتشرت جلسات الحض على الحقد والكراهية والترويج لشرعية التخلّص من الآخر المختلف بسندٍ ديني. كما هي ساهمت في الدفع باتجاه حصر الممارسة الدينية في أطر تسخيفية كحماية الفروج وكيفية الولوج، حتى كادت بعض هذه البرامج أن تحل مكان الفضائيات الجنسية لما حملته من رسائل حسيّة فاضحة. وجاء الانترنت إضافة ثمينة ليدخل كل الغرف المظلمة ويسيطر على عقول شبان منحرفين بحثوا عن خلاصٍ فأتاهم مجاناً وبلا أي حاملٍ أخلاقي أو روحي. واكتسحت الشبكة حمولات الكراهية والموت والشقاء. كما فطن «المبشّرون» أيضاً إلى ضرورة إشباع الكبت الجنسي، فعكفوا على تطوير خيالات ملأوها بالحوريات. تسخيٌ وتجهيل وقتل وكفر وحقد لم توقفها أية رغبة واضحة طوال عقود. فأما المتنورون، فقد قتلتهم أو غرّبتهم أنظمة مستبدة أو جماعات جاهلة. وأما المحابون، فقد ارتزقوا بالتزام الصمت. وأما الظلاميون فقد نموا كالفطر السام في رطوبة الفقر وفي عتمة الجهل٠

دور رجال الدين في المواجهة

مواجهة الجهل لا تكون بجهلٍ مماثل، أو بفرض «التوقف عن الجهل» كما سعت بعض الاتجاهات «العلمانوية» في سعي فاشل وعكسي النتيجة لفرض التنوير. مسار المواجهة طويل ومعقد ويحتاج لتضافر جهود كل المتنورين والساعين الى البناء من كل الأطراف الدينية والعلمانية. يعتمد هذا المسار على الخروج من دوامة «البيضة والدجاجة» واقتحام «المحرّمات» المفروضة جهالةً. دور رجال الدين مهم للغاية، وانفتاحهم على رجال الفكر أساسي. لتجد المجموعتان أرضية مشتركة تنقذ أجيال المستقبل من براثن الاستبداد السياسي والديني. الاعتراف بوجود المشكلة في كل أبعادها، من دون حصرها في ظاهرة عنفية إعلامية قائمة، هو البداية في محاولة إيجاد المخارج٠

 - 72 Houries- حور العين-

– 72 Houries- حور العين-

%d bloggers like this: