الدفاع المستميت عن الوجود الحرّ


(…)

في مقالة سابقة بعنوان “الحرب واللغة” (ملحق النهار الثقافي 2 شباط 2013)، تطرَّقتُ تحت عنوان فرعي في المقالة “الدال إذ ينصهر في مدلوله”، إلى مقولات تتقاطع مع مقولة “ما حدا بموت من الجوع” هنا، في كونها كانت لغة متكتلة في الذهن، وطويلاً ساد الاعتقاد بأنها مجرد “عُرف لغوي” فحسب، قبل أن تنصهر المقولات كدلالات لغوية في مدلولاتها، وتنتقل من المستوى النظري المحض، إلى المستوى الواقعي الصرف، مثل مقولة: “لقمة مغمَّسة بالدم” التي طالما اعتبرناها مجرد مبالغة لغوية تصف حال الشقاء وضيق العيش والإنهاك اليومي، قبل أن تستحيل واقعاً صرفاً في بستان القصر بحلب، وفي حلفايا بحماة، وفي تلبيسة بحمص، وفي الحجر الأسود بدمشق، وفي البصيرة بدير الزور، وفي الزبداني بريف دمشق وغيرها. ففي كل تلك المناطق، كان هناك فرن ارتسم أمامه طابور من أطفال ونساء وشباب ومسنّين تم قصفه. في غمرة انتظار الخبز، رمى الطاغية حقده قنابل وبراميل ومتفجرات، فتناثروا قطعاً وأشلاء، أما أرغفة الخبز، فقد “تغمَّست بالدم”. مَنْ مات من أولئك، مات، ولكن مَنْ ظلّ منهم حيّاً يتضوّر جوعاً، لم يعد أمامه ربما سوى التقاط رغيف الخبز المضمَّخ بدم من كان للتوّ حياً يحمل في يده أرغفته. كخيار أخير موجِع، قد يلتقط الحي رغيف الميت المغمّس بدمه، ويلتهمه إسكاتاً لصيحات المعدة الخاوية.

ردّ الفعل الحَرِج
ثمة ظاهرة يسمّيها علماء الأحياء ـ”ردّ الفعل الحرج”. تتلخّص في الخيار بين الفناء أو المجابهة. فقد يستسلم الكائن الحي ويرضخ، أو يهرب طالما برز لديه إمكان للنجاة، ولكن عندما ينعدم هذا الإمكان، يتحوّل الضعف إلى قوة يستجيب بردّ فعل حيوي يعبِّئ كل طاقاته ويكثّفها في دفاع مستميت عن وجوده. من المعروف في هذه الحالة أن فئة مستضعَفة قد تغلب فئة قوية متفوقة في العدد والعدة والعتاد.
استناداً إلى هذه الظاهرة، ربما يمكننا تفسير صمود الناس المحاصرين في المناطق المذكورة آنفاً، ورفضهم الانصياع والطاعة والركوع، على الرغم من هول المصير الذي يواجهونه. ألم يكن شعار “الموت ولا المذلة” أحد أهم مرتكزات الثورة نظرياً، فكيف لا يُطبَّق عملياً؟ في مخيم اليرموك بجنوب دمشق مثلاً، استجاب العديد من الناس إلى مبادرة أطلقها أحد شيوخ المساجد، صالح الخطيب، من شأنها إضراب الرجال عن الطعام من أجل إطعام الأطفال والنساء إلى حين فكّ الحصار. مبادرة جاءت، بحسب ناشطين ميدانيين، بمثابة ردّ على حملة رمى فيها النظام كميات هائلة من الأوراق، يهدّد المكتوب فيها، الناس في المناطق الثائرة المحاصرة، ويخيِّرهم بين الجوع والركوع. إعلان الإضراب عن الطعام غير الموجود أصلاً، كان بمثابة رسالة رمزية إعلامية، القصد منها التحدّي وفضح النظام، وفضح العالم أيضاً.
في “رد فعلهم الحرج”، اختار الذين قرروا الإضراب، المجابهة بدلاً من الفناء. تحوّل ضعفهم إلى قوة مكثفة للدفاع المستميت عن وجودهم. بذلك يكونون قد تفوقوا على مَن يفوقهم عدة وعتاداً. هم في إضرابهم عن الطعام غير المتوفر أصلاً، يعون أنفسهم بوصفهم ذواتاً حرة، تقاوم، تأبى الرضوخ، وصادقة مع نفسها، تضع قوانين لنفسها بنفسها من نفسها، وتلك هي الحرية الحقيقية التي يشعرون فيها بأنفسهم أنهم غايات لا وسائل، لا يمكن مساومتهم، يرفضون معاملتهم كأشياء، أو وسائل لغاية الكفّ عن الثورة، كما تريد السلطة التي تطالبهم بالركوع في مقابل رغيف الخبز. “السلطة الشيء” التي تنظر إلى نفسها من خلال الكرسي (الشيء)، فتعتقد أن محكوميها أشياء أيضاً.

عن جريدة النهار.

علا شيب الدين

2013-10-20

طفلة مهددة بالموت بسبب نقص التغذية - معظمية الشام ٢٣ ٠٩ ٢٠١٣

طفلة مهددة بالموت بسبب نقص التغذية – معظمية الشام ٢٣ ٠٩ ٢٠١٣

Un homme transporte sa petite soeur blessée lors d’une frappe aérienne à Alep, en Syrie. 2013 - Abdullah al-Yassin-AP-SIPA

Un homme transporte sa petite soeur blessée lors d’une frappe aérienne à Alep, en Syrie. 2013 – Abdullah al-Yassin-AP-SIPA

Advertisements

About سوريا بدا حرية
،ضد الدكتاتور، ضد الفساد، ضد القمع، ضد العصبة الأسدية الحاكمة، ضد الأحزاب العقائدية السياسية والدينية والإثنية مع حرية الرأي، مع دولة ديمقراطية مع الحقيقة، مع الإنسان Vive la Résistance Palestinienne face à l’agression sioniste

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: