هل يحتل العراق سورية؟ – L’Irak occupera t-il la Syrie ?


Le-trio-brio-2

Le-trio-brio : Iran, Assad, Daech

غازي دحمان

5 يونيو 2017

يبدو غريباً مثل هذا السؤال، ولا يتناسق مع المنطق الطبيعي للأشياء، فالدول التي تذهب إلى احتلال غيرها ليست أي دول، بل لها سمات ظاهرة متشكّلة من فائضٍ في القوة، ومشروع استراتيجي طموح، واقتصاد متطور يبحث عن موانئ للتصدير والاستيراد وأسواق لفائض الإنتاج٠ 
ليس هذا الترف متوفراً للعراق الحالي الذي يساعده تحالفٌ دوليٌّ عريض للتخلص من احتلال “داعش” الذي وصل به الأمر إلى حد السيطرة على ما يقارب نصف مساحة العراق، ولولا عشراف آلاف الغارات الجوية لدول التحالف التي أسهمت في إضعاف بنية القوة لدى “داعش”، وتدمير خطوط إمداده، لكان “داعش” قد غيّر خريطة العراق بشكل كبير ولعقود مقبلة٠
لكن، وعلى الرغم من كل ما سبق، كان العراق يصدّر آلاف المقاتلين إلى سورية الذين انتشروا على كامل مساحة البلد من حلب إلى درعا. وعلى الرغم من انهيار الاقتصاد العراقي وعجزه عن سد الحاجات الأساسية لسكان الموصل وتكريت والرمادي، إلا أنه كان يموّل الجهود الإيرانية في الحرب السورية، وقد أشارت تقارير عديدة محايدة إلى هذا الأمر الذي لم يقف عند هذا الحد، بل لا تخفي جماعات الحشد الشعبي، وهي مليشيات يتجاوز عدد أفرادها مائة ألف، عزمها الدخول إلى سورية في وقت قريب، لمحاربة القوى المعارضة لنظام الأسد، مع العلم أن آلافاً من المقاتلين العراقيين جرى توطينهم في مناطق قريبة من دمشق، من خلال تهجير أهل تلك المناطق عنوة، كما داريا، أو منعهم من العودة إلى مناطقهم، كما جنوب دمشق وقرى القلمون الغربي٠

كيف يمكننا قراءة مثل هذه الظاهرة المتناقضة، والتي تدعو إلى الغرابة، ذلك أن الوضع الطبيعي للعراق أن ينكفئ على نفسه ويلملم شتاته، لا أن يبادر إلى الهجوم بهذه الكثافة! 

يستدعي فهم هذه الظاهرة قراءة السياق الذي يصدر عنه العراق، وهو تفكيك الدولة نهائياً، ومعها جرى تفكيك الأطر والأهداف والاستراتيجيات الدولتية، وتحوّل مركز القرار إلى خارج العراق، إيران تحديداً التي باتت تضع الأهداف، وتصنع السياسات للعراق، كما تصنع توجهاته السياسية وتصوغ موقفه وموقعه الإقليمي، في ظل وجود نخبٍ حاكمة في العراق، أقرب إلى صفة الموظفين لدى الإدارة الإيرانية، يقودهم مدراء، على شاكلة قاسم سليماني، لتنفيذ المشاريع الإيرانية٠
كما أعادت إيران صياغة الهوية العراقية، واستبدلت الهوية العربية بالهوية الشيعية، مستغلةً مرحلة الاضطرابات التي عانى منها العراق بعد الاحتلال الأميركي، وتصدّع الهوية الوطنية، ودخولها في مرحلة فراغ، ما سمح لإيران بتشكيلها على مقاسات مشروعها في المنطقة، وخصوصاً في جزئية السيطرة على سورية، حيث تنتشر مقامات آل البيت التي ستستدرج عشرات آلاف الشباب العراقي، المتشكّلة عقيدته على الفداء والثأر، والعدو واضح ومعلوم “شعب سورية الثائر على الأسد”٠
تشكّل سورية حيزاً مناسباً لتصريف الطاقة العراقية المتفجرة، بل ربما تبدو المنفذ الوحيد لاستيعاب الزخم العراقي، إذ على الرغم مما يشاع عن إجراءات أميركية لتقطيع أوصال المشروع الإيراني، فإن عدم وجود استراتيجية فاعلة في هذا الخصوص، يجعل الأمر برمّته يتحوّل إلى محفّز جديد للاندفاع العراقي صوب الحيّز السوري٠
هذا الافتراض تؤهله حقيقةُ أن أدوار الوكلاء على الأرض في الحرب السورية هي الفاعلة، وذلك كونهم يشكلون أوراقاً يمكن المغامرة بها، فيما لا يجرؤ المشغّلون على الظهور المباشر، ربما لحساب ما قد يرتبه ظهورهم من استحقاقاتٍ، أو ما يستدعيه من صداماتٍ مباشرة، يسعى اللاعبون الأساسيون إلى تجنبها٠
وثمّة عوامل داخلية “سورية” تشجع حصول الاحتلال العراقي لسورية، فنظام الأسد الذي لا حول ولا قوة له لن يكون منزعجاً من الاحتلال العراقي، ما دامت بغداد تموّل خزينته الفارغة، وما دام العنصر العراقي يؤمن له الكادر الذي يواجه خصومه، بعد أن استنزفت الطائفة العلوية (قُتل حوالى 150 ألفاً من شبابها)٠
كما لا يجب إنكار حقيقة وجود بيئة مساندة للاحتلال العراقي لسورية، بعد نجاح الدعاية الإيرانية بأن أذرعها “الحشد الشعبي وحزب الله” هم حماة الأقليات في سورية والعراق، وخصوصاً المسيحيين، وقد كانت لافتةً زيارة وفد من حركة النجباء العراقية الأسبوع الماضي، الأب لوقا الخوري معاون البطريرك لبطركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، الذي أشاد بدور المقاومة الإسلامية وحركة النجباء في سورية، وخصوصاً في منطقة محردة في الدفاع عن المسيح وتحرير مناطقهم من يد الإرهاب. وزار الوفد مدينة السويداء، واستقبلهم شيخ العقل لدى الطائفة الدرزية، حكمت الهجري، الذي أشاد بدور الحركة في سورية في تحقيق الانتصار٠

وعلى الرغم من الظاهر الفوضوي للقوة العراقية، إلا أنها تعمل وفق خطةٍ، هدفها حصار التجمعات السنية، وعزلها في العراق وسورية، وعزلها عن الأردن والعمق الخليجي، ولاحقاً عزلها عن تركيا، بما يضمن عدم وجود كتلةٍ مقابلةٍ قادرة على الدفاع عن نفسها أو مقاومة هذا الزحف على سورية، ما يعني أن هذه القوى تعمل وفق استراتيجية منسقة ومنظمة، تحصد نتائجها عشرات السنين المقبلة٠
هل يحتل العراق سورية؟ كلّما طال عمر نظام الأسد، وغرقت الدول العربية بالخلافات الجانبية، واستمرت أميركا بممارسة الضجيج الفارغ، بتنا نقترب من عتبة مثل هذا الاحتمال، وصحيح أن العراق دولةٌ غير مؤهلة لإنجاز هذه المهمة، لكن لديه طاقات هائلة، تبحث عن مشغّل لها، وإيران التي مارست التنويم المغناطيسي على العراق تعرف بحرفية هائلة أزرار تشغيل هذا الكيان المشحون بطاقة كبيرة، وتضع له خريطة مسار صوب المقامات المقدّسة٠

https://www.alaraby.co.uk/opinion/2017/6/4/هل-يحتل-العراق-سورية-1

corvides--tm

إيران و «حشدها» في الفلّوجة: نموذج لإعادة إنتاج الإرهاب


عبد الوهاب بدرخان

الحياة-٣٠ حزيران ٢٠١٦

20120707-Syrie-liberté-justice-démo

Cibles des forces économiques mondiales

القوات العراقية تدخل الفلّوجة، تطرد تنظيم «داعش» من حيّ تلو آخر. حيدر العبادي يقول: اخرجوا واحتفلوا… نعم، كان يجب أن يستحقّ الأمر احتفالاً بخسارة الإرهابيين واحداً آخر من معاقلهم، لولا عشرات السقطات والانتهاكات التي رافقت المعركة طارحةً عشرات الأسئلة لعل أبسطها/ أخطرها: «داعش» هُزم لكن مَن انتصر، إيران أم العراق، أهو الجيش العراقي أم ميليشيات «الحشد الشعبي»، أهو عراق قاسم سليماني أم عراق العبادي، وهل من تمايز حقيقي بينهما؟ وإذا سئل العبادي فإنه لن يستطيع أن يشرح بشفافية أين موقع الجيش الحكومي على الخريطة، وما الفارق بين هذا الجيش والميليشيات، ومَن هم الذين يدعوهم إلى الاحتفال: أهم العراقيون جميعاً سنّة وشيعة كما يُفتَرض، أم الشيعة وحدهم كما يُظهر المزاج الدعائي العام؟
في السياق نفسه، عُهدت إلى «قوات سورية الديموقراطية» مهمة اقتلاع «داعش» من شمال شرقي سورية. وكلما تقدّمت هذه القوات لتدخل منبج وتضرب الخط الأمامي الذي أقامه التنظيم دفاعاً عن الرقّة، كلما سهل القول إن أكراد «حزب الاتحاد الديموقراطي» هم الذين يخوضون المعارك، وهؤلاء يجدون أن قتالهم من أجل أراضٍ يجعلها من «حقّهم» ويوسّع إقليمهم، وبالتالي فإن من شأنهم تكريد أسماء المناطق «المحرّرة» – كما لو أنها مقفرة وغير مأهولة منذ زمن – وضمّها إلى «فيديراليتهم»/ إقليمهم، في ظلّ انتفاء جهة ذات شرعية مخوّلة تسلّمها منهم. عدا أن هذا النهج يكرّر مسلك العصابات الإسرائيلية في فلسطين حتى في تفاصيله، فإنه يجعل «تحرير الرقّة» أقرب إلى عقلية «داعش» حين اعتقد أنه يستعيد عصر الفتوحات الإسلامية.
الخلاص من «داعش» وحرمانه من مناطق سيطرة يتحكّم بأهلها ومواردها وتراثها ومستقبلها، وبالتالي القضاء عليه… تلك أهداف لا ينقضها أي عاقل، ولا تحتمل الجدل أو أنصاف الحلول. لكن هل هي فعلاً أهداف الولايات المتحدة وروسيا وإيران، وهل لديها مصلحة في تحقيقها، وطالما أنها منخرطة في هذه المعمعة فهل تعمل حالياً على إنهاء هذه الحال الإرهابية إلى غير رجعة؟ لا الدرس الأفغاني أفاد الروس ثم الأميركيين بعدهم، ولا الدرس العراقي علّم الأميركيين شيئاً آخر غير كذبة «التدخّل بعدم التدخّل» إلى حد تعمّد العمى، تجنّباً لرؤية الدور الإيراني، ليس فقط بالتدخّل الذي أصبح الآن بالغ الفجور والعلنية، بل خصوصاً في تصنيع تلك الحال الإرهابية التي يدّعي المتدخلون أنهم إنما جاؤوا لتخليص العالم من شرورها.
لكنهم يعتمدون جميعاً على ميليشيات لا فارق بين تعصّباتها ولا بين ارتباطاتها أو أجنداتها. ردّد الروس والأميركيون دائماً أن أساس «تفاهماتهم» الحفاظ على الدولة والمؤسسات في سورية، لكنهم عجزوا عن أي «تفاهم» في الوقت المناسب، أي عندما كان ذلك ممكناً قبل أربعة أو حتى ثلاثة أعوام. والأخطر أن الروس والأميركيين تغاضوا عن النظام السوري وحلفائه الإيرانيين حين راحوا يجهّزون البيئة لاجتذاب الإرهابيين، بل كانوا يحذّرون جميعاً من تفشّي الإرهاب، لكنهم فعلوا كل ما يلزم لتسهيل استشرائه. كانت الطرق أمام الدواعش تُفتح تحت كل الأنظار، وتسهيلات دخولهم الرقّة ومركزها الحكومي تتم بعلم الجميع، والتنسيق بين «داعش» وأكراد «الاتحاد الديموقراطي» أو حل خلافاتهم ووقف اشتباكاتهم تتولاها أجهزة نظامي دمشق وطهران وبعلم من استخباريي موسكو وواشنطن… كل ذلك معروف على رغم استمرار التعتيم الإعلامي عليه، فمَن يصدّق أن هذه الأطراف باتت تريد محاربة الإرهاب ما دامت مسؤوليتها عن وقوع المحظور ثابتة ومؤكّدة؟
كان يمكن للأداء أن يكون أفضل في العراق، مع كل التحفّظ ومن دون أوهام، فللمرء أن يتساذج فيقول إن هناك حكومة، لئلا نقول دولة وأن هناك جيشاً، وأن الاميركيين أسياد الجو في العراق (كما هم الروس في سورية) أعلنوا مراراً أنهم لا ينسّقون مع الإيرانيين ولا يدعمون معارك تخوضها أو تشارك فيها ميليشيات منفلتة، خصوصاً أن سوابق ديالى وتكريت برهنت أن عصابات الطائفيين الموتورين متشبّعة بعقيدة لا تختلف عن تلك «الداعشية» إلا في بعض التفاصيل. غير أن الوقائع بيّنت أن «عدم التنسيق» عنى أن يقوم الأميركيون بما يناسبهم، كذلك الإيرانيون وميليشياتهم، حتى لو أدّى ذلك إلى تشويه الأهداف المتوخاة من عملية «التحرير». وفي حال الفلّوجة كان ينبغي التحوّط لـ «الثأرية» التي ضاعفت هوس زعماء الميليشيات وجاءت بقاسم سليماني وتوصيات المرشد، فهؤلاء يعتقدون أنهم أجادوا إدارة الدولة في العراق وأن هذه المدينة هي التي أفشلت تجربتهم، ولذلك أرادوا الانتقام من سكانها.
لكن، أي رسائل بُعثت وتُبعث من خلال عمليات «التحرير»، وهل تختلف إذا كان «داعش» مرسلها أو أي طرف آخر؟ أولى الرسائل أن مصير المدن هو الدمار، والثانية أن مآل أهلها المهانة، وثالثتها أن مَن يحرّرها ويحرّرهم هم الذين تسبّبوا أصلاً بوجود «داعش» واستفادوا من دخوله في الذهاب ويستفيدون من إخراجه في الإياب. ولا شك في أن نموذج «تحرير» الفلوجة كان صارخ الشذوذات واللاانسانية. أكثر من ثمانين في المئة من أهلها خرجوا بعد سيطرة «داعش» عليها، وشارف من بقوا فيها على المجاعة منذ شهور طويلة، ومع اندلاع المعركة لم يتوقّع أحد أن يُستقبل الهاربون منها بالترحيب والحفاوة الأخويين، لكن ما لم يبدُ مفهوماً بأيّ معيار أخلاقي أن تمتنع الحكومة ومنظمات الأمم المتحدة عن توفير أبسط الإغاثات المتوقّعة وأن تمنع الميليشيات هيئات عراقية محلّية من تقديم أي مساعدة. تُرك المسنّون والنساء والأطفال أياماً في العراء من دون غذاء أو ماء أو دواء أو اسعافات. أما الرجال فاقتيدوا إلى معسكرات اعتقال ليصبح مئات منهم في عداد «المفقودين» ويُعرَّض مئات آخرون للتعذيب والسحل والتنكيل ويُجبَروا على ترديد شعارات «شيعية» من قبيل تحقيرهم، وأن يتعمّد جلادوهم/ «مواطنوهم» المفترضون تصوير كل ذلك وتعميمه… فهذه هي الرسالة التي أرادها الإيرانيون أن تصل أبعد من الفلوجة وأهلها، ومن خلالها يقولون مع نوري المالكي وهادي العامري وقيس الخزعلي وأوس الخزاعي وغيرهم من أتباع إيران ومجرميها أن لا عيش ولا تعايش مع سنّة العراق بعد اليوم. «داعش» لم يكن سوى الوسيلة والذريعة.
يُقال الكثير الآن عن أن تحرير الموصل، وربما منبج والرقّة، سيكون «نموذجاً» في مراعاة المدنيين، فهل سيُعتمد على الذين ظهروا بزيّ عسكري وهم ينكّلون بالفلوجيين أم على الأكراد الذين نظّموا عراضة الجثث في عفرين السورية. لم يبالغ بعض المحللين إذ تحدّث عن محنة السكان بين جحيم «داعش» وجحيم محرِّريهم منه. فهذا «تحرير» يتحوّل في مجرياته مصنعاً لإعادة إنتاج الإرهاب، فلا الحملة الجويّة بدت مجدية في المدى المنظور ولا الحملة البرّية تبدو أكثر فاعلية في المدى البعيد. قد يساهم كلاهما في ضرب «داعش» وإخراجه من المدن، لكن ما يرافقهما من ممارسات يأتي بنتائج عكسية، ويكفي التفكير في اتجاهات ثلاثة لتقدير الموقف: أولاً بالجيل الذي ينطبع وعيه بالمهانة التي يتعرّض لها مع أهله وبـ «لعبة العنف» الوحيدة المتاحة أمامه. وثانياً بالصراعات المذهبية (سنّة – شيعة) أو القومية (عرب – كرد) التي باتت محاربة الإرهاب منفذها لتحديد المنتصر والمهزوم بغضّ النظر عن مدى إرهابية هذا الطرف ووحشية ذاك. وثالثاً بالنتائج السياسية الآخذة في الارتسام، وفقاً لأجندات القوى الدولية وأهوائها، سواء بالظروف التي يوفّرها الأميركيون والروس لإيران كي تقطف ثمار سياساتها العدوانية والتخريبية في العالم العربي وحتى بمكافأتها بمحاربة إرهاب صنعته ورعته، أو بالتغييرات الجغرافية التي يستعدون لبنائها على إحباطات تاريخية عربية إضافية لمعالجة إجحاف تاريخي عومل به الأكراد قبل مئة عام وجعلهم اليوم أول المطالبين بتقسيم العراق وسورية.

%d bloggers like this: