حالة حصار


 

Etat-de-siège

 

قصيدة حالة حصار

، هنا
، عند مُنْحَدَرات التلال 
، أمام الغروب وفُوَّهَة الوقت 
، قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِ
، نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ 
: وما يفعل العاطلون عن العمل
نُرَبِّي الأملْ ٠

، بلادٌ علي أُهْبَةِ الفجر. صرنا أَقلَّ ذكاءً 
: لأَنَّا نُحَمْلِقُ في ساعة النصر
لا لَيْلَ في ليلنا المتلألئ بالمدفعيَّة٠
أَعداؤنا يسهرون وأَعداؤنا يُشْعِلون لنا النورَ
في حلكة الأَقبية٠

هنا، بعد أَشعار أَيّوبَ لم ننتظر أَحداً٠٠٠

هنا، لا ((أَنا))
هنا، يتذكَّرُ آدَمُ صَلْصَالَهُ

سيمتدُّ هذا الحصارُ إلي أن نعلِّم أَعداءنا
نماذجَ من شِعْرنا الجاهليّ٠

أَلسماءُ رصاصيّةٌ في الضّحي
بُرْتقاليَّةٌ في الليالي. وأَمَّا القلوبُ
فظلَّتْ حياديَّةً مثلَ ورد السياجْ٠
في الحصار، تكونُ الحياةُ هِيَ الوقتُ
بين تذكُّرِ أَوَّلها
ونسيانِ آخرِها٠٠٠

الحياة٠
، الحياة بكاملها
، الحياة بنقصانها
تستضيف نجوماً مجاورة
لا زمان لها٠٠٠
وغيومها مهاجرة
لا مكان لها٠
والحياة هنا
: تتساءل
كيف نعيد إليها الحياة

: يقولُ علي حافَّة الموت
: لم يَبْقَ بي مَوْطِئٌ للخسارةِ
حُرٌّ أَنا قرب حريتي

وغدي في يدي٠٠٠
سوف أَدخُلُ عمَّا قليلٍ حياتي
، وأولَدُ حُرّاً بلا أَبَوَيْن
وأختارُ لاسمي حروفاً من اللازوردْ٠٠٠
(…)

لا صديً هوميريّ لشيءٍ هنا٠
فالأساطيرُ تطرق أبوابنا حين نحتاجها٠
لا صديً هوميريّ لشيء٠٠٠

هنا جنرالٌ يُنَقِّبُ عن دَوْلَةٍ نائمةْ
تحت أَنقاض طُرْوَادَةَ القادمةْ

يقيسُ الجنودُ المسافةَ بين الوجود

وبين العَدَمْ
بمنظار دبّابةٍ٠٠٠

نقيسُ المسافَةَ ما بين أَجسادنا
والقذائفِ بالحاسّة السادسةْ٠

، أَيُّها الواقفون علي العَتَبات ادخُلُوا
واشربوا معنا القهوةَ العربيَّةَ
قد تشعرون بأنكمُ بَشَرٌ مثلنا
أَيها الواقفون علي عتبات البيوت
اُخرجوا من صباحاتنا،
نطمئنَّ إلي أَننا
! بَشَرٌ مثلكُمْ

(…)

نحب الحياة غداً
عندما يصل الغد سوف نحب الحياة
كما هي، عادية ماكرة
، رمادية أو ملونة
لا قيامة فيها ولا آخرة٠
وإن كان لابد من فرح
فليكن
! خفيفاً على القلب والخاصرة
فلا يلدغ المؤمن المتمرن
! من فرح … مرتين

(…)

الضباب ظلام، ظلام كثيف البياض
تقشره البرتقالة والمرأة الواعدة

، وحيدون، نحن وحيدون حتى الثمالة
لولا زيارات قوس قزح

هل نسيء إلى أحد؟ هل نسيء إلى
، بلدٍ، لو أصبنا، ولو من بعيد
ولو مرة، برذاذ الفرح؟

الحصار هو الانتظار
هو الانتظار على سلم مائل وسط العاصفة

لنا أخوة خلف هذا المدى
أخوة طيبون، يحبوننا ، ينظرون إلينا
: ويبكون، ثم يقولون في سرهم
” ليت هذا الحصار هنا علنيّ٠٠٠”
ولا يكملون العبارة: ” لا تتركونا
وحيدين… لا تتركونا”

القنابل لا تستعين بكسرى
، ولا قيصر، طمعاُ بالخلافة
فالحكم شورى على طبق العائلة
ولكنها أعجبت بالحداثة
فاستبدلت
بطائرة إبل القافلة

، سأصرخ في عزلتي
لا لكي أوقظ النائمين٠
ولكن لتوقظني صرختي
! من خيالي السجين

(…)

، هنا تتجمع فينا تواريخ حمراء
سوداء. لولا الخطايا لكان الكتاب
المقدس أصغر. لولا السراب لكانت
خطى الأنبياء على الرمل أقوى، وكان
الطريق إلى الله أقصر
فلتكمل الأبدية، أعمالها الأزلية٠٠٠
أما أنا، فسأهمس للظل: لو
كان تاريخ هذا المكان أقل زحاماً
لكانت مدائحنا للتضاريس في
! شجر الحور.. أكثر 

خسائرنا: من شهيدين حتى ثمانية
كل يوم،
وعشرة جرحى
وعشرون بيتاً
، وخمسون زيتونة
بالإضافة للخلل البنيوي الذي
سيصيب القصيدة والمسرحية وللوحة الناقصة

نخزن أحزاننا في الجرار، لئلا
يراها الجنود فيحتفلوا بالحصار٠٠٠
نخزنها لمواسم أخرى،
لذكرى،
، لشيء يفاجئنا في الطريق
فحين تصير الحياة طبيعية
سوف نحزن كالآخرين لأشياء شخصية
، خبأتها عناوين كبرى
فلم ننتبه لنزيف الجروح الصغيرة فينا٠
غداً حين يشفى المكان
نحس بأعراضه الجانبية

في الطريق المضاء بقنديل منفى
: أرى خيمة في مهب الجهات
، الجنوب عصي على الريح
، والشرق غرب تصوّف
والغرب هدنة قتلى يسكّون نقد السلام٠
فليس بجغرافيا أو جهة

! إنه مجمع الآلهة

(…)

قالت امرأة للسحابة: غطي حبيبي
! فإن ثيابي مبللة بدمه

إذا لم تكن مطراً يا حبيبي
كن شجراً
مشبعاً بالخصوبة … كن شجرا
وإن لم تكن شجراً يا حبيبي
فكن حجراً
مشبعاً بالرطوبة.. كن حجراً
وإن لم تكن حجراً يا حبيبي
فكن قمراً
في منام الحبيبة… كن قمراً
(هكذا قالت امرأة
لابنها في جنازته )

إلى ليل: مهما ادعيت المساواة
” كلك للكل “… للحالمين وحراس
أحلامهم، فلنا قمر ناقص، ودم
لا يغير لون قميصك يا ليل ٠٠٠

نعزي أبا بابنه: ” كرم الله وجه الشهيد “
وبعد قليل، نهنئه بوليد جديد ٠

إلى الموت : نعرف من أي دبابة
جئت. نعرف ما تريد… فعد
ناقصاً خاتماً. واعتذر للجنود وضباطهم،
قائلاً: رآني العروسان أنظر
نحوهما، فترددت ثم أعدت العروس
! إلى أهلها… باكية 

إلهي… إلهي! لماذا تخليت عني
وما زلت طفلاً … ولم تمنحني؟

: قالت الأم
لم أره ماشياً في دمه
لم أر الأرجوان على قدمه
كان مستنداً للجدار
وفي يده
كأس بابونج ساخن
ويفكر في غده ٠٠٠

(…)

أيها الساهرون! ألم تتعبوا
من مراقبة الضوء في ملحنا؟
ومن وهج الورد في جروحنا
ألم تتعبوا أيها الساهرون ؟

واقفون هنا. قاعدون هنا. دائمون هنا٠
: خالدون هنا. ولنا هدف واحد واحد
أن نكون.
: ومن بعده نحن مختلفون على كل شيء
على صورة العلم الوطني
ستحسن صنعاً لو اخترت يا
شعبي الحيّ رمز الحمار البسيط
ومختلفون على كلمات النشيد الجديد
ستحسن صنعاً لو اخترت أغنية عن زواج الحمام
ومختلفون على واجبات النساء
ستحسن صنعا لو اخترت سيدة لرئاسة أجهزة الأمن
، مختلفون على النسبة المئوية، والعام والخاص
: مختلفون على كل شيء. لنا هدف واحد
أن نكون٠٠٠
ومن بعده يجد الفرد متسعاً لاختيار الهدف

عميقاً ، عميقاً
يواصل فعل المضارع
أشغاله اليدوية،
في ما وراء الهدف ٠٠٠

: قال لي في الطريق إلى سجنه
عندما أتحرر أعرف
أن مديح الوطن
كهجاء الوطن
مهنة مثل باقي المهن

بلاد على أهبة الفجر،
أيقظ حصانك
واصعد
خفيفاً خفيفاً
لتسبق حلمك،
واجلس _ إذا ما طلتك السماء _
على صخرة تتنهد

كيف أحمل حريتي، كيف تحملني؟ أين
تسكن من بعد عقد النكاح، وماذا
أقول لها في الصباح: أنمت كما ينبغي
أن تنامي إلى جانبي؟ وحلمتِ بأرض السماء؟
وهمتِ بذاتك. هل قمتِ سالمة من منامك
هل تشربين معي الشاي أم قهوة بالحليب؟
وهل تؤثرين عصير الفواكه، أم قُبلي؟
! كيف أجعل حريتي حرّة ؟ يا غريبة 
لستً غريبك. هذا السرير سريرك. كوني
إباحية، حرة، لانهائية، وانثري جسدي
زهرة زهرة بلهاثك. حريتي! عوديني
عليك. خذيني إلى ما وراء المفاهيم كي
! نصبح اثنين في واحد
كيف أحملها، كيف تحملني، كيف أصبح سيدها
وأنا عبدها. كيف أجعل حريتي حرّة
دون أن نفترق؟

قليل من المطلق الأزرق اللانهائي
يكفي
لتخفيف وطأة هذا الزمان
وتنظيف حمأة المكان

سيمتد هذا الحصار إلى أن
نقلم أشجارنا
بأيدي الأطباء والكهنة

سيمتد هذا الحصار، حصاري المجازي،
: حتى أعلم نفسي زهد المتأمل
ما قبل نفسي – بكت سوسنة
وما بعد نفسي – بكت سوسنة
والمكان يحملق في عبث الأزمنة

على الروح أن تترجل
وتمشي على قدميها الحريريتين
إلى جانبي، ويداً بيد، هكذا صاحبين
قديمين يتقاسمان الرغيف القديم
وكأس النبيذ القديم
لنقطع هذا الطريق معاً
: ثم تذهب أيامنا في اتجاهين مختلفين
أنا ما وراء الطبيعة. أما هي
فتختار أن تجلس القرفصاء
على صخرة عالية

إلى شاعر: كلما غاب عنك الغياب
تورطت في عزلة الآلهة
فكن ” ذات” موضوعك التائهة
، و ” موضوع ” ذاتك 
كن حاضراً في الغياب

إلى الشعر: حاصر حصارك

إلى النثر: جرّ البراهين من
معجم الفقهاء إلى واقع دمرته
البراهين. واشرح غبارك٠

إلى الشعر والنثر: طيرا معاً
كجناحي سنونوة تحملان الربيع المبارك

كتبت عن الحب في عشرين سطراً
فخيل لي
أن هذا الحصار
تراجع عشرين متراً ! ٠٠٠

(…)

إلى الحب: يا حب، يا طائر الغيب!
دعنا من الأزرق الأبدي وحمّى الغياب.
تعال إلى مطبخي لنعدّ العشاء معاً.
سوف أطهو، وأنت تصب النبيذ،
وتختار ما شئت من أغنيات تذكرنا
بحياد المكان وفوضى العواطف: إن
قيل إنك جنس من الجن… صدّق!
وإن قيل إنك نوع من الأنفلونزا… فصدّق!
وحدق إليك ومزق حجابك. لكنك الآن
قربي أليف لطيف تقشّر ثوماً، وبعد العشاء
ستختار لي فيلماً عاطفياً قديماً،
لنشهد كيف غدا البطلان هناك
هنا شاهدين

في الصباح الذي سوف يعقب هذا الحصار
سوف تمضي فتاة إلى حبها
بالقميص المزركش، والبنطلون الرمادي
شفافة المعنويات كالمشمشيات في
شهر آذار: هذا النهار لنا كله
كلّه، يا حبيبي، فلا تتأخر كثيراً
لئلا يحط غراب على كتفي٠٠٠
وستقضم تفاحة في انتظار الأمل
انتظار الحبيب الذي
ربّما لن يصل

” أنا” أو “هو”
هكذا تبدأ الحرب. لكنها
تنتهي بلقاء حَرِج:
” أنا وهو”

” أنا هي حتى الأبد”
هكذا يبدأ الحب. لكنه
عندما ينتهي
: ينتهي بوداع حرج
” أنا وهي”

لا أحبك، لا أكرهك

قال معتقل للمحقق: قلبي مليء
، بما ليس يعنيك. قلبي يفيض برائحة المريميّة
قلبي بريء، مضيء، مليء،
، لا وقت في القلب للامتحان. بلى
لا أحبك. من أنت حتى أحبك؟
هل أنت بعض أناي؟ وموعد شاي
وبحّة ناي، وأغنية كي أحبك؟
لكنني أكره الاعتقال ولا أكرهك.
هكذا قال معتقل للمحقق: عاطفتي
لا تخصك. عاطفتي هي ليلي الخصوصيّ٠٠٠
ليلي الذي يتحرك بين الوسائد حرّاً
من الوزن والقافية!

سيمتد هذا الحصار إلى أن يُنَقِّح
سادة ” أولمب ” إلياذة الخالدة

، سيولد طفل، هنا الآن
في شارع الموت… في الساعة الواحدة

سيلعب طفل بطائرة من ورق
بألوانها الأربعة

أحمر، أسود، أبيض، أخضر
ثم يدخل في نجمة شاردة

(…)

في الحصار، يصير الزمان مكاناً
تحجّر في أبده
في الحصا، يصير المكان زماناً
تخلّف عن موعده

المكان هو الرائحة
عندما أتذكر أرضاً
أشم دم الرائحة
وأجن إلى نفسي النازحة

هذه الأرض واطئة، عالية
أو مقدسة، زانية
لا نبالي كثيراً بفقه الصفات
فقد يصبح الفرج،
فرج السماوات،
! جغرافية

الشهيد يحاصرني كلما عشت يوماً جديداً
ويسألني: أين كنت؟
وأعد للقواميس كلّ الكلام الذي
كنت أهديتنيه،
! وخفف عن النائمين طنين الصدى

الشهيد يوضّح لي: لم أفتش وراء المدى
عن عذارى الخلود، فإني أحب الحياة
على الأرض، وبين الصنوبر والتين، لكنني
> ما استطعت إليها سبيلا
: ففتشت عنها بآخر ما أملك
الدم في جسد اللازورد

الشهيد يعلمني: لا جماليَّ خارج حريتي

الشهيد يحذرني: لا تُصدّق زغاريدهنَّ
: وصدّق أبي حين ينظر في صورتي باكياً 
، كيف بدَّلت أدوارنا، يا بنيّ
وسرت أمامي؟
أنا أولاً

! أنا أولاً

(…)

سلام على من يشاطرني الانتباه إلى
نشوة الضوء، ضوء الفراشة، في
 ! ليل هذا النفق

سلام على من يقاسمني قدحي
:في كثافة ليل يفيض من المقعدين
! سلام على شبحي

السلام كلام المسافر في نفسه
للمسافر في الجهة الثانية٠٠٠

السلام حمام غريبين يقتسمان الهديل
على حافة الهاوية

السلام حنين عدوَّين، كلٌّ على حدة
للتثاؤب فوق رصيف الضجر

السلام أنين محبين يغتسلان
بضوء القمر

السلام اعتذار القوي لمن هو
أضعف منه سلاحاً، وأقوى مدى

السلام انكسار السيوف أمام الجمال
الطبيعي، حيث يفلُّ الحديد الندى

السلام نهارٌ أليف، لطيف، خفيف
الخطى، لايعادي أحد

السلام قطار يوحّد سكانه العائدين
أو الذاهبين إلى نزهة في ضواحي الأبد

:السلام هو الاعتراف، علانية، بالحقيقة
ماذا صنعتم بطيف القتيل؟

السلام هو الانصراف إلى عمل في الحديقة:
ماذا سنزرع عما قليل؟

السلام هو الانتباه إلى الجاذبيّة في
مقلتي ثعلب تغويان الغريزة في امرأة خائفة

السلام هو الآه تسند مرتفعات
الموشح، في قلب جيتارة نازفة

السلام رثاء فتى ثقبت قلبه شامة
امرأة، لا رصاص و لا قنبلة

،السلام غناء حياة هنا، في الحياة
على وتر السنبلة

محمود درويش

Advertisements

About سوريا بدا حرية
،ضد الدكتاتور، ضد الفساد، ضد القمع، ضد العصبة الأسدية الحاكمة، ضد الأحزاب العقائدية السياسية والدينية والإثنية مع حرية الرأي، مع دولة ديمقراطية مع الحقيقة، مع الإنسان Vive la Résistance Palestinienne face à l’agression sioniste

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: