لماذا تخلف المسلمون ؟


 عُظم نَسَق العلوم الشرعية وأُغلقت نسق العلوم العقلية واعتبرت علوم غير نافعة. والسبب في هذا الإغلاق هو أن الفكر الإسلامي الفقهي أقام للأسف فكرته عن العقل على أساس أن العقل بما أنه نسبي فلا بد أن يكون تابعا للنص الذي هو مُطلق. واعتبار أن العقل محدود بحدود الشرع وأن مهمة العقل هي فقط تطبيق النصوص الدينية، جعل العقل في المجال الثقافي الإسلامي محدود القيمة ومحدود الجهد كذلك لأنه لم يستطع أن يغامر بالبحث عن المعرفة خارج الإطار الديني، بما أن العقل محدود بحدود الشرع، وبما أن مهمة العقل فقط أن يدرك ما يقوله الشرع ويفسر النصوص ويسعى إلى تطبيقها، فالعقل لا يمكنه إذا أن يكتشف خارج الإطار الذي يؤطره الفكر الديني. وهكذا تخلف المسلمون على المستوي العلمي والعقلي منذ القرن الرابع. آخر رجل نادى إلى ضرورة أن ينتبه المسلمون إلى خطأئهم هو ابن رُشد قبل ثمانمئة عام، عندما قال : إن القرآن والدين يدعوان إلى إعمال العقل، بالمعنى البرهاني واستعمال العلوم العقلية. للأسف تم قمع ابن رُشد وتم إحراق كتبه وتم الانتقام منه، لأن منظومة الفكر الفقهية هي التي كانت مستحكمة  كما أن الدولة الموحدية كانت دولة تشدد ديني كبير، فطُمس صوت هذا الفيلسوف والفقيه الكبير، ولم يعرف الناس قيمته إلا في القرن العشرين٠٠٠          

 

Advertisements

صناعة الاستبداد


في صناعة الاستبداد

علي أنوزلا
الأربعاء 11 يونيو 2014

يعرّف عبد الرحمن الكواكبي، في كتابه “طبائع الاستبداد”، مفهوم الاستبداد بأنه “صفة الحكومة المطلقة العنان، فعلاً وحكماً، والتي تتصرف في شؤون الرعية بلا خشية حساب، ولا عقاب محققين”. وفي لغة عصرنا الحالي، يعني هذا المفهوم غياب آليات المساءلة والمحاسبة وانعدام الشفافية أو الحكامة الجيدة. وتكاد هذه الظاهرة تنقرض، إلا في عالمنا العربي ودول أخرى تعد على رؤوس الأصابع، تتقدمها كوريا الشمالية وكوبا، حيث الحاكم مقدس والشعب وجد لينخرط في كرنفالات المبايعة الجماعية، أو طقوس البكاء الجماعي عندما تفرضها الضرورة الوطنية العليا!٠

ومن يتأمل خريطة المنطقة العربية، بعد انحسار موجة “الربيع العربي”، سيجد أن أغلب أنظمتها السياسية ذات طبيعة استبدادية، تغيب فيها المحاسبة، وتنعدم عندها الحكامة الجيدة، مع استثناء واحد، مازالت معالمه قيد التشكل، هو النظام التونسي. والاستبداد الذي كان يوصف بأنه “حرفة شرقية”، أصبح اليوم “صناعة عربية” بامتياز. وهناك عدة أسباب لوجود هذه الظاهرة واستمرارها في المنطقة العربية، اختزلها الفكر السياسي العربي الذي تناول مفهوم الاستبداد وأسبابه، في أكثر من سبب، لعل أهمها ما يمكن أن نسميه “الاستبداد الديني” الذي شرعن للاستبداد السياسي، عبر قرون، في أنظمة الحكم العربية والإسلامية. فباسم الدين، تشكلت، عبر التاريخ العربي الإسلامي، ممارسات استبدادية، تقوم على أصول وقواعد أنتجها فقه الانحطاط لشرعنة عدم جواز الخروج على الحاكم، حتى ولو كان جائراً، وتبرير عدم نقده أو مساءلته، وتسويغ قبول ظلمه، والدعوة إلى الاكتفاء بالدعاء له، أو بإسداء النصيحة إليه، لدفعه إلى الاستقامة والعدل، على اعتبار أن المستبد العادل خير من السقوط في الفوضى المتربصة والفتنة النائمة!٠

هذا “الفقه” المسوغ للاستبداد التاريخي، أصبح، اليوم، صناعة قائمة بذاتها، يتم تلقينها في المدرسة، وتروجها وسائل الإعلام، وتزكيها النخب، ويتهافت عليها الشعب، أو، على الأقل، شرائح واسعة من الشعب٠

تبدأ النشأة الأولى للاستبداد في المنطقة العربية من المنظومة التعليمية التي قتلت حاسة النقد عند الناس. فالتعليم الذي يقوم على الحفظ ونبذ الشك يسد الطريق أمام التفكير والتساؤل، ويؤدي إلى الجهل والتجهيل، الذي يوفر مناخاً بيئياً، يعشعش فيه الاستبداد٠

يضاف إلى ذلك أن المدرسة العمومية تحولت، اليوم، إلى مشتل لصناعة التمايز الطبقي وتكريسه في المجتمعات العربية، وكلما كبرت شريحة الطبقات الدنيا الأقل تعليماً، أو التي تلقت تعليمها بطريقة سيئة، إلا وساهم اتساع الفوارق الطبقية في ظهور الأنظمة الاستبدادية التي تستغل الفقر والجهل والتجهيل، لتبرير استبدادها بشعوبها٠

لكن، إذا كانت هناك اليوم من ماكينة حقيقية لصناعة الاستبداد، فهي بدون منازع وسائل الإعلام التي تساهم في صناعة صورة المستبد، وتزيينها وترويجها. إنه الإعلام المضلل الذي يقوم على تزييف الحقائق، وترويج الأراجيف، وإظهار إذعان الشعب وخوفه وضعفه، كرضى وقبول وكل أنواع الرفض كعصيان وفتنة٠

وهناك دراسات نفسية حديثة كثيرة، تتحدث عن الدور السيكولوجي للإعلام في استبلاد العقول، خصوصاً إعلام البروباغندا الذي تعمل آلته على تخدير الجمهور، وتحويله إلى قطيع سهل الانقياد، فاقد للقدرة على التفكير، وجاهز لتصديق كل ما يصدر عن هذه الماكينة السحرية التي اسمها “إعلام البروباغندا”٠

إنه إعلام التخويف والتضليل الذي يلجأ إلى الكذب الصريح والترهيب والترويع والتهويل. الإعلام الذي يبني علاقة العبد والسيد بين المُرسِل والمُرسَل إليه. وباختصار، إعلام صناعة السيد وتطويع العبيد، من خلال عملية “غسل الدماغ” لحمل الناس على إطاعة السلطة، والاستسلام لتوجيهاتها والانقياد لأوامرها٠

أما المنقذ من الضلال، فهي النخب، وعندما تسقط هذه في شباك الاستبداد، يحكم المستبد قبضته حول الشعب. فالنخب التي تزين للمستبد استبداده، وتروج له بضاعته، وتسكت عن ظلمه، وتبرر للناس ضرورة خضوعهم له، تتحول إلى “بطانة السوء” التي تساهم في صناعة الاستبداد وإطالة عمره٠

لكن “مربط الفرس” يبقى هو الشعب الذي باسمه، وعليه، يُمارَس الاستبداد. فالشعوب التي ترضى بالاستبداد، وتستسلم للمستبدين، تكون شريكة في صناعة مستبديها، ومتواطئة معهم. فكل إناء بما فيه ينضح. والمثل المأثور يقول: “لا تسأل الطغاة لماذا طغوا، بل اسأل العبيد لماذا ركعوا”. وكما علمنا الكواكبي “المستبدون ﻳﺘﻮﻻﻫﻢ ﻣﺴﺘﺒﺪ واﻷﺣﺮار ﻳﺘﻮﻻﻫﻢ اﻷﺣﺮار”. وهو ما تختزله الآية الكريمة “فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين”، ويحمل فيها القرآن المسؤولية، أيضاً، لقوم فرعون، بوصفهم من “الفاسقين”. فاللهم قِنا شرّ الجاهلين والمنافقين والفاسقين. إنها الأثافي الثلاثة التي يضع فوقها الاستبداد قِدْر فساده٠

 عن موقع العربي الجديد

Victoire de la volonté du Peuple

Victoire, Dignité, Droits, Volonté, Justice, Démocratie, Liberté, Peuple

 

%d bloggers like this: