المبادئ فوق الدستورية المؤسسة لسورية الجديدة


Justice-et-juridiction

أنور البني

القيم العليا هي رؤية توافقية حول المستقبل تتفق فيه كل مكونات المجتمع على العيش تحت سقفها وتستلهم التاريخ والحاضر وتجارب الشعوب ليبني عليها أفق المستقبل القادم الذي نتمنى لأجيالنا العيش فيه, وهذه القيم لا تخضع لتجاذبات السياسة والإيديولوجيا بل تكون فوقها تؤسس لدولة المواطنة الحقّة ومظلة تحمي جميع المواطنين بالتساوي. وتكون بمرتبة فوق دستورية

وبالتالي فإن هذه القيم لا تخضع لرغبات الأغلبية أو الأقلية مهما كان نوعها قومية كانت أو دينية أو سياسية أو جنسية بل وفقا لإرادة الجميع لبناء دولة للجميع , بحيث لا يمكن أن تطغى أية أغلبية كانت ومهما كان حجمها ونوعها على حقوق أي أقلية مهما صغر حجمها , ويشكل ضمانة للجميع بأن حقوقهم ستكون مكفولة مهما كان شكل وحجم الأغلبية التي ستكون بالسلطة .

وحيث أن أرقى ما وصل إليه الإنسان في قوانينه الوضعية والتي لقيت إجماعا وقبولا من كل العالم هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين الملحقين به والخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالإضافة إلى المساواة بين الجنسين وحقوق الطفل ومنع التعذيب وغيرها , فمن الضروري استلهام هذه المبادئ لبناء عقدنا الاجتماعي المؤسس لسوريا الجديدة وترجمتها إلى واقع يشكل رسالة طمأنة وأمان إلى جميع أبناء الوطن بأن مستقبلهم وأولادهم سيكون أفضل في وطن للجميع.

إن هذه المبادئ التي يتضمنها القيم العليا ستكون في مرتبة عليا وقواعد مؤسسة فوق دستورية ومرجعية لأي دستور أوؤسس قوانين تنظم حياة المجتمع والدولة في سوريا , لا يجوز مخالفتها لأنها تمثل ضمير المجتمع وتحمي حقوق أبنائه من أي انتهاك .

القيم التوافقية العليا

“القواعد المؤسسة للدستور والقوانين”

1- سوريا دولة ديمقراطية تعددية مدنية غنية بتنوعها القومي والديني والطائفي تحترم المواثيق الدولية وحقوق الإنسان , وهي وحدة جغرافية سياسية ذات سيادة كاملة تعتمد مبدأ المواطنة المتساوية وهي جزء من منظومة عربية وإقليمية ودولية ترسم سياستها بما يحقق المصالح العليا للشعب السوري ويصون وحدته وأمنه.

2- سوريا دولة قانون ومؤسسات ووطن لجميع أبنائها, تحقق مبدأ فصل السلطات, جميع المواطنون متساوون أمام القانون ولهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات ولا يجوز التمييز بينهم بسبب الدين أو العرق أو القومية أو الجنس أو الرأي السياسي.

3- السيادة للشعب يمارسها عبر انتخابات ونزيهة وشفافة تعتمد على مبادئ المساواة والحرية والعمومية والاقتراع السرّي, ولجميع المواطنين حق المشاركة السياسية وتولي المناصب العامة دون تمييز والانتماء إلى المجموعات والجمعيات والأحزاب السياسية السلمية وتشكيل النقابات التي تعبر عن مصالحهم.

4- لجميع المواطنين حق الرأي والمعتقد والفكر والتعبير عن آرائهم علانية ولهم حق تداول المعلومات بحرية والتظاهر وممارسة شعائرهم بشكل سلمي ولا يجوز إجبار أي مواطن بالقسر على ممارسة أو الامتناع عن ممارسة فعل سلمي يتعلق برأيه أو اعتقاده ولا محاسبته أو التضييق عليه بسبب ذلك ولا يجوز الحض على الكراهية أو العنف بين الطوائف والأديان والقوميات أو النيل من الوحدة الوطنية.

5- لجميع المواطنين حق التمتع بالعدالة وحصوله عليها ضمن وقت معقول والتقاضي أما قاضيهم الطبيعي والسلطة القضائية يجب أن تتمتع بالاستقلالية التامة والحياد والنزاهة والعدالة باعتبارها الدرع الحامي والضامن للحريات العامة والحقوق وحق الدفاع حق مقدس لا يجوز انتهاكه وللجميع على قدر المساواة التمتع بالحماية القانونية وكل متهم برئ حتى تثبت إدانته.

6- الحياة حق مقدس وللجميع حق التمتع بالحرية والسلامة الشخصية ولا يجوز انتهاك الحياة الشخصية ولا يجوز توقيف أي شخص أو تحري مسكنه إلا بمذكرة قضائية كما لا يجوز تعريض أي شخص للتعذيب والإيذاء البدني أو المعنوي أو المعاملة الحاطّة بالكرامة الإنسانية

7- لكل المواطنين حق التنقل واختيار مكان العيش ولا يجوز إبعاد أي سوري عن بلده, ولا يجوز تحديد إقامته أو منعه من السفر إلا بقرار قضائي. ولجميع المواطنين الحق بالعمل وبحد أدنى من الأجر العادل بما يكفل له ولأسرته حياة كريمة وبظروف تضمن السلامة والصحة.

8- الثروات الطبيعية ملك للشعب لا يجوز التنازل عن ملكيتها, ولكل مواطن الحق بالتملك وتحمي الدولة الملكية المادية والفكرية, ولا يجوز نزع الملكية إلا للنفع العام ومقابل تعويض عادل.

9- التعليم والرعاية الطبية والضمان الاجتماعي والبيئة النظيفة حق لكل مواطن , والتعليم مجاني وإلزامي حتى انتهاء مرحلة التعليم الأساسي. وتعمل الدولة على تحرير المجتمع من الجوع والأمية وتوفير التنمية الاجتماعية والاقتصادية بشكل متوازن وعادل في كل المحافظات.

10- لكل طفل من أب أو أم سوريين الحق بالجنسية والنسب دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو القومية أو الجنس وعلى الدولة بمساعدة الأسرة والمجتمع حماية حقوقه واتخاذ التدابير اللازمة لحمايته.

تقوم المحكمة الدستورية العليا المكونة من قضاة وخبراء قانون مستقلين بالرقابة على انسجام الدستور والقوانين الصادرة مع هذه المبادئ وعدم مخالفتها له.

Advertisements

هل من سبيل لمعارضةٍ علمانيةٍ في سورية؟


Opposition-2

راتب شعبو
يوليو 2017/31

لم تشكل المعارضة العلمانية في سورية تهديداً لوجود نظام الأسد في أي وقت من تاريخها النضالي، ودرب آلامها الحافل بالتعذيب (حتى الموت أحياناً)، والسجن الذي لا ينتهي، والتضييق على لقمة العيش، والحرمان من أبسط الحقوق. كان تهديد النظام يأتي دائماً من جهة إسلامية، حتى أن السياسة الأمنية للنظام تجاه معارضيه العلمانيين لا تُفهم إلا بدلالة صراعه ضد الخطر الإسلامي الممكن، والذي كان وحده ما يشكل الهاجس الأمني للنظام.
يعود بطش نظام الأسد بمعارضيه العلمانيين إلى عاملين، ليس بينهما الخوف من قدرتهم على إسقاط النظام، الأول رغبته في أن تبقى الأقليات المذهبية بعيدةً عن التأطير السياسي المعارض. يدرك النظام أن العلمانيين يتغلغلون جيداً في الأقليات المذهبية، فيما يقف الإسلام السياسي على حدودها، نظراً إلى بنيته التنظيمية والفكرية الطائفية. الغرض من قمع المعارضين العلمانيين إذن ضمان ولاء الأقليات المذهبية بتطهيرها من النزعات المعارضة، على اعتبار أن هذه الأقليات ترفض الإسلاميين بداهة، ولن تقبل بهم إلا مكرهةً، فهي تشكّل، والحال هذه، ركيزةً مضمونة للنظام، حين يواجه تحدياً إسلامياً. 
قد يبدو مخالفاً لهذا القول إقدام نظام الأسد، في أوائل فبراير/ شباط 1980، مع اشتداد تهديد “الإخوان المسلمين” على النظام في حينها، على الإفراج عن المعتقلين الشيوعيين لديه دفعة واحدة، حتى من كان منهم في مرحلة التحقيق، بحركة فيها استعراضٌ، ورغبةٌ واضحة في لفت النظر. شمل ذلك الإفراج أكثر من مائة معتقل من مختلف مناطق سورية، جميعهم من رابطة العمل الشيوعي، باستثناء اثنين من الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي. لكن هذه الخطوة كانت في حقيقتها جزءاً من معركة النظام ضد الإسلاميين. فهي تنطوي على رسالة تهديدٍ بانفتاح يساري، موجهةٍ إلى الدول الخليجية الداعمة للإخوان المسلمين حينها، ورسالة إغاظة إلى إسلاميي الداخل الذين يروق لهم أن يروا العلمانيين في السجون، ولو على يد نظام يريدون إسقاطه. فضلاً عن أمله في حشد اليسار السوري مع النظام ضد “الإخوان”، وحين لم يحصل النظام على النتيجة المرجوّة من خطوته، عاد سريعاً إلى اعتقال من أفرج عنهم وملاحقتهم، ولم يكرّر هذه الخطوة لاحقاً.
العامل الثاني، توجيه رسالة ود وتطمين إلى الأنظمة الخليجية الإسلامية التي حرص نظام 

الأسد دائماً على كسب دعمها، رسالة تقول إن النظام “عادلٌ” في قمعه، فهو يضرب اليمين واليسار، الإسلاميين والعلمانيين معاً. وفيها رسالة استرضاء للإسلاميين السوريين أيضاً، تقول إن النظام يحمي المجتمع المسلم، ولا يتساهل مع العلمانيين “المتطرّفين”.
ضاعت دائماً تضحيات المعارضين العلمانيين في الهوة القاتلة بين قمع النظام والخيار الإسلامي المتربّص. لم يحقق نضالهم أي تراكم مؤثر في سياق مسعى المجتمع السوري إلى الخروج من وهدة الاستبداد والانحطاط السياسي. وعلى الرغم من أن المطلب الديموقراطي يشكل مضمون الحركة الشعبية ضد نظام الأسد، لم يتمتع الديموقراطيون العلمانيون بأي أفضليةٍ في لحظات احتدام الصراع. كل احتدام للصراع مع النظام سوف ينقلب، كما لو بقانون، ليتخذ طابعا استقطابيا محدّدا، طرفاه النظام والإسلاميون. المفارقة السورية الثابتة: الديموقراطيون في الصفوف الخلفية من قيادة حراكٍ ديموقراطي في مضمونه، فيما تتصدّر تشكيلات إسلامية مضادّة للديموقراطية هذا الحراك. 
إذا كان من السهل تفسير هذه المفارقة، فإن من العسير الخروج من أسرها. إنها مفارقة معلقة فوق رؤوس السوريين كأنها قدرٌ لا فكاك منه، ما أن ينهضوا للتغيير، وبمقدار ما يحتدم الصراع.
ماذا يمكن أن يفعل الديموقراطيون العلمانيون أمام هذه الحال؟ ما المخرج إذا كان تاريخ كامل من المعارضة الديموقراطية العلمانية لنظام الأسد يضمحل ويذوي، ويغدو بلا قيمةٍ أمام تشكيلٍ جهادي وليد؟ ما العمل إذا كانت القوة العسكرية لمثل هذا التشكيل، وما يقدّمه من مآثر قتالية ضد نظام ظالم وفاسد ومكروه، تجعل الناس معجبين، وأكثر ميلاً إلى سماع خطاب “شرعييه” ومنطقهم، من سماع خطاب ديموقراطيين علمانيين، عاجزين عن فعل شيء سوى الكلام. هذا فضلاً عن أن “الشرعيين” المسموعين يصدّون الناس عن هؤلاء العلمانيين بوصفهم كفاراً.
إذا شاء أن يحرز العلمانيون تقدماً، وأن يكون لهم تأثير وفاعلية في مجرى الصراع السياسي في سورية، عليهم التوفيق بين قدراتهم ومطالبهم، أن يدركوا أن الاستيلاء على السلطة بالعنف ليس في مقدورهم، وأن العنف سبيل مفتوح لسيطرة الإسلاميين، ولإحباط كل التطلعات العلمانية في المجتمع. 
يمكن للديموقراطيين العلمانيين السوريين أن يكونوا قادة حركة تغيير سلمي متعدّدة الأشكال، 

وهم وحدهم القادرون أن يخرجوا بمجتمعهم من وهدة الاستقطاب العقيم والمدمر بين النظام والإسلاميين. كان واضحاً التناسب الطردي بين مستوى الحضور العلماني السوري في الثورة ومستوى السلمية فيها. ولكيلا يكون سبيل التغيير السلمي مغلقاً بقوة القمع العاري اللامحدود الذي يواجه به النظام متحدّينه، على العلمانيين أن يركّزوا على النضال المطلبي المتدرج، وهذا يقتضي تشكيلاتٍ تنظيميةً غير حزبية، بمعنى أنها لا تتطلع إلى السلطة، وتعتبرها نقطة البداية. 
ربما شكّل حراك الريف في المغرب نموذجاً للتأمل، من حيث سلميته، والحرص على حماية سلمية الحراك، بمنع أعمال التخريب في الممتلكات، ومن حيث بساطة المطالب، وابتعادها عن السياسة، وملموسيتها ومعقوليتها، مثل بناء جامعة ومستشفى متخصص، وفرص عمل للشباب. وبالطبع، من حيث المثابرة والثبات وابتكار أشكال الاحتجاج بطريقةٍ تسمح بتخفيف وطأة القمع والحد من خسائر الحراك. وقد سبق أن أبدع السوريون في هذا الباب، ولكن ليس في سياق مطلبي أو سياسي محدود، بل في سياق أقصى صراع سياسي، يمكن لنظام أن يواجهه، صراع إسقاط النظام.
لا يبدو أن أمام العلمانيين في سورية، وفي البلدان المشابهة، من طريقٍ سوى البناء الصبور من الأسفل، بعد أن أثبتت التجربة الحية في بضع السنوات الأخيرة أن مقولة “كل شيء يبدأ من السلطة السياسية”، هي باب ليس فقط للفشل والنكوص، بل وللدمار العام أيضاً.

الثور

«واقعية» حال العالم: انتصار «السياسي» وموت «المثقف»


Opposition

الجمعة، ٢١ يوليو/ تموز ٢٠١٧

وائل مرزا

ثمة مشهدٌ عالمي يُظهر بوضوح تصاعد مأزق إنساني راهن، لا تلوح نهايته في الأفق القريب. في هكذا مشهد، نرى، وعيوننا ترفض التصديق، وقائع وأحداث لا يُفترض أن يسمح بها نظامٌ ثقافي وحقوقي وأخلاقي دولي، لو كان موجوداً حقاً: عالم تتحكم بمصيره، على طريقة المافيات، دولٌ و «قيادات» كبرى، سياساتٌ دولية تقوم على افتقار كامل للمنطق، اتساعٌ لدوائر التطرف والإرهاب وتغذية أسبابها بدعوى محاربتها، كمونٌ كبير لحروب مدمِّرة محتملة، إقليمياً ودولياً، مع أي خطأ، ممكنٍ دائماً، في الحسابات.

مقابل ذلك، يُطرح إغراءٌ مألوف يتعلق بالموضوع، وتُطلق نداءات تستخدمه على الدوام: ضرورة «الواقعية» عند التعامل مع ما يجري في هذا العالم. فهذا هو واقع الحال، وليس في الإمكان أحسن مما كان.

غير أن المسألة تحتاج الى تحرير، إذ تتعلق بمصير الإنسان، ومعاني إنسانيته أصلاً. تحريرٍ صارم لمعاني وشروط مصطلح «الواقعية». فهذا، وحده، ما يُخرج البشرية اليوم من المأزق النفسي والعملي الذي تجد نفسها فيه عندما يحاول إنسانها التعامل مع ذلك المصطلح، بخاصة في هذه الظروف الاستثنائية.

فالواقعية مصطلح ينبع ابتداءً من الصلة الوثيقة بالواقع، بكل عناصره وأبعاده ومداخله.

وأن تكون واقعياً يعني، أولاً وقبل كل شيء، أن تفهم الواقع حقاً. أي أن تحيط بتلك العناصر والأبعاد والمداخل التي تُكوّنهُ. ثم تستفرغ الوسع لامتلاك أقصى الشروط وأقوى الإمكانات التي تسمح لك بالتعامل مع ذلك الواقع، بما ينسجم مع مبادئك وقيمك، ويحقق مقتضياتها العملية في الحياة. هذا يتضمن، بطبيعة الحال، أن تدرك الحدود التي لا يمكن تجاوزُها، ولكن بعد أن تفعل المستحيل في فهم المداخل وإعداد وسائل استعمالها.

أكثر من هذا، من الواقعية أن تقف عند الحدود، ليس بسلبيةٍ بالغة واستسلام نهائي، وإنما بتحفزٍ وانتباه ويقظة ومتابعة لكلّ متغير. فتلك الحدود ليست صلدة على الإطلاق، وإنما تتصف بكثير من المرونة والسيولة، بحيث يمكن لها أن تتغير وتتبدل باستمرار.

أن تتحدى ما يجوز ظهورهُ، بشيءٍ من الجهد، وَهماً. وأن تحاول اختراق دوائر يُراد للبشرية أن تبدو مُغلقةً بإحكام. أن ترفض ما تعارف عليه الناس، فقط لأنه سائد. وأن تتجدد وتُبدع وتبتكر في طريقك ذاك.

تلك، باختصار، واقعيةٌ يفهمها وينطلق منها في تفكيره وممارساته من يحترم نفسه ومبادئه، ويبحث عن الاحترام في هذا العالم. وتلك منها مقتضياتٌ وشروط لا يصعب إدراكها والحركة بمقتضاها، حين يتوفر الحد الأدنى من الجدية والإرادة.

فهل يتصرف المثقفون في هذا العالم، ومعهم الحقوقيون والنشطاء والفنانون والكتاب، «التقدميون»، وفقاً لفهم الواقعية المذكور أعلاه؟ بخاصة حين يتعلق الأمر بالاهتراء المتزايد للقيم التي يؤمنون بها، وبالتجاهل المتصاعد لها من قبل أهل السياسة وأباطرة المال؟ وحين يتعلق بمحاولتهم لأداء دورهم، بتلك المعاني للواقعية، في مواجهة هذا الواقع؟ أم أن ثمة عملية استسلام كبرى يمارسونها بدعوى الواقعية؟

من هنا، يحق لكثيرين بأن يتساءلوا، في خضم الفوضى العالمية الراهنة: أين ذهبت مئات الأسماء العالمية من شرائح المثقفين والحقوقيين والفنانين التي ملأت سمع الناس وأبصارهم، وهي تتحدث عن كل المعاني التقدمية التي أرادت ترسيخها في الشرق والغرب على حد سواء؟

أين اختفى السادة الحاصلون على جوائز نوبل وغيرها، ممن كان الإعلام العالمي يحشر أسماءهم وإنجازاتهم في حلوقنا، ويُعمي بِصُوَرِهم أبصارنا، على مدى سنوات؟

وقد يكون السؤال الأكبر: أين الإعلام العالمي «الحر» الذي يعتبر نفسه نصيراً لقضايا الإنسان في كل مكان؟ والسلطةَ الرابعة التي تحمي المجتمعات من سلُطات العالم الثلاثة الأخرى، السياسية بامتياز؟

بشيءٍ من التجاوز، يمكن القول إن حال العالم اليوم تُعبر عن هزيمة منظومة الأخلاق والفلسفة والثقافة العالمية، وكل ما له علاقة بها من فنون وآداب وتعبيرات حقوقية وجمالية وإبداعية؟

يمكن تلك المنظومة المعاصرة أن تكذب على نفسها بالتأكيد.

يستطيع أهلها أن يكذبوا على الناس، ويأخذوا أبصارهم بعيداً مما يجري في العالم من مشكلات جذرية، باعتبارها، نهايةَ المطاف، أحداثاً هامشية لا يتوقف معها التاريخ.

كيف لا؟ ولمَ لا؟ وهم يؤلفون المسرحيات، وينتجون الأفلام، ويكتبون الشعر والروايات، وينشرون الكتب، ويُنظمّون المعارض، ويقدمون الجوائز، ويرسمون وينحتون ويُغنون ويرقصون في مواقع كثيرة من هذا العالم.

المخيف أن التكتيك ينجح عادةً في التاريخ البشري: بمثل هذه الطريقة يتم الهروب من علامات احتقان النظام الدولي، حتى تنفجر مشكلات الاحتقان المذكور بالجميع نهايةَ المطاف.

في مقدمة كتابه «أساطين الفكر» الذي يتحدث عن عشرين فيلسوفاً ساهموا في صناعة القرن العشرين، يعرض الكاتب والمفكر الفرنسي روجيه – بول دروا المفارقة بين الأمل الذي أثارته ثورة الثقافة في أوروبا مع نهايات القرن التاسع عشر بخصوص مستقبل البشرية، في مقابل الواقع البشع الذي فرض نفسه عليها، عملياً، خلال القرن العشرين.

«في النهاية»، يقول المؤلف، «اعتقدنا، من عصر الأنوار إلى عصر العلوم والصناعة، أن شعباً يُطور المعارف والفنون والتقنيات، يُفضي إلى تقدمٍ إنساني، وأخلاقي، واجتماعي، وسياسي. ها هنا كان الأمل الكبير: كلما أصبح البشر علماء، ازدادوا تحضراً. فهم مُسالمون بِحُكمِ ثقافتهم. الحرب العالمية الأولى هي التي بددت هذه القناعة: دمّرت أوروبا نفسها في خنادق الحرب، بتكلفة ملايين القتلى، على حين أنها كانت تُعد الأكثر تحضراً، وثقافة، وعلما، وفلسفة من سائر مناطق العالم. لقد أكد صعود النازية، والحرب العالمية الثانية، والمحرقة، أن كون المرء مثقفاً لا يمنع الهمجية. والشعبُ الأكثر فلسفةً في أوروبا – شعب كانط، وهيغل، وشيلينغ، وفيورباخ، وشوبنهاور، ونيتشه، وكثيرين آخرين – هو الذي سمح باللاإنسانية والجهل… حيثما التفتنا، لا نرى إلا مناظر الخراب… العلوم لا تكفﱡ عن اكتشاف مجالات جديدة. والتقنيات لا تتوقفُ عن صُنع سلطات جديدة. أما الشموليات والمجازر الجماعية فتُدمر السياسة والأخلاق».

صدر الكتاب بنسخته الفرنسية عام 2011، قبل أن يشهد العالَم، متفرجاً، على مدى أكثر من ست سنوات، مأساةَ في سورية لن يُكتب فقط أنها الأكبر في هذا العصر، بل إنها كانت شهادةً عملية على موت كل ما له صِلة بالتنوير الإنساني. لكن المسألة تجاوزت سورية في شكلٍ متسارع، وأصبحت تتعلق بوهمٍ يُدعى «النظام العالمي»، قد يمكن وَصفهُ بأي نعت، لكنه ليس «نظاماً» بالتأكيد.

فهل يتكرر المشهد الذي تحدّث عنه الكاتب الفرنسي خلال الشهور والسنوات المقبل؟

ثمة سيناريوات كارثية منشورة يطرحها بعض المختصين بالتفاصيل. لكنها تنزوي، على استحياء، في صفحات الكتب والمجلات العلمية، بقدرة قادر. فالوجه الآخر من هزيمة أهل النظام الأخلاقي والثقافي العالمي يتمثل في قدرة «السياسي» على تهميشهم وتهميش وعيهم في شكلٍ متزايد، إن لجهة إدراك دلالات العبَث العالمي الشامل المعاصر ابتداءً، أو لجهة البحث عن سبل مواجهة نتائجه قبل أن تؤدي إلى الفوضى الكبيرة.

هكذا يَهزم السياسي منطق الثقافة والأخلاق، وهكذا يسخر من أهلها، وهكذا يُعلن اهتراءها، ليزرع بذور عالمٍ بلا ثقافةٍ ولا أخلاق.

* كاتب سوري

 

La Tragédie humanitaire: le transferts des civils de la ville d’ALEP


Les habitants d’Alep en train de quitter leur terre

الحب والجنس تحت راية داعش


الحب والجنس تحت راية داعش العقائدية

الحب والجنس تحت راية داعش العقائدية

  Sex or Love تحت راية التوحش 

هل للرجل المنضوي في جماعات متطرفة تعمل على زرع الهلع والخوف والإرهاب في الحياة اليومية للمجتمع الذي تسيطر عليه، لفرض شرائع الغاب الإرهابية من ذبح وتدمير للحياة وللقيم الحضارية، دون رقابة أخلاقية أو رادع إنساني، على مثال ما يقوم به رجال تنظيم «داعش» من الذكور، ضد السكان الآمنين، هل يمتلكون مشاعر ود وحبّ تمكّنهم من التعبير عن عواطفهم نحو امرأة/زوجة، مخلوق مكوَّن من كتلة من المشاعر والحنان، أم أنها تبقى مجرد علاقة جسدية جنسية قائمة على إشباع رغبات غريزية شبه حيوانية تفتقد إلى مشاعر  «الـحب» بعيدة عن العشق و «المشاعر» والعواطف الإنسانية الطبيعية ؟ 

هل يجرؤ الرجل المتطرف التعبير عن عواطفه وعن مشاعر التودد للمرأة، أم أنه سبق السيف العذل، بسبب توغله في ممارسة التوحش، لتنفيذ أعماله الإجرامية التي تحتاج إلى كثير من النكران وتحجر القلوب، ليستطيع تنفيذ ما تأمره به شرائعه وعقائده الدينية الدموية ضد الإنسان ؟

هل يستطيع الرجل «الداعشي»، أثناء خلوته مع إمرأة، أن يعبر لها عما يعتمر أعماقه من مشاعر، أم أن نشوة الإجرام المرضِيّة التي تسيطر على تصرفاته بلغت منه مبلغا تمنعه من إطلاق عنان المشاعر التي قتلها بنصل سكين عقائده المتطرفة فقتلته عاطفيا قبل قتل ضحيته جسديا ؟

هل حصر دور شريكته في الحياة كأمة تسعى لبلوغ رضاه واعتبر جسدها أداة لإشباع غرائزه الذكورية يفرّغ في ثقب منيه كأي حيوان خاوٍ من المشاعر الإنسانية ليمضي بعدها إلى أعماله الإجرامية ؟

ما هو موقف امرأة قبلت الاتحاد بمتطرف اتخذ من الإجرام راية ومن ترويع البشر دينا ومن القتل عقيدة ؟ 

ما هي مشاعرها من رجل يمتلىء قلبه بالكراهية ويديه ملطخة بدماء الأبرياء باسم الدين والشريعة تحت شعار لا إله إلا الله ؟ 

هل بإمكانه أن يقول لها يوماً كلمة «أحـبّــك» ؟

هل نصدّقهم ؟ – Peut-on les croire ?


*

Peut-on les croire

Peut-on les croire ?

*

*

صراعات الهيمنة يدفع ثمنها مئات الآلاف من الضحايا


Milliards-de-dollars

Milliards-de-dollars

تسليح وحروب بتكاليف مليارات الدولارات !٠٠٠

وصمة عار على جبين الدول الهمجية والاستعمارية العالمية…

يفيد المتابعون للأحداث في الشرق الأوسط أنه لولا دعم إيران المالي لقوات بشار الأسد وحزب الله لما استطاعت الحرب الاستمرارلمدة أكثر من أربعة أعوام٠

قدّر المبعوث الخاص ستيفان دي ميستورا إنفاق إيران على دعم النظام -الفاشي- السوري بحدود ٦ مليارات دولار في العام، في حين قوّضت إدارة الرئيس أوباما وكبار المسؤولين في حكومته هذا الرقم وتحدثت بأن إيران لا تنفق إلا مبالغ زهيدة، بينما تحدثت تقارير من مصادر أخرى أن إيران تنفق من الأموال ما يفوق ثلاثة أضعاف قيمة ميزانيتها العسكرية – ما يوازي ٣٥ مليار دولار سنويا- لدعم نظام الأسد في سوريا٠

وقدّرت مصادر بأن قيمة التحويلات النفطية الإيرانية وخطوط الائتمان المالي وتكاليف الأفراد العسكريين وإعانات الأسلحة المقدمة إلى الحكومة السورية تتراوح بين ٣٫٥ إلى ٤ مليارات دولار سنويا، ناهيك عن دعمها لحزب الله اللبناني والميليشيات المقاتلة لمعارضي الأسد في سوريا حيث يتراوح هذا الدعم بين ١٥ و٢٠ مليار دولار سنويا٠

وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تعد تقديرية، إلا أنها مبالغ ضخمة تبلغ عدة «مليارات» سنويا… وهنا يحق لنا التساؤل عن عدد المرافق العامة والحدائق والمدارس والمستوصفات والمشافي ودور السينما والمسارح والمجمعات الثقافية والاجتماعية التي كان بالإمكان بنائها بهذه المبالغ الخيالية التي تنفقها الدول المارقة كإيران وأمريكا والأنظمة المستبدة وعلى رأسها نظام الأسد أو دول الخليج على أسلحة الدمار من أجل إركاع الجماهير وتطويعها، عبر القتل والتدمير والتهجير بلا رقابة أو محاسبة قانونية أو ضمير؟ ماذا سيكون عليه الأمر لو أنه تم إنفاق هذه الميارات على البناء والإعمار، وعلى نهضة شعوب المنطقة، على الثقافة والعلوم والصحة والزراعة وبناء مرافق تؤسس لحياة تحافظ على كرامة الإنسان ؟ ألم يكن الأمر سيتم بكلفة أقل؟ هل أصبحت الأخلاق قيما بالية بعيدة عن اهداف الدول المسيطرة الفاشية التي تفرض معايير عقائدها المتوحشة واللاأخلاقية لقيادة شعوب العالم ولكن نحو الهلاك ؟

%d bloggers like this: