في أنه لا خيار سوى الحرية – En cela, il n’y a pas d’autre choix que la liberté


Ne-touche-pas-à-mon-peuple

Ne-touche-pas-à-ma Syrie

سمير الزبن | الخميس 12 نيسان 2018

شكل الاستبعاد من المشاركة جوهر العملية السياسية في الدول العربية، على مدى أكثر من نصف القرن المنصرم من الحياة السياسية العربية. فمن خلال استبعاد المواطنين والقوى السياسية المعارضة من المساهمة في العملية السياسية وتفاعلاتها وآليات تمثيلها، افتقدت الدول العربية أشكال التعبير السياسي المعلن عن المعارضة ضمن مؤسسات الدولة التي يحتكرها طرف واحد مستبعداً القوى الأخرى. وبحكم هذا الاستبعاد شكل الاحتقان السياسي البديل عن المشاركة السياسية، والذي أخذ في بعض الحالات شكل العنف المسلح رداً على الإلغاء السياسي للمعارضة٠

فالدولة كطرف مهيمن على العملية السياسية والاقتصادية في البلدان العربية بوصفها «المؤسسة الكلية»، سمحت في ظل غياب المشاركة السياسية، وفي ظل غياب رقابة المجتمع المدني على أداء السلطة السياسية ومحاسبتها ومعاقبتها في انتخابات نزيهة، بانتشار الفساد الذي استشرى في العديد من الدول العربية، لدرجة أن محاربته أصبحت واحداً من الأحلام المستحيلة التحقيق في ظل دولة الاستبداد ذاتها. وقد عمل هذا الفساد الذي استشرى كفساد هيكلي على تكوين شرائح اجتماعية، حولت الفساد إلى مؤسسات لها آليات عمل متماسكة وتقاليد راسخة، وعلى رأس هذه الآليات إغناء وإفقار المواطنين، وفق الولاء للسلطة السياسية٠

وأصل الفساد يكمن في تحويل مؤسسات الدولة التي يفترض أنها تؤدي خدمة عامة للجميع إلى خدمة مصالح النخب الموجودة في السلطة والى احتكار شخصي، بذلك يتحول المنصب السياسي إلى وسيلة لخدمة المصالح الشخصية، بدل أن يكون وسيلة لأداء خدمة عامة٠

في هذه الشروط افتقدت العملية السياسية قواعدها المحددة للتفاعل بين السلطة والمجتمع، بين الاقتصاد والسياسية. فعدم خضوع العملية السياسية لقواعد محددة، أو عدم الرجوع إليها لإصدار القرارات السياسية المتعلقة بمصائر الدولة والمواطنين، تركا العملية السياسية من دون آلية واضحة يتم اتباعها لتحقيق المشاركة السياسية الفعلية، باعتبار المواطن مرجعية الدولة عبر المشاركة السياسية. لكن واقع الحال في الدول العربية أن الاستبداد الذي سيطر على كل العملية السياسية والى حد كبير على كل العملية الاقتصادية، أخضعها لقواعد وشروط اعتباطية، وأول شروط هذه العملية استبعاد الآخرين من المشاركة في صنع القرار والوسيلة الأسهل لممارسها احتكار السلطة، هي الاحتكار المطلق للقرار السياسي وتحويل القوى السياسية الأخرى من شركاء في العملية السياسية إلى خدم للمستبد واعتماد آليات القمع وسيلة وحيدة لحماية النظام٠

بذلك، تم تدمير العملية السياسية بشكل نهائي وجعلها لاغية من حيث المبدأ. فالصورة التي أسفر عنها الوضع في العديد من الدول العربية عشية الثورات العربية، هي تدمير المجال السياسي باستخدام أدوات العنف، وفي الكثير من الحالات تحت شعارات وطنية، لا تجد أي مضامين حقيقية لها في التطبيق العملي لهذه السلطات الشمولية٠

وفر الربيع العربي فرصة مواتية لتجاوز الاحتقانات القائمة في الدول العربية التي انفجر فيها، وكان الوعد بإنتاج حياة سياسية عربية جديدة قد بات في متناول اليد. فقد أصبحت عملية التغيير ضرورية، ولا يمكن أن يسير العالم العربي إلى الأمام من دونها. وكانت الشرط الضروري لتغير واقع تحول إلى حالة من الاستنقاع لا خروج منه إلا بثورات شعبية تطيح، ليس السلطة السياسة وحسب، بل الواقع القائم كله أيضاً. لكن مسار الربيع العربي لم يكن سلساً، فقد تبين أن حجم الخراب والاختراق السلطوي للبنية المجتمعية أكبر مما كان متصوراً، ما عقد العملية وأدخلها في دائرة الفشل، ما جعل وعد الحرية في العالم العربي في مهب الريح٠

لقد عمل القمع الوحشي الذي اعتمدته سلطات الاستبداد لمواجهة الربيع العربي على تصاعد العنف المسلح، باضطرار الحركات الاحتجاجية للجوء إلى السلاح في مواجهة القمع الوحشي لأنظمة الحكم (الحالة السورية والليبية والى حد كبير الحالة اليمنية)، ما أدخل الأوضاع في هذه الدولة في حالة من التفكيك المجتمعي وفي حرب أهلية دموية مدمرة، وترافقت مع أوضاع اقتصادية واجتماعية يائسة تضغط بقسوة على قطاعات اجتماعية تتسع باستمرار. كل ذلك شكل بيئة ملائمة لتضخم القوى الجهادية ذات المنشأ القاعدي (نسبة إلى تنظيم القاعدة) وقد ساهمت سلطات الاستبداد نفسها في دعم هذه القوى بشكل مباشر وبشكل غير مباشر، لتصوير هذه القوى بوصفها البديل الوحيد عنها، ولتقول إنها، كسلطات مستبدة، هي أهون الشرور لأن بديلها هو تيارات الإسلام «الجهادي» الإرهابية، وأن الربيع العربي لا وجود له، وليس هناك حركات شعبية لها مطالب سياسية تتمحور حول قضايا الحرية٠

هل هذا يعني أن وعد الربيع العربي بات من الماضي؟

بالتأكيد لا، فالأوضاع الجديدة على صعوبتها تؤكد أن الحرية هي الطريق الوحيد الذي يمنح هذه الدول فرصة صناعة مستقبلها، وكل خيار آخر يذهب بها إلى ماضٍ أسود هو آخر ما تحتاجه المنطقة٠

* كاتب فلسطيني

العلاقة الروسية – الإيرانية «شر لا بد منه»٠


موسكو – رائد جبر
الإثنين، ٦ فبراير/ شباط ٢٠١٧

غدا موضوع تباين المواقف بين موسكو وطهران، الأكثر إثارة وتداولاً لدى أوساط ديبلوماسية وإعلامية في المرحلة التي أعقبت السيطرة على حلب وشهدت إعلاناً «هشاً» لوقف النار رفضت طهران التوقيع عليه، قبل أن تدفعها موسكو الى المشاركة في «تثبيته» بعد اختتام مفاوضات آستانة. وقد تكون الزيارة المنتظرة للرئيس الإيراني حسن روحاني الى روسيا أواخر الشهر المقبل نقطة تحول لتحديد ملامح تطور العلاقة التي وصفها أخيراً مسؤول روسي بأنها «شر لا بد منه»٠
وبدت العلاقة الروسية – الإيرانية ملتبسة في الشهور الأخيرة، فمن جهة تتمسك موسكو بدعم دور إيراني أساسي في المنطقة، وتسعى الى تخفيف حدة الاحتقان المتصاعد بين طهران والإدارة الأميركية الجديدة، لكن في المقلب الآخر، لم تعد موسكو تخفي استياءها من «تمادي» الإيرانيين في محاولات عرقلة الخطط الروسية في سورية، وهي تراقب بحذر مساعي الإيرانيين لـ «تثبيت» مكاسب على الأرض سياسية وأمنية واقتصادية استباقاً لرسم ملامح المرحلة المقبلة٠
ولم يعد خافياً أن روسيا تعتمد «خطاباً مزدوجاً» في تعاملها مع الدور الإيراني في سورية تحديداً، تعمل في الشق العلني منه على تأكيد احترامها مصالح طهران، ودور الإيرانيين الأساسي كطرف ضامن لوقف النار وإطلاق العملية السياسية، بينما لا تتردد خلف أبواب مغلقة بتوجيه انتقادات لاذعة لطهران، كما حصل عندما أبلغت زعيماً في منطقة الشرق الأوسط أخيراً، أن موسكو «باتت تدرك أن طهران تقوم بعمليات تطهير طائفي في بعض مناطق سورية» أو عندما أعرب ديبلوماسي روسي بارز عن «استياء روسيا من تحركات الجنرال» في إشارة الى تحركات رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني وقيامه بـ «جولات استعراضية» كان أحدثها في حلب بعد تثبيت وقف النار فيها ومغادرة المسلحين مباشرة٠
وشكلت إشارة مسؤول روسي أخيراً، الى أن «إيران تقوم بمناورات لا تنسجم مع المبادرات الروسية وتخالف قرارات مجلس الأمن» عنصراً إضافياً يبرز اتساع الهوة بين الرؤيتين الروسية والإيرانية للوضع في مرحلة ما بعد حلب٠
ومنذ البداية أدركت روسيا أن العلاقة مع الإيرانيين لن تكون سهلة، لكنها سعت الى إدارة توازنات تحالفاتها بدقة مع الأطراف الإقليمية، خصوصاً عبر التوازن الذي أقامته في علاقتها مع إسرائيل ونظام الرئيس بشار الأسد، وأيضاً مع تركيا وإيران٠
وواجه الروس مواقف صعبة أحياناً، كما حدث عندما رفض وزير الدفاع الإيراني المشاركة في جلسة محادثات مع نظيره التركي، خلال مفاوضات وزراء الخارجية والدفاع في روسيا وتركيا وإيران التي سبقت مباشرة إعلان وقف النار في حلب. وكان مقرراً أن يعقد وزراء الدفاع جلسة موازية لمفاوضات وزراء الخارجية ثم يعقد الوزراء الستة مؤتمراً صحافياً مشتركاً، لكن اعتراض الوزير الإيراني دفع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الى إجراء محادثات غير مباشرة بين الطرفين وألغى الجانب الروسي بعدها مشاركة وزراء الدفاع في المؤتمر الصحافي المشترك، كما لم توقع طهران في حينه على الاتفاق ليبقى الضامنان روسيا وتركيا وحدهما٠
وعلى رغم ذلك نجحت موسكو لاحقاً، في دفع الإيرانيين الى توقيع اتفاق تثبيت وقف النار في آستانة، في خطوة أثارت استياء أطراف معارضة اعترضت على وصف طهران بأنها ضامن للاتفاق، لكنها في الجانب الآخر ثبتت الرغبة الروسية في تحميل إيران مسؤولية لضمان استمرار وقف النار٠
وسربت موسكو أخيراً، أن بين أسباب رغبتها في تسريع عقد المفاوضات، استخدام «صمود الهدنة» في سورية بسبب وجود مخاوف من أن تسفر»استفزازات» عن انهيارها فجأة. في إشارة الى الأطراف المدعومة من جانب الإيرانيين.
وكما تبدو العلاقة مع طهران ملتبسة في سورية، فهي لها وجهان أيضاً، في العلاقة مع الإدارة الأميركية الجديدة، ومن جانب تسعى موسكو الى تخفيف الضغوط الأميركية على إيران وتحويل العلاقة مع إيران الى «عنصر» في مساومة الأميركيين، لكن في جانب آخر، لن تتردد موسكو في استخدام الضغط الأميركي على الإيرانيين لحملهم على التماشي أكثر مع المشروع الروسي في سورية٠

%d bloggers like this: